تضامن فرنسي في مواجهة التوحش

بقلم: مهند عبد الحميد

لا تزال سياسة إدارة ترامب العدمية المتطرفة المنحازة لمواقف اليمين الديني والقومي العنصري الإسرائيلي تتصدر المشهد الدولي، تصول وتجول وتمعن في تصعيدها المحموم ضد الشعب الفلسطيني معلنةً إفلاسها السياسي والأخلاقي الكاملين، ورغم ذلك لا يتأسس بديل دولي لها. وعندما نتحدث عن بديل السياسة الأميركية فإن المرشح الأكبر والأهم هو الاتحاد الأوروبي. غير ان هذا القطب الدولي الداعم للحقوق الفلسطينية المشروعة منذ عقود، يكتفي بعدم الموافقة على سياسات إدارة ترامب وبالتأكيد على مواقفه الداعمة لحل الدولتين. ولم ينتقل الى مستوى بديل لسياسة تصفية حقوق الشعب الفلسطيني. أسباب كثيرة تقف خلف العجز الأوروبي الواضح في مواجهة تدمير ترامب للعناصر الإيجابية في تراث هيئة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وقراراتها ومواثيقها.
الموقف الأوروبي غير موحد في المسألة الفلسطينية، فهناك بعض الدول الأوروبية تتناغم مواقفها بعض الشيء مع مواقف ترامب، وتعارض اتباع سياسة أوروبية بديلة للسياسة الأميركية، وقد استطاعت هذه الدول – رغم أقليتها وهامشيتها الاقتصادية – من إضفاء طابع شكلي وسلبي على الموقف الأوروبي. كما هي عليه حال جامعة الدول العربية التي يستطيع فيها الطرف الأضعف تعطيل الموقف الرسمي للجامعة. مقابل ذلك، لم تتمكن الدول التي تعارض السياسة الأميركية بوضوح وتدعو الى سياسة بديلة تبدأ بالاعتراف بدولة فلسطين – كإيرلندا وإسبانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ والسويد – لم تنجح بدورها في كسر الاحتكار الأميركي في نسخته الترامبية، وبالتالي لم تنجح في بناء سياسة أوروبية مستقلة في ما يخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
إن وجود أقليتين أوروبيتين وسياستين إيجابية وسلبية في الموقف من مقامرة ترامب، لا يفسر حقيقة الموقف الأوروبي، ذلك ان ميزان القوى الداخلي المختل لصالح الدول الأوروبية الأقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً يسمح بتجاوز مواقف بعض دول أوروبا الشرقية المتناغمة مع ترامب، ويسمح بحضور سياسي أوروبي قوي، في مواجهة غطرسة ترامب – نتنياهو. المشكلة تكمن في مواقف كبار الأوروبيين، وتحديدا في الموقف الرسمي الفرنسي الذي سجل تراجعا. فقد تعهدت الحكومة الفرنسية في عهد فرانسوا أولاند بانها ستعترف رسمياً بدولة فلسطين نهاية العام 2016 اذا ما استمرت اسرائيل في تعنتها. وفي الوقت الذي ضربت فيه اسرائيل رقما قياسيا في تعنتها – قانون القومية العنصري – والمضي في الاستيطان وتدمير مقومات الدولة الفلسطينية، لم تلتزم الحكومة الفرنسية في عهد ماكرون بتعهدها. ولم تستجب لموقف البرلمان الفرنسي الذي أوصى الحكومة الفرنسية بالاعتراف بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس. الموقف الفرنسي ومن خلفه الموقف الاوروبي له صلة بالمصالح ومدى تحققها او تضررها.
وعند الحديث عن علاقة المواقف السياسية بالمصالح، فهذا يحيلنا الى الموقف العربي الرسمي الذي لم يستخدم سلاح الضغط على المصالح مع إدارة ترامب التي تجاوزت كل الخطوط وداست على الحقوق الفلسطينية بمستوى استفزازي وعدائي غير مسبوق، وتحصيل حاصل فان الدول العربية لم تقدم حوافز هي في صلب المصالح الأوروبية للإقلاع بسياسة بديلة. مقابل ذلك فان المصالح الأوروبية ستتعرض للمس من قبل إدارة ترامب، وستتعرض لضغوط الاتجاهات اليمينية والعنصرية واللوبيات الصهيونية والدينية التي تعتبر امتدادا للظاهرة الترامبية، وللمزيد من المتاعب والخسائر للدول التي تتبع سياسات مناهضة. لذا فان الموقف الأوروبي وانسجاما مع المصالح يتبنى موقفا غير تصادمي مع تحالف ترامب نتنياهو.
في مواجهة الانسداد السياسي الأوروبي على صعيد دول وحكومات، من الطبيعي النظر لسياسات قوى سياسية ومجتمعات مدنية ومنظمات ومستويات فنية وثقافية تتبنى مواقف بديلة محكومة بمنظومة قيم إنسانية وأخلاقية وقانونية. نبدأ ببيان وقع عليه اكثر من 100 فنان وموسيقي ورسام من مشاهير العالم، اعلنوا فيه مقاطعة مهرجان الأغنية الاوروبية – الأوروفيزيون- لأنه سيقام في إسرائيل العام 2019، واسرائيل بالنسبة لهذه النخبة التي يقف من خلفها مئات الآلاف من المعجبين هي التي تنكر حقوق الفلسطينيين وتمنع عنهم الحرية، ويعد الفنانون في بيانهم، بأنهم سيواصلون اعتراضهم حتى يتمتع الشعب الفلسطيني بالحرية والحقوق”. وكان 16 فناناً عالمياً قاطعوا مهرجاناً موسيقياً في اسرائيل استجابة لرسالة شخصية وجهها نجم الروك العالمي وعضو فريق “بينك فلويد”، روجر ووترز، للفنانين الذين أعلنوا سابقًا مشاركتهم في المهرجان.
في اوروبا وفي فرنسا على نحو خاص اغلبية المواطنين لا تعرف الكثير عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ولا تتوقف عند سياسات حكوماتها من ذلك الصراع، الا ان النخب الثقافية والفنية والاكاديمية والاحزاب اليسارية والنقابات والمجالس البلدية وحركات سلام، وجمعيات دينية مسيحية تدعو للتعايش بين الاديان، وحركات مناهضة للعنصرية ومنظمة فرنسا – فلسطين للتضامن، هذه القوى تتمتع بحيوية سياسية وهي متعاطفة مع الشعب الفلسطيني وتمارس تأثيرا منظما ومتناميا في الرأي العام. وثمة أقلية مدعومة من أحزاب عنصرية ويمينية من داخل هذه النخب تؤيد السياسات الإسرائيلية وتمارس أشكالاً من الضغوط لصالح إسرائيل.
التجربة الفرنسية في التضامن مع الشعب الفلسطيني مميزة ولها حضور ملموس في اكثر من مجال، يأتي في مقدمتها مشاريع التوأمة بين مدن فرنسية ومدن ومخيمات فلسطينية، في هذا الصدد سجل حوالي 70 توأمة بين مدن فرنسية ومدن ومخيمات وبلدات فلسطينية، كان من ابرزها توأمة مدينة ليل الفرنسية مع مدينة نابلس، توأمة مدينة رون الألب الفرنسية مع مدينة اريحا، وبلدية فالنتون مع مخيم بلاطة، ومدينة فالنتون غرونوبل مع مخيم عين الحلوة، ومدينة ساندونيه مع بلدية الخضر ومخيم عايدة. وسجلت مؤخراً ظاهرة رفع الأعلام الفلسطينية الى جانب الإعلام الفرنسية وعلم الاتحاد الأوروبي على مباني عدد من البلديات الفرنسية تضامناً مع الشعب الفلسطيني، فقد رفرف العلم الفلسطيني على مبنى بلديات فيلنوف سانجورج، بورجونيه، وكري وغيرها. وبلديات أخرى اتخذت قرارا بتسمية مدن فلسطينية على بعض شوارعها، فقد أسمت بلدية بوزان زقاقا باسم النكبة. وكانت المدينة الهولندية ايندهونن قد أطلقت أسماء رام الله والناصرة والخليل وفلسطين على عدد من شوارعها.
التوأمة ورفع الإعلام وتسمية الشوارع ومقاطعة السلع والأنشطة الفنية والثقافية الإسرائيلية، هي جزء ومظهر من عملية التضامن الحقيقي مع الشعب الفلسطيني، عملية قابلة للاتساع والتطور الى مستوى التأثير في مواقف الحكومة الفرنسية لمصلحة الشعب الفلسطيني. التضامن من هذا النوع لا يقتصر على فرنسا بل يمتد الى بلدان أوروبية عديدة. وما هو جدير ذكره هنا هو العلاقة بين تطور التضامن والدعم الأوروبي للتحرر الفلسطيني، والنضال ضد التوحش الاقتصادي والعنصرية والترامبية. ثمة مصلحة مشتركة توحد نضال الشعوب الأوروبية مع نضال الشعب الفلسطيني، وتلك قاعدة انطلاق يمكن البناء فوقها بمشاركة كل المتضررين من التحولات الرجعية على صعيد كوني. كما ان تطور التضامن يرتبط بالأداء الفلسطيني، فحيثما تتوفر رافعة فلسطينية كنموذج – البي دي اس – راهناً، وممثلي المنظمة سابقاً تكون استجابات القوى والشعوب المتضامنة أقوى وافعل.

شاهد أيضاً

اغتيال استعراضي خائب …!!

بقلم: أكرم عطا الله لا أحد يصدق أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن …

اترك رد