تشاؤم العقل وتفاؤل الارادة

بقلم : الاخ عماد الأصفر

انا ايضا مثل كثيرين لم اقرأ كثيرا للشهير صاحب هذه العبارة الشهيرة، أعلم انه فيلسوف ايطالي شيوعي قضى في المعتقل تحت التعذيب ايام موسوليني، وانه كان على خلاف مع الستالينية، ربما لانه كان ينتقد مفهوم الهيمنة الثقافية للحفاظ على الحكم في المجتمع الرأسمالي، فتفاجأ بان الستالينية لا تهيمن على الثقافة فقط بل تمتهنها وتمتهن اصحابها الحقيقيين.

إسمه انطونيو غرامشي، احدى الحاصلات على ماجستير الاعلام ظنته اسم عطر! ، وزميل آخر لها ظنه ماركة ازياء عالمية!. هل يكفي ذلك للتشاؤم بخريجي الماجستير واساتذتهم وجامعاتهم؟ أليس من غير المعقول ان نحفظ جميع الاسماء الشهيرة؟ ثم ماذا لو نسينا او جهلنا اسما او اسمين، او عرفناهما ولم نستفد من معرفتهما شيئا؟!.

لا اجد امثلة فلسطينية او حتى عربية تجسد هذه المقولة، كان ياسر عرفات متفائل العقل واللسان والارادة، وكان يقول للمحبطين: اللي تعب يروح ويبعتلي اولاده، هل يجب اعتبار تفاؤل العقل مثلبة أم منقبة؟.

لست متشائما لإدراكي بمدى طول المشوار، وعظمة ما يحتاجه. لست متشائما لأن ما يجري مخالف لمنطق التاريخ، ولأن التاريخ يصحح نفسه ولو بعد حين، وهذا ليس مدعاة للركون الى الغيب وانتظار تصاريفه، وانما مدعاة للعمل ونقد المسيرة ولكن دون ادمان جلد الذات ونقطة.

كان ياسر عرفات يقول عن الانتفاضة الاولى انها ستستمر موجة وراء موجة، لا اعتقد انه كان يقيس الموجات بالشهر والسنة والعقد او العقدين، وكان يقول رحمه الله الشعب الفلسطيني هو طائر الفينيق : جميل وقوي ومتجدد ، يحترق الى ان يصبح رمادا ثم ينهض من جديد أقوى من السابق وأجمل.

لقد احترقنا مرارا ولكننا كنا نتجدد دوما، من ثورة القسام وعبد الرحيم الحاج محمد ورفاقهما، الى عبد القادر الحسيني ورفاقه، ومن الشقيري الى ياسر عرفات فالى يومنا هذا.

لا تحسبوا ان هذه المسيرة كانت خالية من الاختلاف القاسي بين فلاح ومدني، ومن يناصر المانيا ومن يتحالف مع بريطانيا، ولاحقا الاتحاد السوفياتي.. وبين من يريد الاعتماد على الذات ومن يراهن على العروبة.

ولا تحسبوا ان رجال العصور السابقة لم يكونوا متحزبين وبأفراط في بعض الاحيان، ولا تحسبوا ان الاحزاب والفصائل السابقة كانت خالية من الخيانات والسقطات والانهزاميين، وسالمة من الانشقاقات سواء العمودية او الأفقية.

لسنا استثاءا لا في التاريخ ولا في الجغرافيا فكل الثورات عانت ما نعانيه، ولكنها انتصرت وكتبت تاريخها كما تشتهي بعد ان نفضت عنه كل ما علق به من أوساخ وفيروسات.

من المهم في كثير من الاحيان النظر الى الخلف ببعد النظر وطول الذاكرة ومع ايمان بان لا مجال للقفز ولا للضربات القاضية في صراعنا، وانما للخطوات حتى لو كانت قصيرة شريطة ان تكون الى الامام.

الى كل من يشعر ان الوضع الفلسطيني البائس حاليا بائس جدا وغير مسبوق اقول: انت غلطان يا صديقي، لو كنت عايش ايام النكبة او النكسة شو بيكون شعورك؟
لو عشت احداث ايلول والاحراش بعد ما شميت نفسك في الكرامة شو بيكون شعورك؟
لو خرجت من بيروت على الباخرة او عشت مجزرة صبرا وشاتيلا بعد ما اسست جمهوريتي الفاكهاني والعرقوب شو بيكون شعورك؟
لو عايشت الانشقاق وقصف المخيمات علي ايدي الحلفاء اللي كبرتهم بايدك شو بيكون شعورك؟
لو انك ترحلت من الاردن لسوريا للبنان للعراق لليمن لتونس للجزائر لمالطا شو بيكون شعورك؟
لو انك عايشت الضغط الدولي وتجفيف الموارد كعقاب على موقفك في حرب الخليج بعد ما ازدهرت انتفاضك شو بيكون شعورك؟
لو انك اكتويت بنيران الفشل في تشكيل السلطة في البدايات شو بيكون شعورك؟
لو انو مجلسك التشريعي الاول ما رضي حدا يشاركك فيه واستمر ١٠ سنوات وبعدين هجموا عليه واخذوه بديمقراطية مقتنصة في لحظة ضعف، شو بيكون شعورك؟
لو انك شفت انتفاضتك الثانية بتنتهي بجدار واجتياحات وحصار لرئيسك وغياب تام لسلطتك شو بيكون شعورك؟
لو انك عانيت من الفلتان الامني والغياب المطلق للقانون بعد ما كنت بتقنع العالم بجدارتك وحقك في الدولة شو بيكون شعورك؟
ولو ،،، ولو ،،،، ولو ،،،، وشو بيكون ،،،، وشو بيكون ،،،، وشو بيكون

قصتنا طويلة جدا ،،،، ووضعنا الحالي صعب جدا بس كان في اصعب منه ، قصتنا طويلة وعشان هيك كان ابو عمار دايما يقول لامثالي وامثالكم اللي تعب يروح ويبعثلي اولاده.
انا متفائل ولست غبيا، ولن ارضى بنصف تفاؤل، ولا بتشاؤل، ولا يزعجني شيء بمقدار ما يزعجني انني مجبر في كل مرة على تعداد وشرح مبررات هذا التفاؤل، فلطالما كنت اعتبر ان الهزائم والأخطاء هي فقط ما يحتاج الى التبرير.

مرد هذا التفاؤل اسباب طبيعية تعرفونها جميعا ومنها؛ اننا اصحاب حق طبيعي وتاريخي، وان الاحتلال لا يترك لنا فرصة لكي ننسى عداوته، فهو يقوم بواجبه اليومي في تذكيرنا بهذه العداوة وبحقوقنا، والى جانب هذه الاسباب التي تعمل كقوانين بشكل اعمى، اسباب اخرى شخصية تأخذ طابع المقارنات النظرية.

من هذه الاسباب الشخصية انني كنت شاهد عيان على موت افكار عالمية وخراب أحزاب متينة بل وانهيار دول كانت كبيرة ثم اصبحت بين ليلة وضحاها هباءا منثورا، ورأيت مٌنظري هذه الافكار ومناضلي تلك الاحزاب ومسؤولي تلكم الدول ومواطنيها ايضا، في حالة من الفوضى والانكفاء والارتداد بل والكفران بالوطن، ولا استطيع ان ارى مهما زودت عيار التشاؤم في نظرتي لوضعنا، شبيها لهذه الحالة لدينا.

كنت شاهدا على انهيار جدار برلين، وتتبعت آنذاك على وجوه وقلوب وعقول الكثيرين أثر موت الايدولوجية الشيوعية وخراب دولها وانهيار أحزابها وردة مناضليها نحو اقصى اقصى النقيض، وتتبعت ايضا ردة القومية في العراق وسوريا نحو الطائفية البغيضة، واعرف تماما ان الديكتاتوريات كانت ارحم بشعوبها من حكوماتها اللاحقة وقواها الفاعلة.

من شهد ذلك لا شك سيستصغر كل جلل، مؤكد اننا لم نكن مؤهلين للزوال والشطب ولكننا تمكننا من تحويل وجودنا من مجرد وجود الى حضور، ويفهم ذلك من يعرف التاريخ وقياس السنوات وشروط وقوع التحولات الكبرى.

ومن الاسباب الاخرى التي تأخذ طابع المقارنة تلك المتعلقة بالمآسي الأعمق التي مرت بنا خلال المسيرة الطويلة من مذابح ومجازر ونكبة وضياع للهوية والجغرافيا ونكسة فصراع مع الانظمة على العيش والهوية والتمثيل وجواز السفر، الى معارك كادت تكسرنا ثم اكتفت بان أبعدتنا بعيدا جدا، ثم انشقاقات واختلافات جذرية في الرؤى فانشقاقات سياسية وجغرافية.

برغم كل هذا ما زلنا نحمل على أكتافنا بعضا من فكر وجزءا من تنظيم وواجبا لا يسمح لنا بالتخلي عنه حتى لو اردنا ذلك، فهل يكمن السر في مميزات فلسطينية خاصة ام في طبيعة عدونا ؟

اعتقد اننا لسنا استثناءا لا في السلب ولا في الإيجاب، نحن طبيعيون عاديون ، الاستثناء المقيت هو في عدونا ، في غطرسته في حجم إجرامه في طبيعة احتلاله في تفوقه بشتى المجالات.

نحن عاديون وطبيعيون وساذجون الى الدرجة التي ننظر فيها الى هذا الاحتلال فنلاحظ تفوقه الهائل من غير ان يخطر ببالنا اننا قد نتفوق مثله يوما ما، لا احد فينا يفكر بذلك ، نحن فقط نفكر بالتخلص من الاحتلال ولكن من دون مقاربة تفوقه في أي مجال غير العسكري.

نحن طبيعيون وعاديون وساذجون الى الدرجة التي نسخر فيها من كل من يجرأ على المقارنة او البحث عن مجال يمكن التفوق فيه .

نحن عاديون وطبيعيون وسطحيون بما يكفي لتحويل كل إنجاز الى مسخرة ، نحن عاديون لدرجة اننا نمر بعبارة شاعرنا محمود درويش : ما اصغر الدولة ،،،،،، ما اوسع الفكرة، ولا يتوسع فكرنا بل يضيق.
نحن عاديون وبذاكرة قصيرة والذاكرة القصيرة آفة وكثير من الصحافات آفات .
نحن عاديون الى درجة اننا لا نجيد التفاؤل
نحن عاديون الى درجة اننا قد نُفتن بجلادنا
نحن عاديون الى درجة اننا لا نبحث ولا نفكر بالبحث عن مجال للتفوق
وانا متفائل لان كثيرين بدأوا يقتنعون باننا طبيعيون وعاديون ولسنا استثناءا. وانا متفائل لان الجيل الجديد توقف عن معاتبتنا ولومنا وبدأ يعمل لوحده.

ملاحظة عندما انطلق ابو عمار وابو اياد وابو جهاد ورفاقهم من كافة الفصائل كانوا اصغر عمرا واقل معرفة وامتلاكا لادوات العمل، وانقلبوا على فكر سائد كان التشكيك فيه كفرا، انقلبوا على زعامات كان ينظر اليها بكل الابهة والتقديس في حينه، انطلقوا فعليا وعمليا وعلى الارض فكنا وكان ما كان، وسينطلق جيل آخر بادوات أخرى تواكب الحداثة ليكون ما سيكون. فالدول لم تعد اوطانا، والاستقلال لم يعد مقرونا بالسيادة.

شاهد أيضاً

اغتيال استعراضي خائب …!!

بقلم: أكرم عطا الله لا أحد يصدق أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن …

اترك رد