حماس في الثلاثين من عمرها وحديث الأمنيات

بقلم: مصطفى ابراهيم

حماس في مؤتمرها “حماس بعد ثلاثين عاماً.. الواقع والمأمول”، وكأنها مسكونة في غزة، وتتمسك في اللاشعور أنها الانطلاقة الأولى لقيامتها، حتى أن الضفة الغربية لم تشارك في المؤتمر، وربما لهذا علاقة في تواجد قيادة حماس في غزة، وهي بالمناسبة معضلة لحماس، فهي غير قادرة على انتزاع روحها من الفكرة الأولى، وتعتقد ان حماس غزة هي ام الصبي الذي تدافع عنه وتراه فقط في غزة.
حتى على الرغم من انتشارها وتوسعها في مناطق كثيرة فلسطينياً وعربياً او دولياً، ولم تعد تلك الحركة الصغيرة التي نشأت في حي الصبرة بمدينة غزة.
حركة حماس تصر على بقائها محلية في الفكرة والنشأة، على الأقل من خلال ما قرأته في كلمة رئيس المكتب السياسي للحركة اسماعيل هنية، أو ما سمعته من بعض الأصدقاء الذين لم يشاركوا أو الذين شاركوا في الاعداد أو ادارة المؤتمر.
رئيس الحركة السابق خال مشعل اشار الى اعادة بناء المشروع الوطني، هل هي عادة المسؤولين عندما يتركوا مناصبهم يكونوا أكثر جرأة في نقد الحالة والحديث عن الشراكة، مشعل، قال: لا بد أن ننجح في إنهاء الانقسام وبناء وحدتنا الوطنية، وأن نعيد تعريف المشروع الوطني الفلسطيني، ونعيد بناءه.
وهذا ما تطالب به غالبية كبيرة من الفلسطينيين ويدعون لبناء استراتيجية وطنية قائمة على الشراكة واعادة بناء مؤسسات الشعب الفلسطيني.
أن تعقد حماس مؤتمراً علنيا فهذا خطوة ايجابية، وربما تشكل نقلة في بناء الحركة وخروجها من السرية للعلنية، لكن في نظرة على المشاركين في الافتتاح والاسماء المشاركين في افتتاح المؤتمر، امثال رئيس الجمهورية التونسية السابق المنصف المرزوقي، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ محمد ولد الددو، ورئيس المكتب السياسي السابق للحركة خالد مشعل، فهذا يدل على انه مؤتمر تنظيمي وليس علمي.
المؤتمر تنظيمي تنظيري تعبوي، دعوي اكثر منه علمي، على الرغم من بعض الاوراق المقدمة كما سمعت، وشاركت فيه جميع القطاعات التنظيمية من جماهيرية ودعوية، وغيرها في الحركة، لذا فالمؤتمر تنظيمي ترويجي للحركة، والهدف منه الظهور فوق الارض في عمل علني ومرحلة جديدة كما ذكر هنية.
على الرغم من دعوة بعض المسؤولين في الفصائل، وعدد قليل من المثقفين والباحثين والكتاب، الا انه اقتصر على حضور حمساوي خالص، حتى ان بعض المثقفين والباحثين والكتاب الذين يعملوا في الحركة لم تصلهم دعوات للحضور او المشاركة في المؤتمر، بما فيهم بعض الكتاب النقديين من حماس، ومن المفروض ان يقدموا رؤية نقدية تحليلية للحركة ومسارها خلال السنوات الثلاثين من عمرها.
حركة حماس اقامت سلطة لا تختلف عن السلطة الفلسطينية، وهي غير مدركة انها كحركة سياسية لا تختلف عن اي حزب سياسي فلسطيني او عربي. وهي تعيش حالة إنكار، ولا تعترف انها تمتلك ادوات العنف وتمارسها، ولم تستطع تقديم نموذج مختلف في الحكم الرشيد. والفصل بين كونها سلطة تمارس السياسة والعنف، وكونها حركة مقاومة، وبحاجة للحاضنة الشعبية المقموعة من سلطة المقاومة، والعاجزة عن توفير مقومات الصمود باستعادة ثقة الناس بها كحركة مقاومة. وليست سلطة تمارس العنف وتخيف الناس، ولم تعزز قيم العدالة والمساواة وحقوق الانسان والمساءلة والمحاسبة.
كنت أتمنى لو لم يقع الانقسام او ما تجرى الانتخابات اصلا كي لا نصل للمرحلة التي وصلنا اليها، من تيه واقصاء واستفراد، وعدم الايمان بالوفاق والشراكة السياسية، وكذبة الديمقراطية، وكنت اتمنى ان ارى الجميع يتحدثون عن انجازات في اعادة بناء المشروع الوطني، وبناء الانسان الوطني الحر، وليس الحزبي أو المهان ويشعر بالذل في كل مكان وزمان، في المعابر والمستشفيات والجامعات، ويستجدي لقمة العيش.
كنت اتمنى على حركة حماس أن تنكأ كل الجراح، للمساهمة في المراجعة ووقف الانحدار الرهيب الذي نندفع به جميعا الى الهاوية. وان تضع على الطاولة اسماء القادة التاريخيين، ونقدهم ونقد تجربتهم، والاستفادة من اخطاءهم، وهي أسماء مثيرة ومخيفة. ياسر عرفات، جورج حبش، صلاح خلف، فتحي الشقاقي، اجمد ياسين عبد العزيز الرنتيسي، خليل الوزير. وقائمة طويلة من الرموز عبر مراحل الثورة وسنوات النضال ضد الاحتلال.
تجربة الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير، وما مثلته وتمثله فتح والفصائل الفلسطينية ماثلة امامكم لماذا تحاولوا الاستفادة من اخطائها وخطاياها، وكأنكم تكتشفوا العالم من جديد، اخذتم ما اردتم من تجربة من سبقوكم وأنكرتم تجربتهم. ولم تستفيدوا من كل التجربة.
وكنت لأسال عن ظروف “الانقلاب” أو الانقسام والاطاحة بفتح في غزة، والدم الذي سال وتسديد الحساب مع بعضنا البعض، أم ان حماس تخجل من نبش الذاكرة، وفتح الجروح والمطلوب فتحها باستمرار للتطهير والتنظيف للتعجيل بشفائها.
واسال حماس هل لم تكتشفوا حتى الان، ان غزة كانت مزروعة بالألغام وانكم وقعتم في شرك التقسيم ومحاولات الانفصال وتدمير غزة بمقاومة جربناها سنوات، ولم نلبث من الخروج من مذبحة احتلالية حتى ندخل في مذبحة أخرى.
خرجتم للعلن فوق الارض بجميع مكوناتكم، ولم يعد هناك عمل سري، ومع ذلك وكأنكم ما زلتم لا تعرفون العالم، بل لم تعرفوا فلسطين بعد، وتعقيداتها بوجود الاحتلال ومتطلبات الصمود والمقاومة وتطلعات واحلام الناس في الحرية والاستقلال.
أم أن سيطرة الحركة على مقاليد الامور مقدس ويجيز كل شي للبقاء في السلطة، وإحكام السيطرة على المجتمع ومؤسساته وخلق اجسام بديلة، وعدم الإيمان بالشراكة.
الاستمرار في الانقسام يشعرنا بالعار، الا تشعرون مثل ما نشعر، ونحن نرى الناس يتضورون جوعاً ومواكب السيارات الفخمة لا تعبر عن طبيعة حركة تحرر وطني، وأحاديث الفساد تبدد مقدرات الحركة وتنتهك كرامة المواطن.
أشعر بالعار حين يتظاهر الناس مطالبين بالكهرباء والمياه النظيفة. وحين أرى المصابين وذوي الإعاقة في مسيرات العودة وكسر الحصار، وشكواهم من عدم توفر العلاج، وأسمع شكاوى المعتقلين على خلفية سياسية بتهمة التخابر مع رام الله.
وأشعر بالألم حين أرى فيديوهات التشهير والردح. وحين أسمع استدعاء صحافي أو شاب غرد على توتر او فيسبوك او تعرضه للضرب وتوجيه تهم سوء استخدام التكنولوجيا، وحين اسمع اعداد الشباب المتعاطين للمخدرات، وحبوب الترامادول وكميات دخولها.
ألا تتذكرون أن الشهيد ياسر عرفات حوصر من الإحتلال والعالم، وعانى لوجوده في الوطن وعلى يد بعض أشقائه، ما دفعه إلى القبول بما يصعب عليه قبوله، وها انتم تتعرضون لنفس التجربة والضغط عليكم ومحاصرون ولا تستطيعوا الحركة.

شاهد أيضاً

 “من يحكم غزة”

بقلم: كمال الرواغ لقد استطاعت الصواريخ الاسرائيلية، ان تهدم سجن غزة المركزي في ساحة السرايا …

اترك رد