قانون القومية اليهودية.. تحديات وعراقيل

بقلم: سامية النتشة

“إسرائيل هي الوطن التاريخي للأمة اليهودية ولليهود فقط في إسرائيل الحق في تقرير المصير
“البند الأساسي الأول من نصوص قانون يهودية دولة اسرائيل”.
بعد جدل سياسي طويل ونقاشات مريرة ومحتدمة صادق الكنيست الإسرائيلي على قانون “القومية اليهودية ” ليساير فيه المحاولات الإسرائيلية اللامنقطعة لنيل وسام شرف الاعتراف الدولي بإسرائيل كدولة يهودية من ناحية متحديا المجتمع الدولي الذي اعترف بدولة فلسطين على حدود 1967م من ناحية أخرى تاركا الباب مفتوحا على مصراعيه أمام جملة من التحديات والمنغصات التي ستعكر عليه صفوه وتقف عقدة في طريقه ومسيرته المستميتة لتطبيق قانونه العقيم على أرض الواقع.
“من هو اليهودي وما العناصر المطلوبة حتى يتم تعريف الشخص أنه يهودي؟”.. سؤال شكل هاجسا لدى الجانب الإسرائيلي منذ نشأته وما قبل ذلك وأدخله في متاهات معقدة لا نهاية لها. فبالرغم من إصدار قانون العودة 1950 وألحق بقانون المواطنة 1952 إلا أن كلا القانونين لم يحددا من هو اليهودي. وبالرغم من تكرار المحاولات وعقد الاجتماعات وتنظيم المناظرات لسد الثغرات التي تحول دون اجماع شرائح المجتمع الاسرائيلي وإنهاء الخلاف إلا أن جلها لم يكن كافيا لاستيعاب اليهود قانونيا.
فبينما يتعنت القطاع الأرثوذكسي بمعيار أساسي بأن اليهودي هو من ولد من أم يهودية فقط وضرورة الجمع بين العناصر الدينية والعرقية يصر العلمانيون بأن يكون القرار الفردي الذي يتخذه الشخص بتعريف نفسه بأنه يهودي هو المعيار الحقيقي والمنطقي ويصفون التعريف الأرثوذكسي الطائفي العنصري والمناهض للقيم الديمقراطية التي طالما تغنت بها دولة الاحتلال ليس بخصوص العرب وحدهم وإنما بشرائح المجتمع الإسرائيلي أيضا وبالرغم من الاجتهادات المتكررة التي قدمها الجانب الإسرائيلي لحسم الموضوع وانهاء الخلاف باعتماد اتفاق شفوي ينص على عدم ادخال تغييرات جوهرية على الوضع والكف عن التساؤل حول أصول الجماعات اليهودية بل واعتبر النقاش حول هذا الموضوع من المحظورات التي على الجميع عدم الخوض بها.
إلا أن التصدع القومي والديني والطائفي والطبقي لا زال هو المشهد المسيطر في مجتمع خليط من الشعوب تتنازعها منازع مختلفة في اللغة والاعتقادات والثقافات وزاد عنادا وشراسة في الفترات الأخيرة مع تمركز التيار الديني التقليدي داخل الجانب الإسرائيلي المصر على تطبيق دولة الشريعة التوراتية من ناحية وظاهرة تسييس الهجرة اليهودية لتستغلها الشرائح الاجتماعية المهمشة كبطاقة ذهبية للضغط على الحكومة الإسرائيلية من ناحية أخرى.
” اسرائيل الكبرى.. من النيل إلى الفرات” عقيدة باطلة كتب عنها العديد من الفلاسفة والمفكرين الصهاينة كتعبير عن حلمهم بإقامة الإمبراطورية اليهودية على المنطقة الممتدة من نهر النيل الى الفرات. وجاء قانون يهودية الدولة ليس فقط لتبديد حلم الدولة الفلسطينية ومستقبل حل الدولتين فقط وإنما أيضا الطموح الصهيوني. فإقرار هذا القانون يعني أن الدولة الإسرائيلية قد تنازلت عن قناعتها المزعومة “بإسرائيل الكبرى” حيث لا يعقل أن يتكلم الإسرائيليون عن يهودية الدولة لتضم أكثر من مئة وخمسين مليون مواطن عربي.
“جي ستريت” حركة اصلاحية يهودية تعتبر من اللوبيات الأكثر تأثيرا في السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية والمعروفة بوقوعها على طرفي نقيض من التيار الأرثوذكسي أو التقليدي المركزي في إسرائيل. فبالرغم من توافق الرؤية السياسية ل “جي ستريت” – المعروفة باعتدالها نوعا ما – مع السياسة العامة لإسرائيل واللوبيات الصهيونية الأخرى في الولايات المتحدة حول ضرورة تعزيز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بما يضمن بقاء إسرائيل باعتبارها الوطن القومي للشعب اليهودي من جهة وضمان أمن ومكانة الجالية اليهودية في أمريكا من جهة أخرى إلا أن هناك ثمة اختلافات فكرية وعقائدية جوهرية في تفسيرات الشريعة اليهودية تطورت في الفترة الأخيرة بشكل خاص الى تناقضات سياسية وانتقادات لاذعة لدولة اليهود ودونالد ترامب الذي أعلن حبه لإسرائيل وإيمانه اليقيني بالعقيدة اليهودية على حد سواء.
فبينما أخذ اليمين الإسرائيلي المتطرف يضفي سياقات دينية على فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية واعتبره بمثابة معجزة الهية حدثت لأجل تمكينه من تحقيق منطلقاته الآيديولوجية الفكرية والسياسية كان الاتجاه المعاكس يدعو إلى تحدي سياسته الداعمة للبرنامج السياسي لليمين المتطرف لا سيما خطوته المتهورة في نقل السفارة الأمريكية لمدينة القدس ويعتبرها قنبلة موقوتة في طريقها للانفجارواسرائيل هي أول من سيكتوي بنارها.
وجاء اصدار قانون يهودية الدولة ليزيد من حجم الهوة بين التيارين ويوسع دائرة العداء للحاخامات ليصل إلى حد اعتبار الصهيونية الدينية أكثر خطرا على إسرائيل من حزب الله والجماعات الإرهابية الأخرى والتنديد بمشروع قانون القومية واعتباره قانونا كولونيوليا أبرتهاديا متغطرسا يتغاضى عما ورد في نص استقلال الدولة ويدير ظهره للأغلبية المطلقة لليهود في العالم حيث انهم ليسوا من اليمين المتطرف ولا من الحريديم مما يعني تحول اسرائيل من دولة راعية “لمثل الديمقراطية والحداثة والتطور” الى دولة تعيش بأساطيرها التاريخية والدينية وتتجه نحو تعريف ذاتها بالدين والطائفية بينما هي حائرة بين كونها دولة ديمقراطية أو يهودية أو دولة علمانية أو دينية.

شاهد أيضاً

72 General Debate – 20 September

الرئيس عباس وخطاب الصمود والسلام المُرتقب

بقلم: محمد أبوقايدة كاتب ومختص بالشأن السياسي الفلسطيني يحبس العالم بأسره أنفاسه في هذه الأيام، …

اترك رد