هل من حق المحكمة الدستورية حل المجلس التشريعي؟

بقلم: د.عبدالله كميل*

أستغرب حالة الجدل المفتعلة أو الناتجة عن جهل بالقانون أو عدم مقدرة على التحليل الموضوعي فيما يتعلق بالقرار التفسيري الذي اصدرته المحكمة الدستورية والذي قضى بحل المجلس التشريعي والذهاب الى انتخابات نيابية خلال ستة اشهر.

وكثير ممن اعترضوا لم يقرأوا القانون الأساسي والذي يذهب بنا الى ضرورة حل المجلس التشريعي لا بل كان من الضروري وحسب رأيي ان يتم حله بعد اختطاف قطاع غزة والسيطرة عليه بقوة السلاح وبعد احداث دامية اودت بحياة المئات من افراد وضباط الاجهزة الامنية التابعة للسلطة التنفيذية وهي احدى السلطات الثلاث في دولة فلسطين، وكذلك عدد كبير من المدنيين من ابناء شعبنا.

وبرأيي فان المجلس منذ ذلك الحين قد فقد دستوريته لان من قام بذلك فصيل يستحوذ على الغالبية العظمى من اعضاء المجلس التشريعي، وكلهم ايدوا بل قادوا التمرد العسكري في قطاع غزه. ومنذ تلك الفترة تعطل عمل هذا المجلس.. وبالتالي فان الحكم في ذلك هو ليس للسياسيين او الفصائل بقدر ما هو للدستور وفي حالتنا الفلسطينية القانون الاساسي والذي يحوز على قوة الدستور..اذن يتم الاعتماد على النصوص الواردة في الدستور والقوانين “ولا اجتهاد في مورد النص” ولا من منطلقات حزبية او فئوية او شخصية لاي نص قانوني او دستوري.. فمن هي صاحبة الصلاحية بالتفسير الملزم للكافة حاكما أو محكومين..انها المحكمة الدستورية والتي لا سلطان عليها سوى الدستور .

يبرز هنا دور المحكمة الدستورية وصلاحيتها وكذلك يبرز سؤال هو: هل يحق لهذه المحكمة ان تفصل بموضوع بقاء المجلس التشريعي من عدمه؟ وللاجابة على كل ذلك، فقد نص القانون الاساسي لسنة 2002 المعدل 2003 في مادته رقم 103 على “ضرورة انشاء محكمة دستورية عليا بقانون يعهد اليها رقابة دستورية القوانين واللوائح أو النظم، اضافة الى تفسير القانون الاساسي والتشريعات وغيرها من الاختصاصات” فالنظام القضائي المتكامل في الدولة الحديثة هو ذلك النظام الذي يكفل الفصل في النزاعات بين الافراد ورقابة مدى ملاءمة او مطابقة تصرفات الادارة العامة “السلطة التنفيذية” للقانون بمعناه العام، ومدى مطابقة اعمال السلطة التشريعية “والسلطة التنفيذية عندما تشرّع “للدستور ومن هنا استقر في الدولة الحديثة وجود محاكم عادية وأخرى ادارية وأخرى دستورية..وعليه فان تشكيل المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية هو استحقاق دستوري حيث صدر قانون هذه المحكمة ونشر في الجريدة الرسمية تحت رقم 3 لعام 2006 وذلك بتاريخ 17/2/2006 وقد أثير جدل واسع في حينها واستمر فترة طويلة بسبب عدم تشكيل هذه المحكمة تنفيذا للقانون واحالة صلاحياتها للمحكمة العليا حيث ان ذلك اعتبر طعنا في استقلالية المحكمة والتي من الواجب ان تكون مستقلة وليست جزءا من النظام القضائي على اعتبار ان المحكمة تعتبر الحارس الأمين على الدستور وعلى مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ولا يجب ان تكون تابعة لأي من هذه السلطات كما جاء في نص المادة الاولى من القانون رقم 3 لعام 2006 والذي قال: “تنشأ بمقتضى أحكام هذا القانون محكمة دستورية عليا وهي هيئة قضائية مستقلة قائمة بذاتها في فلسطين…..” ومن هنا فاننا نستدل على ان قيام الرئيس ووفق نص قانون المحكمة الصادر عن المجلس التشريعي بتشكيل المحكمة فانه بذلك يجب ان ينهي حالة الارباك والجدل حول تولي المحكمة العليا مهام المحكمة الدستورية.

اما القول بعدم وجود ضرورة لانشاء محكمة دستورية في الوقت الحاضر فهو لا يستند الى دليل، فالمحكمة الدستورية لبنة مهمة وأساسية في بناء المنظومة القضائية لكل دولة لها دستور فكيان الدولة القانونية وهي دولة الحاكمين والمحكومين المتقيدين جميعا بالقانون لا يكتمل بدون وجود محكمة دستورية تحمي مبدأ المشروعية من أي انتهاك من السلطات الثلاث، اضف الى كل ما ذكر بان غياب المحكمة الدستورية في فلسطين ادى الى حالة من الارتباك والفوضى التشريعية والقضائية حيث انه لا رقيب على اداء السلطة القضائية وكذلك فان السلطة التشريعية معطلة منذ اكثر من اثنتي عشر عاما ما ادى الى استئثار السلطة التنفيذية بعملية التشريع، وكذلك ادى غياب المحكمة الدستورية الى تفوق الخلافات السياسية بين القوى والفصائل وتحديدا بين فتح وحماس حيث صبغت هذه الخلافات بالصبغة القانونية وكل ذلك بسبب عدم وجود المرجعية القادرة على تفسير الدستور والقوانين، وتتمثل هذه المرجعية بالمحكمة الدستورية، ما ادى الى حالة الانقسام التي تشهدها الساحة الفلسطينية والتي ترسخت بعد اختطاف قطاع غزة من قبل حماس بقوة السلاح ما أشر الى خطورة عدم وجود المرجعية القضائية ممثلة بالمحكمة الدستورية القادرة على الحكم على سلوك اي من السلطات الثلاث ومدى توافقه مع نصوص الدستور فكانت الفوضى واعتماد المواقف الحزبية سيدة الموقف ما ادى الى ما هي عليه الاوضاع من تمزق افقي وعمودي على الساحة الفلسطينية.

اذن نستدل مما سبق أهمية وجود المحكمة الدستورية الحارسة على مبدأ سمو الدستور وكمرجعية قضائية قادرة على حماية نصوص الدستور وعلى الفصل في سلوك اي من السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية ومدى ملاءمتها وتطابقها مع نصوص الدستور فهي الجهة الوحيدة المخولة في ذلك وهي الجهة المخولة بتوصيف ما حدث 14/6/2007 من قبل حماس والتي تستحوذ على غالبية اعضاء السلطة التشريعية الممثلة بالمجلس التشريعي. فهل ما حدث يعتبر تمردا عسكريا او انقلابا ام حسما عسكريا كما تردد حماس ومن وجهة نظري القانونية واستنادا لنصوص الدستور “القانون الاساسي” فان حماس انقلبت على الدستور والذي لا يسمح باستخدام القوة العسكرية لأي تنظيم للسيطرة على السلطة ومن هنا كان على الرئيس ومنذ التمرد العسكري الذي قادته ومارسته حماس واستنادا للقانون الاساسي الاعلان عن قطاع غزة اقليما مخطوفا بقوة السلاح ما يرتب آثارا قانونية مهمة وبرأيي كان ذلك سيقصر عمر الانقسام الناتج عن هذا التمرد والعصيان العسكري الا انه وعلى ما يبدو راهن على امكانية التوصل الى اتفاق بين فتح وحماس الا ان الأمل في ذلك وبعد هذه السنوات الطويلة انعدم ما فرض التوجه الى القضاء الدستوري للخروج من هذا النفق المظلم.

اما عن القرار التفسيري الذي خرجت به المحكمة الدستورية في 12/12/2018 والذي اعلن عنه الرئيس محمود عباس فهو قرار سليم حيث اعتمد على المادة 47 من القانون الاساسي وفي هذه الحالة تتم الانتخابات عملا بقانون الانتخابات القرار بقانون (رقم 1) لعام 2007.

اذن نستدل على ان المحكمة الدستورية اعتمدت في قرارها التفسيري على النص الوارد في القانون الاساسي والمتعلق بانتهاء ولاية المجلس وكذلك انعدام فعاليته نتاج الانقسام وكنت اود ان تبحر المحكمة في تفسيرها وتتطرق لهذا الموضوع معتمدة على القانون الأساسي حيث من المؤكد انها كانت ستعطي توصيفا قانونيا وتفسيرا لما حدث في14/6/2007 وهو العصيان او التمرد المسلح ما ادى الى تعطيل عمل المجلس التشريعي والذي ادى الى اقرار الانتخابات التشريعية مباشرة بسبب انعدام قانونية المجلس التشريعي بسبب العصيان ما ادى الى تعطله منذ حوالي اثني عشر عاما ومع كل ذلك فان المحكمة اصابت عندما قالت ان “شرعية وجود المجلس التشريعي تكون بممارسة اختصاصاته التشريعية والرقابية” ونظرا لعدم انعقاده منذ سنة 2007 يكون قد فقد صفته كسلطة تشريعية وبالنتيجة صفة المجلس التشريعي.

عدم انطباق نص المادة (47 مكرر) من القانون الأساسي في حالة عدم إجراء الانتخابات الدورية للمجلس التشريعي كل أربع سنوات، وهذا يعني أنه لا يمكن تطبيق نص المادة (47 مكرر) إلا في ظل وجود مجلسين، مجلس منتهي الولاية القانونية، ومجلس جديد

إن المجلس التشريعي في حالة تعطل وغياب تام وعدم انعقاد منذ تاريخ 5/7/2007، وانتهت مدة ولايته بتاريخ 25/1/2010 أثناء فترة تعطله وغيابه، وما زال معطلا وغائبا بشكل كامل حتى الآن، وبناء عليه فإن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني ومصلحة الوطن تقتضي حل المجلس التشريعي المنتخب بتاريخ 25/1/2006، وبالتالي اعتباره منحلا منذ تاريخ إصدار هذا القرار”.

واخيرا فان لم تكن المحكمة الدستورية هي صاحبة الحق بالفصل في هذا الموضوع المفصلي والرئيسي والدستوري فمن هي هذه الجهة؟.. وبصورة اخرى فان لم يكن الدستور هو الحكم بين الفرقاء اذن من هو الحكم؟.. وان لم تستطع الفصائل الاتفاق طوال هذه السنوات فهل يعقل ان يتم تعطيل الحياه البرلمانية والتشريعية والديمقراطية وفقا لأهواء الاطراف او احد الاطراف؟

* متخصص بالقانون الدستوري

شاهد أيضاً

فلسطين تنتصر في اليوروفيجن

بقلم: عمر حلمي الغول نجحت حكومة نتنياهو الرابعة المنتهية ولايتها مع الإعلان عن انتخابات الكنيست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *