فلسطين.. منارة الموسيقى العربية قبل النكبة

عُلا موقدي

ضجت فلسطين بالموسيقى منذ العام 1936، من خلال منبر إذاعة “هنا القدس” التي أُسست في العام 1936، وهي ثاني إذاعة في الوطن العربي، بعد إذاعة القاهرة الأولى عربيا والتي أسست في العام 1934، وفي العام 1940 أسست إذاعة “الشرق الأدنى” في جنين، ليكّن منارات الاذاعات الفلسطينية قبل النكبة.

برز في فلسطين قبل النكبة عدد من الموسيقيين والمخرجين والمذيعين أمثال: يحيى اللبابيدي وعبد المجيد أبو لبن، وعصام حمّاد، وصبري الشريف، وكامل قسطندي، والمطربة ماري عكاوي، وجليل ركب، وفهد نجار، وكان من أهم عازفي العود: الموسيقار روحي خماش، وواصف جوهرية، ويعقوب الفيومي، ويحيى السعودي، ورامز الزاغة، وابراهيم العابور، ويعقوب زيادة، وجورج أبيض.

ولمعت في تلك الفترة أسماء من مدينة يافا عملت في القسم الموسيقي لإذاعة ” الشرق الأدنى”، وهم: فرح الدخيل وعبد الكريم قزموز وميشال بقلوق ورياض البندك وإحسان فاخوري وحنا السلفيتي وفريد السلفيتي، المطرب محمد غازي، ونبيل خوري. وإسكندر فلاس, وغانم الدجاني, وحليم الرومي ورجب الأكحل.

وحين نسمع عن عمالقة الفن الراقي، نجد أن بداياتهم كانت من فلسطين، وخاصة من القدس وحيفا ويافا، التي كانت مزدهرة اقتصادياً، فبدأت هذه المدن بإقامة الحفلات الغنائية ومجالس الطرب، حتى أصبح الهواة والمطربون يتوافدون اليها بشكل منتظم، مثل محمد عبد الوهاب، وسامي الشوا، أمير الكمان العربي، ومنيرة المهدية، وكذلك أم كلثوم التي لقبت بـ«كوكب الشرق» في حيفا.

وسُجل في فلسطين ألحاناً موسيقية لأشهر المغنين العرب، لا زالت تصدح حتى اليوم أمثال: زكي مراد المصري “والد المطربة ليلى مراد” الذ كان أول من أطلق في فلسطين “زوروني بالسنة مرة”، وفريد الأطرش، بأغنية “يا ريتني طير وأطير نحوك”، فهي من ألحان الفلسطيني يحيى اللبابيدي، واللبنانية لور دكاش سجلت أغنيتها “آمنت بالله” في استوديوهات مدينة يافا، وأدى الفنان الفلسطيني محمد غازي المولود في قرية بيت دجن بقضاء يافا عام 1922، مع الفنانة الكبيرة فيروز عدداً من الموشحات الأندلسية، منها “يا شادي الألحان” و”يا وحيد الغيد” و”حجبوها عن الرياح” وغيرها، وكانت هناك علاقة بين الراحل وديع الصافي، ورياض البندك، والفنانة صباح ومحمد غازي، إذ إنها غنّت من ألحانه، وحليم الرومي كتب قصائد وطنية وهو أول من لحّن قصيدة أبو القاسم الشابي “إرادة الحياة”، وسجل في اذاعة الشرق الأدنى “همسة حائرة”، ” كل ده كان ليه”، “انده على الأحرار” للموسيقار محمد عبد الوهاب.

ويؤكد الفنان رياض البندك في مذكراته أنه كان يتم استدعاء المطربة المصرية الكبيرة فتحية أحمد لتقديم وصلات غنائية على الهواء في إذاعة الشرق الأدنى في يافا.

ويؤكد مدير مؤسسة نوى نادر جلال في إحدى مقابلاته أن فلسطين في مطلع الثلاثينات كانت تقتني 20 ألف “غرامافون” قبل أن ينتشر في الأماكن العامة والمقاهي. وهو ما يعتبر مؤشراً مهماً على مستوى اهتمام الشعب الفلسطيني بالاستماع للموسيقى والتواصل مع النهضة الآتية من القاهرة وحلب وغيرها من المراكز العربية.

ويبين كتاب الموسيقى والغناء في فلسطين لالياس وسليم سحاب: تبلورت الموسيقى في الاذاعات الفلسطينية، فظهرت الاذاعة الفلسطينية “القدس” في 1/4/1936 وكان أول رئيس للقسم العربي فيها الشاعر ابراهيم طوقان، كما استقطب القسم الموسيقي فيها المواهب الموسيقية والغنائية في فلسطين، من مصر وسوريا ولبنان أمثال: ابراهيم عبد العالم ويحيى السعودي وجليل ركب ورامز الزاغة وميلاد فرح وروحي الخماش من نابلس وفهد نجار، وتميزت الإذاعة في تلك المرحلة بامتلاكها فرقة للموسيقى العربية وأوركسترا سمفونية، وكانت اذاعة القدس تستضيف كبار مصر خاصة في المواسم مثل موسم شهر رمضان مثل فتحية أحمد وفريد الاطرش واسمهان.

واذاعة الشرق الادنى التي تأسست عام 1940 في جنين انتقلت الى يافا عام 1941، واستقرت في القدس بين عامي 1947 و 1948.

ومن أشهر الموسيقيين من كان لهم دور بارز في فلسطين سواء أكانوا فلسطينيين أو من العرب الذين مروا بفلسطين في ذلك الوقت وتركوا أثرا في الحياة الموسيقية، عازف الكمان توفيق الحلبي، وملحن الموشحات الحلبي عمر البطش، والراقصة والمونولوجيست اللبنانية بديعة مصابني. محمد السوسي الذي يحفظ الموشحات والأدوار والأغنيات المصرية القديمة، والفلسطيني واصف جوهرية، وهو من أشهر هواة الغناء والتلحين والعزف على العود وقد تعلم الموشحات على يد الموسيقي الحلبي عمر البطش وحفظ من الأسطوانات أرفع نماذج الغناء التقليدي وتجول في القرى وأتقن الغناء والرقص الشعبي حتى أنه لحن بعض القصائد وغنى أغاني الحب والطقاطيق، وكان مطلوبا للأداء في الأعراس.

وكان مبنى جمعية الشبان المسيحية الذي شيد في العام 1933 يضم قاعة للحفلات الموسيقية تتسع لألف كرسي. حيث كانت في ذلك الوقت أهم صالة مغلقة لسماع الموسيقى في الوطن العربي، باستثناء دار الأوبرا في القاهرة.

كما احترفت أسرة القرعة في القدس صناعة العود في فلسطين قبل النكبة.

بعد النكبة..

حمل الفلسطينيون معهم بذور النهضة الموسيقية إلى البلدان العربية، فكان لهم الأثر البارز في التجديد الموسيقي، حيث انتقل رياض البندك وحليم الرومي إلى اذاعة بيروت، وإلى اذاعة بغداد روحي خماش، والى اذاعة دمشق يحيى السعودي ويوسف البتروني، وعملوا على تطوير الموسيقى في تلك الاذاعات وضجوا بأفكار جديدة بالموسيقى في الوطن العربي.

ويمكن النظر إلى إذاعة رام الله التي بدأ العمل فيها مطلع 1949 بعد توقف اذاعة القدس، الامتداد الطبيعي لإذاعة القدس اذ انطلقت اذاعة رام الله بفضل ما تم تهريبه من آلات إذاعة القدس، ومن تبقى من المذيعين والتقنيين والعاملين فيها.

أما اذاعة الشرق الأدنى فقد انتقلت إلى قبرص بعد العام 1948، حيث كانت مكاتبها في بيروت وكان البث من قبرص. وهنا أصبحت إذاعة عربيّة تعمل من بيروت، وكانت مسؤولة عن النهضة الموسيقيّة في بيروت. وبقيت في مكانها حتى العدوان الثلاثي على مصر في1956.

وفي لقاء للكاتب الفلسطيني الياس سحاب بمجلة الموسيقى “معازف”، حيث سأل عن المجموعة الكبيرة من الأسطوانات التي تركوها فقال: لم أعد إلى يافا منذ النكبة ولا أعرف ما حدث للأسطوانات. إذ بقيت في بيت عمي إلى حين نزوحه هو في عام 1948. ولم يتسنّ له بالطبع أخذ أي شيء معه وضاعت الأسطوانات إلى الأبد.

كانت مجموعة ثمينة جداً جمعها والدي عبر سنين طويلة، ولكن عندما أتى عمي لم يأخذ معه شيئاً سوى ثيابه التي كانت عليه، حاله حال كل من نزح في تلك الأيام.

شاهد أيضاً

“وفا” ترصد التحريض والعنصرية في وسائل الاعلام الإسرائيلية

رصدت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا” الخطاب التحريضي والعنصري في الاعلام الإسرائيلي المرئي، والمكتوب، والمسموع، …

اترك رد