إسرائيل على عتبة الانقلاب ؟! كتب رجب أبو سرية

يبدو أنه لكل شيء نهاية حقاً، كما يقولون، ويبدو أيضاً أنه ما أن يصل الشيء إلى آخر مداه حتى ينقلب تماماً، وأن شد الحبل إلى آخره سيؤدي به إلى أن ينقطع، كما هو حال أيضاً كوب الماء المملوء حتى آخره، فما أن تضيف إليه قطرة واحدة أخرى حتى ينسكب منه الماء.
يبدو أن هذا بات هو حال حزب الليكود ورئيسه بنيامين نتنياهو، الذي يتطلع إلى رئاسة رابعة للحكومة الإسرائيلية التي سيتم تشكيلها بعد انتخابات الكنيست العشرين والتي ستجري بعد نحو ستة أسابيع في إسرائيل، فما أن ظن الحزب والرجل أنهما قد تربعا على «عرش إسرائيل» وأنهما قد وضعا حداً «للتحدي» الفلسطيني، بعد مواجهة قاسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لم يحسن الجانب الفلسطيني إدارتها جيداً، ما أدى إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية والقدس، كذلك إلى فرض انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة، وفتح الباب لانقسام داخلي فلسطيني، وقطع الطريق – هكذا – أمام تحول السلطة إلى دولة كما كان يسعى، وما يزال، الجانب الفلسطيني.
خمسة عشر عاماً من الحكم المتواصل لليمين الإسرائيلي، بعد التحاق حزب العمل به، في حكومة وحدة وطنية في العام 2001، جعلت من اليسار بحزبيه العمل وميرتيس مجرد ذكرى أو خيالات حزبية، لا يكاد يشعر بوجودها أحد، ثم ضاعف من الوضع المريح لليمين الإسرائيلي في مواجهة الجانب الفلسطيني، تفجر الأوضاع الداخلية في أكثر من بلد عربي، الأمر الذي فاقم من توفير الظرف المناسب تماما للحكومة الإسرائيلية لتغلق الأبواب في وجه الجانب الفلسطيني، حتى بعد أن تعهد الرئيس الأميركي صيف العام 2009 بإقامة دولة فلسطينية، هي الدولة التي يفتقد وجودها المجتمع الدولي ممثلاً بالجمعية العامة للأمم المتحدة.
ولأن الصراع بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لا يتحدد شكله ولا مآله ولا تحسم نتيجته بما يقرره طرف دون الآخر، والذي يصل في كثير من الأحيان إلى درجة أو مستوى الوصف الذي عادة ما يطلقه مراقبو الحروب والصراعات الدولية، على متحاربين تداخلت بينهما خطوط الصراع إلى حدود بعيدة، فيقولون إنه بات صراع الدببة، فإن الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي لا يتحدد فقط بدرجة أو شكل الاقتتال الميداني، بل أيضاً بكيفية وطبيعة إدارة هذا الصراع على كل جانب، أي أن جوهر وطبيعة ومحتوى القيادة على الجانبين يمكنها أن تضفي الفاعلية أو الضعف أو العجز على أحدهما.
يمكن القول بكثير من الثقة إن حدثاً واحداً خلال تلك السنوات العجاف منع وصول المخطط اليميني الإسرائيلي إلى مبتغاه النهائي، ويتمثل في وجود قيادة فلسطينية عقلانية، تتمتع بالحكمة والحنكة السياسية، وتحتل مكانة دولية مقبولة، يترأسها قائد متميز اسمه محمود عباس، والذي – بتقديرنا – وبسبب ما أظهره من رباطة جأش وصبر، حتى على انقلاب وتمرد ومناكفة «حماس» المستمرة، ومراوغة إسرائيل الدائمة، إضافة إلى عدد من المنغصات الأخرى بما فيها داخل حركة فتح، من الجماعة الدحلانية وغيرها، كذلك عدم فاعلية الكل الوطني بتوفير المقاومة السلمية كإسناد لجبهته السياسية، بالرغم من كل ذلك، فإن كل ذلك لم يفت من عضد الرجل، فقام بترميم الوضع الداخلي ومواجهة ارث ثقيل من الترهل السياسي ومن ثقافة الشعارات، ومن «الولدنة السياسية» التي كانت تعتبر وصفة ممتازة لإسرائيل لتكمل إطباقها على المشروع الوطني الفلسطيني.
بتقديرنا الطرفان – الفلسطيني والإسرائيلي – الآن، على مفترق طرق، ورغم انه توجد مشكلات على الجانب الفلسطيني، تتمثل في بقاء الانقسام قائماً، كذلك في اختصار الصمود على الجانب الفلسطيني، أو على الأقل تلخيصه وتركيزه في شخص الرئيس المتقدم في السن، رغم حفاظه على لياقته السياسية، إلا انه يمكن القول إن الجانب الفلسطيني يمتلك زمام المبادرة وجاهز للحل التاريخي، فيما الجانب الإسرائيلي قد انطبق ظهره مع الحائط، وما لم يحدث الانقلاب الداخلي، فإنه سيواجه تحديات لا حدود لها، قد تفتح الباب لحل الدولة ثنائية القومية كما حذر رئيس الموساد السابق مائير دوغان قبل أيام.
ربما كان وجود اليمين الإسرائيلي على الجانب الإسرائيلي يمثل الخيار الأفضل لإسرائيل لو نجح في فرض الاستسلام على الجانب الفلسطيني، كما انه ربما كانت «حماس» أو ما يسمى بخيار «المقاومة» هي الأفضل على الجانب الفلسطيني لو أنها تنجح في فرض الهزيمة على إسرائيل في المدى المنظور، لكن وحيث إن المعادلة ما زالت متوازنة، فإن الأفضل للطرفين هو تحكيم العقل والتعقل.
هذا ما أدركته حتى الإدارة الأميركية وقبل فوات الأوان بقليل، لذا فإن القطيعة بين نتنياهو وأوباما، على خلفية خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية في الكونغرس من وراء ظهر سيد البيت البيض وتأكيد الأخير بأنه لن يلتقي به، كذلك ارتفاع أسهم حزب العمل في استطلاعات الرأي، وتوحد العرب في قائمة انتخابية واحدة، كل هذا يعد أخباراً غير سارّة لليمين الإسرائيلي ولنتنياهو، وإشارات على أن الانقلاب السياسي في إسرائيل قادم، وان السؤال بات متعلقاً بالنتيجة النهائية، وإن كانت ستؤهل اليسار والوسط لتشكيل الحكومة، أم أنها ستضطره للتحالف مع حزب يميني – مثل إسرائيل بيتنا – أو مع حزب ديني، أو أنها ستكفيه للعب دور المعارضة القوي، التي إن لم تؤهله لتشكيل الحكومة، فإنها ستوفر له القدرة على أن يقف في طريقها ويشلّ قدرتها على التفرد بالحكم، ويمنعها من إطلاق يد التطرف إلى آخر مدى؟!
Rajab22@hotmail.com

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »