«راس عروس» وسؤال عودة اللاجئين الواقعي والرمزي والوجودي

بقلم: تحسين يقين

تُرى، ما علاقة السمسم بـ «افتح يا سمسم»؟ وبالأسطورة والفن والوطن؟
وهل ثمةَ علاقةٌ ما بين الحبات الصغيرة، ومجموعها الكبير؟
إنه الرمز، والرمز القوي لهذا الحضور الذي يزداد حضوراً بالتمسك بالحق-الحلم؛ فما زالت عودة اللاجئين تشكل الهاجس الأكبر لهم، بحيث ارتبطت العودة وطنياً وإنسانياً ووجودياً وثقافياً، فلم يذبل الحلم، بل تعمق وتجذر.
نحت المسرحية القادمة من «مجد الكروم» منحى معاصراً في رؤيتها الإخراجية، من خلال الحكاية نفسها، وطرق تمثيل الحكاية، حيث نرى العرض على خشبة المسرح، كما نرى اتجاهات الممثلين تجاهه، بحيث يتأمل الفنانون عملهم، لإثارة المشاهد على محاكاة هذا التأمل، وصولاً لتأمل المضمون ورسالة العرض، مثل اقتراح إضافة أحلام وهي ممثّلة مبتدئة في بداية طريقها وعاملة اجتماعيّة كي تشارك بالعرض، في إشارة لممكنات الرواية الفلسطينية. (تمثيل داخل التمثيل على غرار هاملت لشكسبير).
تناولت المسرحية قصّة تهجير أهل (راس عروس) وتشتّتهم في أماكن مختلفة، ولكن الشعور بالعودة لم يفارقهم، حيث ما زالوا يحتفظون بمفاتيح البيوت، مثل برهان الزمان الذي كان شاعر البلدة قبل الهجرة الذي ينتظر البيان رقم واحد من المذياع، ليبشره بعودته وأهله إلى بلدتهم، وعامر العبد الله: الراوي ابن عبد الله بن فالح «قطروز» (راس عروس) زكريا ناطور (راس عروس).
اعتمد المخرج والكاتب، على حكاية فانتازية، تمثلت في السرد نفسه، ففي القصة الأصلية يضطر الفتى برهان للهرب خوفاً من بطش مختار راس عروس، حيث يلجأ الى كهف يلجأ إليه، فينام فيه سبعين عاماً، (دلالات عمر نكبة 1948) فيرى فيما يرى النائم-اليقظ شخصاً عظيماً مهيباً يمنحه بقجة سمسم كي يوزعها على أهالي القرية اللاجئين إلى أماكن أخرى، كمفتاح يحقق حلم العودة. وقد كان للخلفية الغنائية للفنانة سناء موسى أثر في تعميق نوستالوجيا-الحنين.
وقد كان لهذا الطقس، تأثير على الفتى والجمهور، خصوصاً في ظهور هذا الشخص الموصوف الأسطوري، بلحيته البيضاء وشعره الأسود العالي القامة. ثمة رمز على حيوية الحلم وبقائه طازجا (شعر أسود) رغم مرور كل هذه السنوات (الشعر الأبيض).
ثمة رواة إذن، في الرؤيا الإخراجية، مما يثير الحيوية من جهة الشكل، ويعمّق الحالة الجمعية لمأساة اللاجئين. فهذا عامر العبد الله وزكريا ناطور «راس عروس»، وبرهان الزمان. خلال ذلك أدى الممثل الواحد أكثر من دور. وعندما تم اقتراح إضافة الفتاة، راحوا في جدل حول ما سيتم منحه لها من دور.
إننا إزاء نص عميق، وإمكانيات جيدة في التمثيل للفنانين فزع حمّود، أحمد حسيّان والفنانة هديل خطيب.
والمسرحية تحمل بذوراً إبداعية، ولربما يشفع لطاقمها بعض الفراغات كون العرض جديداً، لكنني أزعم أن هذا العرض لو تتم إعادة النظر في الإخراج، فسنكون إزاء عرض مسرحي إبداعي-تجريبي، ومعاصر معا، وأظن أن المخرج قادر على ذلك، خصوصا أن الممثلين أيضا بإمكانياتهم العالية قادرون على تجويد العرض. فمثلاً أظهرت المسرحية برهان كأنه في دار المسنين وكان ذلك أمراً إبداعياً فعلاً، لكن كان على المخرج توضيح ذلك عبر رموز ودلالات.
لقد كان مشهد «دار المسنين» من أقوى المشاهد الإبداعية في العرض، وما يدور فيه لعب الورق بين المسنين كأنهم ينتظرون شيئا ما، حيث الأحاديث عن الماضي والحاضر، وعمق الشجن بسبب طول الاغتراب.
ولعل الأهمية هنا تأتي من العمق الفكري الإنساني للمضمون، وللبذور الفنية التي اشتملها العرض؛ فما بين الحلم وإمكانيات التحقق والوهم، مسافة تزيد أو تنقص: تزيد باتجاه التحقق حينما تتعمق بالأمل والعمل، وتنقص باتجاه الوهم حين تأخذ طابع التواكل والتسليم.
تثير هذه الفانتازية الرمزية، التي ترى بتوزيع حبات السمسم على اللاجئين التفكير، فهل فعلا سمسم راس عروس المسحور، سيفتح الطريق للعودة؟
لم تثر حكاية السمسم الذي سيعيد اللاجئين الى بيوتهم الا السخرية لدى اللاجئ الذي انتظر طويلا، فكأنه يرى ذلك استسلاما للأوهام، كأنه يرى أن العودة تحتاج لأمور أخرى.
يبدو أن المقصد هو التذكر الدائم وعدم نسيان الحقوق، والتي تعد المسرحية أصلاً إحدى وسائل الاحتفاظ بحلم العودة، وهكذا تفعل الإرادة نفسها، في استعادة الحكاية والوطن معاً.
الأمل، من خلال الموقف الطقسي والسمسم، أم الوهم، حيث أن الحسم بينهما أمر صعب؛ لكن المهم هو بقاء جذوة الشغف بالعودة حية.
تثير مسألة المفتاح-الباب تساؤلاً، من الذي وجد أولا؟ الباب أم المفتاح؟ لكل باب مفتاح، ولكل مفتاح باب، حيث إنما وجدا معاً، فلا انفصال بينهما.
لعل ذلك يفسّر حالة زهد اللاجئ في الاندماج في المجتمع الجديد، فهو يرى أن إقامته خارج راس عروس انما هي مؤقتة، لذلك فهو يهتم بالبقاء بأبسط الشروط، كونه ينتظر العودة، حيث أن مفتاح الدار في رقبة عامر، ينتظر عودته إلى بلدته ليفتح باب البيت ويتزوّج عروسه الموعودة هناك. وقد تم التعبير عن ذلك من خلال ديكور بسيط، عبارة عن مقعد خشبيّ، راديو قديم، وملابس «منفولة».
يشكل الراديو رمزاً مهماً في حياته، لأنه مصدر الأخبار، التي يتوقع أن تحتوي على خبرين: بيان رقم واحد عن حرب التحرير، ودعوة اللاجئين الى العودة.
لذلك فقد ابتهج عندما سمع عن أخبار حرب عام 1967، لكن سرعان ما تظهر حقائق جديدة صادمة، لدرجة عدم اعترافه بها. لذلك يؤكد ان هناك خطأ ما في الراديو.
زهده في الاندماج في الحياة الجديدة بعد اللجوء، جعلته يعيش وحيداً، ما حدا بالعرض عليه تغيير المكان، ورعايته، فلا يقبل، لأن ذلك هي مجرد تفاصيل. لقد حمل الحلم حتى اقتربت نهايته بعيداً عن راس عروس.
لقد باءت محاولات زكريا والباحثة بالتأثير على اللاجئ المنتظر بالفشل، لسبب بسيط، حيث أن المفتاح يعرف بابه، وفي ظل اهتمامهما بمنحه السعادة ولو إيهاماً، يعمدون إلى تفصيل باب للمفتاح، حيث يتمكن من ذلك، فيعود رمزيا، ليتم عرسه هناك.
يلتقي زكريا بأهالي راس عروس، ويمنح كلاً منهم حبّة سمسم حسب الوصية، بل ويضع منها على قبور الأموات. إنه الأمل بالعودة، وكسر حالة الانتظار، فلا بد من العودة، وهناك فقط تكتمل الفرحة.
وبوجود الباب الذي تم تفصيله للمفتاح، يعود رمزياً، ليتم عرسه هناك، يتجه برهان نحو عروسه، ويراقصها كأنه زكريا مرة وعامر مرة أخرى، وهنا تكون الخاتمة:
«عندما يأخذ كلّ واحد فيكم حبّة سمسم من السمسم المسحور، وكلّنا مع بعض نقول افتح يا سمسم، يمكن أن تفتح أبواب راس عروس…»
ولجعل ذلك ممكناً، فإنهم ينزلون بين الجمهور ويوزعون السمسم.
المسرحية من إخراج وسينوجرافيا الفنّان منير بكري، ومن تمثيل: فزع حمّود، أحمد حسيّان وهديل خطيب. وديكور: عبد الله نقولا. وتصميم ملابس: مارلين كيوان، وحركة ممثلين: صوفيا كيوان. وهي مأخوذة عن نص للكاتب إبراهيم خلايلة بعنوان «أساطير الإنس والجان في دولة برهان الزمان».

شاهد أيضاً

زياد… أعطى الأرض عمره

بقلم: موفق مطرعاشق الأرض المقدسة، شجرة زيتون فلسطينية اصلها ثابت في الأرض وفرعها ينير السماء …

اترك رد