السنوار في “يديعوت أحرونوت”

لم تكتب الصحفية الإيطالية “فرانشيسكا بوري” مقالة حتى تترجم إلى عدة لغات وتنشر في أكثر من صحيفة..!! لقد اجرت مقابلة ذات موضوع محدد، ما يجعلها مراسلة أكثر من كونها كاتبة، ونشرت هذه المقابلة أولا في صحيفة “يديعوت احرونوت” الإسرائيلية مع كامل صورها، ما يعني ان الصحيفة الاسرائيلية- ومع حسن النوايا المهنية- قد اشترت هذه المقابلة، لتسجل سبقا صحفيا لها، وهذا أمر جائز في عالم الصحافة، لكن وفي هذا العالم نعرف أن المهنية في مقابلة من هذا النوع الذي أنجزته بوري مع قائد حماس في غزة يحيى السنوار، تفرض التنسيق المسبق مع الصحيفة التي تهمها المقابلة والتي ستنشرها أولا إن لم يكن حصريا، لاسيما أن موضوعها كان لا يبحث سوى تبيان موقف حماس الحقيقي تجاه العلاقة مع اسرائيل، وبأسئلة كانت من الواضح أنها مدروسة بعناية إسرائيلية بالغة، أوضحت أجوبتها الحمساوية، أنها حاسمة تماما باتجاه أن تكون هذه العلاقة، علاقة تفاوضية..!! وفِي هذه النقطة تحديدا أجهز السنوار على شعاراته الاستعراضية والشعبوية عن “القصف بالقصف والدم بالدم”، وهو يعترف أن “أربعة مقاليع لا يمكن لها أن تواجه قوة نووية”..!! وكملاحظة عابرة ليست هذه واقعية تسجل للسنوار، وإنما هي تعبير عن انعدام ثقافة المقاومة الحقيقية عند قائد حماس في غزة، فصراع الإرادات لا يتعلق بموازين القوى المادية، فغاندي أخرج بريطانيا العظمى من الهند بمسيرة الملح وقوة الحقيقة، التي هي قوة الإرادة، وهذا يعني أن السنوار لا يعرف شيئا عن هذه القوة، التي هي أساس ثقافة المقاومة الحقيقية، وبما يعكس تاليا عدم إيمانه بإرادة شعبنا الفلسطيني، التي أطاحت غير مرة بعنجهية القوة النووية الاسرائيلية، وما زالت تتحداها بالصبر والصمود والثبات على المبادئ في مسيرتها النضالية الحرة.
لا نظن أن أحدا سيصدق ما قالته فرانشيسكا بوري عن “الفري لانسر” الذي ترجمته العمل الحر، الذي يمكن نشره في أكثر من صحيفة..!! هذا عمل القطع التي يجري التنسيق والاتفاق بشأنها لضمان بيعها، كما لا نظن أن أحدا سيصدق كذلك، بيان مكتب السنوار أنه لم يكن يعرف أنه يجري مقابلة لصالح صحيفة “يديعوت احرونوت” الاسرائيلية، وهو لم يخاطب في هذه المقابلة سوى الوسط الاسرائيلي، ونعتقد وقد بتنا نعرف الطبيعة الانتهازية لحركة حماس، أن السنوار سعى لإجراء هذه المقابلة مع هذه الصحيفة التي توصف بالوسطية، لكي يظهر ويؤكد “وسطية” حماس التفاوضية، والتفاوضية فقط مع إسرائيل، والقابلة لكل أنواع المساومات..!!
ونعتقد كذلك أن ما يقال عن “نزاعات حادة” قد نشبت داخل حماس بسبب هذه المقابلة، ليس صحيحا، والغاية الحمساوية من وراء إشاعة هذا القول، هي لإظهار بضاعة حماس التي عرضها السنوار في مقابلته بلا أية رتوش شعبوية، بضاعة ثمينة يطرحها في السوق السياسية والأمنية الاسرائيلية، ولكن بسعر لا يتعدى الهدوء مقابل السلام لحماس وحكمها الانقلابي الانقسامي في غزة..!!
يبقى أن نقول أخطأت فرانشيسكا بوري في رواياتها المتلفزة عن حقيقة مقابلتها مع السنوار، اذ جاءت روايتها ترويجا لرواية مكتب السنوار بهذا الشأن، وهذا ما يضرب مصداقيتها كمراسلة مستقلة..!!
أما مصداقية السنوار التي ظلت ومازالت معدومة في الشأن الوطني، ها هي الآن تظهر وعلى نحو جلي على الصفحة الأولى من جريدة “يديعوت احرونوت” الإسرائيلية..!! انها مصداقية الطبيعة الانتهازية التي لا تبحث إلا عن تحقيق مصالحها الخاصة والضيقة، حتى على حساب أنبل القضايا الوطنية وأقدسها..!!
بصورة السنوار مع فرانشيسكا بوري على الصفحة الاولى لـ “يديعوت احرونوت” سنعرف ان السنوار كان “ضيفا” على هذه الصحيفة وأنه كان الضيف المطلوب وكان يعرف ذلك حق المعرفة فلبى الدعوة على هذا النحو الحميم الذي احتفى فيه بالمراسلة “بوري” وعلى مدار خمسة أيّام حمساوية تماما..!!

كتب: رئيس تحرير صحيفة “الحياة الجديدة”

شاهد أيضاً

كلمة الحياة الجديدة: الخطاب الأهم

ربما سيعتقد البعض أننا نبالغ حين نقول إن خطاب الرئيس أبو مازن من على منبر …

اترك رد