عندما قال الملك عبدالعزيز للرئيس روزفلت لا!

بقلم: ممدوح المهيني

تتعرض السعودية لحملة ابتزاز وتشويه متواصلة ومدبرة تتهمها بالتعاون مع إسرائيل خفية، وذلك عبر نشر عدد كبير من القصص والأخبار المزيفة التي لا أساس لها بهدف هز شرعيتها السياسية. من بينها كذبة تروجها وسائل إعلام قطرية وإيرانية وإخوانية عن مشاركتها في التدبير فيما أطلق عليها “صفقة القرن” التي تقضي باقتطاع ما يقارب ألف كيلومتر من سيناء لتوطين سكان غزة.
كل هذه الادعاءات مجرد كومة من الأكاذيب، ومن المثير للسخرية أن مروجيها هم من يملكون علاقات معلنة مع الحكومة الإسرائيلية. في الدوحة وليس الرياض يقع المكتب التجاري الإسرائيلي، والرئيس الإسرائيلي السابق شمعون بيريز زار قطر وقناة الجزيرة، واحتفى به أمير قطر السابق حمد بن خليفة، ونُثرت عليه الورود، وأُهدي سيفاً مرصعاً بالذهب. واللقاءات بين المسؤولين في البلدين لم تعد أسراراً، فقبل أسابيع التقى في قبرص وزير الخارجية القطري بوزير الدفاع الإسرائيلي. ومع هذا يشن الإعلام القطري الإخواني حملة على السعودية بدل أن يوجهها للسلطة القطرية.

الإسرائيليون يدركون أن الرئيس التركي أردوغان طامح لقيادة العالم الإسلامي، ويعرفون أن شتائمه المصوبة لتل أبيب مجرد مفرقعات صوتية ستمنحه مثل هذا البريق. لكن الواقع مختلف، حيث ترتبط تركيا بإسرائيل (التي اعترفت بها بعد عام فقط من تأسيسها) بعلاقات تجارية ضخمة تزيد عن 4 مليارات دولار سنوياً، زادت في العام الماضي فقط لـ14%. السوق الإسرائيلي من قائمة الـ10 أسواق الأكثر استقبالاً للبضائع التركية من الفولاذ وحتى المكسرات والأجهزة الإلكترونية. الرياض لم تتبادل مع إسرائيل ريالاً واحداً، ولم ترسل لها حبة أرز واحدة، ومع ذلك تواجه تهم الخيانة ويحرق علمها في مظاهرات مدبرة.
هناك 3 أسباب تقف خلف كل هذا التناقض. أولاً، أن الدعاية المعادية للرياض تستغل المشاعر القومية والدينية للتحريض ضدها، وبسبب ذلك يكسبون تعاطف بعض الجمهور العاطفي المنفعل الذي يصدّق أي قصة تمس دينه وعروبته. في مجتمعات تسيطر عليها أفكار التآمر ولا تلقي بالاً للحقائق، الأسرع بتوجيه بندقية الصهيونية والإمبريالية على صدر الآخر هو المنتصر. ومن المعروف أن القضية الفلسطينية دخلت منذ البداية وحتى اليوم لسوق مزايدات قادة مهووسين ومصابين بداء العظمة، ويحلمون بقيادة العالم العربي والإسلامي عبر استخدام القضية التي تنصهر فيها المشاعر القومية والدينية. إضافة إلى أن استخدام الشعار الفلسطيني كأداة تشويش على الفشل الداخلي وهروب من تحقيق الازدهار الاقتصادي بحجة البحث عن مجد خارجي. ثانياً، الخطاب السعودي السياسي هادئ ولم يُعرف عنه أنه لجأ لذات الأسلوب، أي استغلال المشاعر والعواطف المتأججة للقيام بالدعاية لنفسه أو توجيه تهم الخيانة ضد خصومه.
والسبب الثالث أن القيادة السعودية لا تتحدث في الغالب عن ما تقوم به في الاجتماعات الرسمية والغرف المغلقة مع مسؤولين غربيين وأميركيين لمناصرة القضية الفلسطينية ودعمها. ربما يعود جزء من ذلك في التقليد السعودي السياسي القديم الذي يفضل الكتمان على الإعلان والتفاخر، وكما قال هنري كيسنجر في كتابه الأخير “النظام العالمي” إن السعوديين حوّلوا العمل بهدوء وخلف الستائر المسدلة إلى تقليد سياسي غير معروف سابقاً. ولهذا السبب ننبش في مذكرات المسؤولين الغربيين عن هذه القصص المدفونة بين أوراق الكتب التي تؤكد دعم السعوديين للقضية الفلسطينية بدون مزايدة أو توجيه الاتهام للآخرين بالمروق والخيانة.

المواقف كثيرة ولكن من أبرزها قصة لقاء الملك عبدالعزيز بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في البحيرات المرة في قناة السويس على ظهر المدمرة كوينسي وذلك في عام 1945. روزفلت كان وقتها الرجل الأقوى في العالم بعد هزيمته ألمانيا النازية، وقبل لقائه مؤسس السعودية كان قد التقى ستالين وتشرتشل في يالطا بمؤتمر تاريخي رسم صورة العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
لقاء مهم اجتمع فيه زعيمان عظيمان. الملك السعودي الذي كان يعاني من جروح المعارك التي خاضها في توحيد الجزيرة العربية وبين الرئيس الأميركي الذي أنقذ أميركا من الكساد ورسّخ البنى الأساسية لأميركا الحديثة وهزم آلة هتلر الوحشية. دار الحديث حول التحالف السياسي في عالم يتشكل من جديد والتعاون الاقتصادي، حيث كانت السعودية الوليدة بحاجة للمال وأميركا بحاجة إلى النفط. ولكن كان لدى روزفلت موضوع آخر مهم فتحه مع الملك عبدالعزيز، وهو أنه يريد موافقته على توطين اليهود في فلسطين.
تحدث الرئيس مع الملك عن قبول فكرة وطن لليهود في فلسطين. ورد عليه الملك أن الوطن الأنسب يجب أن يقع جغرافياً بين الدول الأوروبية حيث تعرضوا للظلم والاضطهاد هناك وليس في الديار العربية والمسلمة التي لا ذنب لها. ألحّ عليه مرة ثانية ونظر له موحد السعودية الثالثة وقال كلمة واحدة فقط: لا! أدرك الرئيس الأميركي الموقف الواضح للملك السعودي ولم يفتح الموضوع مرة أخرى إلا بوعده أنه لن يعترف بإسرائيل. هذا ما حدث فعلاً حيث جاء الاعتراف من خلفه الرئيس هاري ترومان.
تفاصيل هذه القصة مذكورة في كتاب جديد بعنوان “ملوك ورؤساء” يسرد العلاقات السعودية الأميركية التي بدأت منذ ذلك اللقاء وحتى الحاضر، أي قبل 73 عاماً. وناقلها هو مترجم الرئيس روزفلت حينها، أي القصة مروية من الطرف الأميركي وليس السعودي. وخلفية اللقاء الشهير تجعلنا ندرك يوماً بعد آخر أهمية موقف الملك عبدالعزيز حينها. فروزفلت كان حينها إمبراطور العالم وفي قمة مجده. المنتصر في أشرس حرب عرفتها البشرية على القوات الألمانية النازية. كان قادماً من اجتماع لتحديد شكل ليس فقط أوروبا ولكن العالم كله. والملك عبدالعزيز خاض حروباً طويلة ومرهقة لتأسيس بلاده الصحراوية التي تعاني من الفقر والحاجة مع بدايات اكتشاف النفط. البلد الوليد كان بحاجة كبيرة إلى التحالف مع القوة الأعظم المنتصرة في العالم، واتخذ الملك عبدالعزيز حينها موقفاً معارضاً لرغبات الرئيس الأميركي.
ومن الملك عبدالعزيز وحتى الملك سلمان لم يتغير الموقف السعودي وكان واضحاً، فما يُقال علناً في البيانات الرسمية نقرأه في المذكرات السرية وداخل الغرف المغلقة. فقد ظل الموضوع الفلسطيني مصدر خلاف بين الحلفاء السعوديين والأميركيين منذ ذلك اللقاء وحتى هذا اليوم. إنه بلا مبالغة أكثر موقف حقيقي واضح نُسج حوله هذا الكم الكبير من الأكاذيب والدعايات من دول وجهات تنام مع الإسرائيليين على سرير واحد.

عن العربية نت

شاهد أيضاً

اغتيال استعراضي خائب …!!

بقلم: أكرم عطا الله لا أحد يصدق أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن …

اترك رد