حوار بين أم وابنها الشهيد العائد من رحلة الشهادة..

بقلم: أبو الأمير حلس..

زمن الحوار : صباح هذا اليوم : 2018/08/02،
مكان الحوار : حي الشجاعية بمدينة غزة..
قبل أن ترسل الشمس أشعتها الأولى إلى الكون وتزقزق العصافير على الأغصان وقبل أن تطير الفراشات على أجنحة الهواء..استيقظ ثمانية عشر شهيدا من عائلة حلس من قبورهم المتلاصقة بمقبرة الشهداء..
اصطف الشهداء في موكب واحد وكأنهم في طابور صباحي في سرية عسكرية..ساروا سويا بعظامهم وأحلامهم وملابسهم الموشحة بالدماء والمثقوبة بالرصاص..
سار الشهداء صفا واحدا بهدوء حذر نحو بيوتهم حتى لا يثيروا إنتباه القتلة فيعيدوا قتلهم من جديد..
الأمهات في مثل هذا اليوم من كل عام تتوحد بإحساس الإمومة ويبدأ شريط الذكريات بالدوران وتحكى القصص عن الشهداء وتتجه الأنظار صوب الصور المعلقة على الجدران..
إقتربت كوكبة الشهداء من باب أحد منازل العائلة الذي كان مواربا فإذا بأم تلمح وجه إبنها الشهيد العائد فتقفز من مكانها تلقائيا وتصرخ :
ياما..!! ياما..!! ثم تتلقفه بحضنها بعناق حار وتنهمر الدموع من عينيها لتحبس انفاسها للحظات.. آه يا ابني كم إنتظرتك لتعود إلي..عشر سنين وأنا أنتظر لقاؤك هنا دون أن أغادر هذا المكان!!.
حدثيني يا أمي عما حدث لنا في ذلك الصباح.. يبدأ الشهيد أولى كلماته لأمه –
الأم : من هنا يا ولدي بدأ الهجوم الغادر بشكل مفاجئ وهنا تساقطت علينا القذائف والرصاص كالمطر فاخترق الرصاص جسدك وهنا نزفت دماؤك وهنا تعالت صرخاتنا ثم ساد صمت قاتل..
ومن هنا يا ولدي مر القتلة وتسلقوا الجدران وكسروا حرمات البيوت وعم الهول والويل والصراخ والرصاص ينهمر كالمطر والدماء تنفجر في كل مكان كالينابيع..
وتواصل الأم سرد حديثها :
ومنذ أن سقطتم يا ولدي أوجعتنا عيوننا من كثرة البكاء عليكم.. لكن أن تعود إلينا في هذا اليوم هذا شيء عظيم يخفف علينا..فعلى مدار عشر سنين والأيام تناديكم وتلهج بذكر قصصكم ونحن نصغي لها..
وفي هذا الموعد من كل عام نخصص لكم هذا اليوم لنتحدث فيه عن اخلاقكم وصفاتكم الرائعة وعن أحلامكم التي قطعها الرصاص الغادر.. هذه بنظرنا أمانة تركت في أعناقنا وعلينا أن نؤديها..فإذا كنا نحن لا نتحدث عنكم فمن سيتحدث عن سماتكم إلى الآخرين والجيل الذي حرم من رؤيتكم أو الجيل القادم لكي يعرفوا بأنكم على هذه الأرض مشيتم..
يا ولدي الغالي نحن ما زلنا أسرى سيرتكم ومشهدكم ولا نستطيع أن ننساه!! فكيف لنا أن ننسى ذلك الهجوم الغادر الذي اسقطكم..? أنتم بذلتم أرواحكم وثبتم في مواجهة الموت وسموتم على الحياة التي يحرص عليها سائر المخلوقات..
أنتم الشمس التي تشرق علينا يوميا بعد أن حل الظلام..وليس هناك يا ولدي كلمات يمكن أن تصف حزننا عليكم أو تستطيع أن تدفن أحلام أمهات الشهداء كما دفنت أجسادكم ظلما وعدوانا..لكن قد تتجرأ بعض الكلمات لتحاول وصفكم بالشموع التي احترقت ليحيا الأخرون..
وبعد هذا السرد حبست الأم دموعها لتحتضن ابنها الشهيد بعناق حار قبل أن يغادر المكان إلى حيث يرقد…لكن الدموع انهمرت على كتفه بغزارة عندما استعد للمغادرة… ودع الشهيد أمه وقبلها ثم غادر قبل أن يأتي القتلة على أمل أن يعود من جديد العام القادم.

شاهد أيضاً

زياد… أعطى الأرض عمره

بقلم: موفق مطرعاشق الأرض المقدسة، شجرة زيتون فلسطينية اصلها ثابت في الأرض وفرعها ينير السماء …

اترك رد