فلسطين في عامها الجديد

بقلم: عبد المجيد سويلم

يبدو الحديث عن فلسطين في عامها الجديد ترفاً فكرياً في ظل «المعركة» المحتدمة حول حل المجلس التشريعي، وحول قانونية قرار «الدستورية»، وحول الجرعة السياسية في هذه «القانونية».
وانطلاقاً من هذا النقاش بالذات يمكن البدء بقراءة المشهد الفلسطيني في العام الجديد، كما يمكن الانتهاء به ايضا.
هناك بعض البديهيات وأظنها تُغَيَّب عن قصد ساذج او عن سوء قصد.
أولى هذه البديهيات تتمثل في ان من يعترف «بالدستورية» لا يجوز له تحت اي ذريعة مناقشة صحة او عدم صحة ما أقدمت عليه، وما أخذته من قرارات اذا تعلق الأمر بالالتزام والتنفيذ. وباعتبارها أعلى سلطة قضائية، ويعود لها حصراً البت بهذا الشأن، فإن اية مناقشة للقرارات هي حق مكفول في ظل الالتزام المعلق بما أقدمت عليه.
ولذلك فإن المناقشة مهمة وربما تكون مطلوبة، ومن الأفضل الاستفاضة بهذه المناقشة ولكن على قاعدة الزامية النفاذ والتنفيذ.
أما من لا يعترف بالمحكمة ولا بشرعيتها، وبالتالي شرعية قراراتها فإن الأمر الطبيعي هو رفض القرارات والاحتجاج عليها والتشكيك في قانونيتها وشرعية اتخاذها.
وبالتالي فإن المضحك المبكي ان الذين يعترضون على هذه القرارات وعلى قانونية وشرعية اتخاذها من قبل المحكمة الدستورية انما يعترضون على خلفية سياسية وليست قانونية.
اقصد لو ان وجه الاعتراض هو قانوني لوجدنا على سبيل المثال أن فريقاً من فتح وآخر من حماس وثالثاً من الشعبية ورابعاً من حزب الشعب او الجبهة الديمقراطية يعترضون من الزاوية القانونية المحضة على تلك القرارات.
وفي هذه الحالة كنا سنرى ان قانونية الاعتراض والمعارضة ستكون وفق نصوص قانونية ونصوص أُخرى دستورية وغير ذلك. وبالمقابل لو ان خلفية النظرة الى قرارات «الدستورية» هي خلفية سياسية محضة لكان المفترض ان نرى من داخل التنظيم الواحد من يراها سياسية ويؤازره في ذلك فرق مختلفة من تنظيمات مختلفة.
لم يحدث اي شيء من هذا، ولم يحدث سوى ما كان يحدث دائما وهو الموقف الاستقطابي المعروف ولا شيء غير ذلك على الاطلاق.
ولهذا فإن مناقشة قرارات الدستورية بالاغطية السياسية والقانونية التي رأيناها وسمعناها وقرأناها وشاهدناها ليست سوى استمرار معتاد وطبيعي ومكرر الى درجة الملل لما هي عليه الأمور من حالة استقطاب انقسامية لا اكثر ولا اقل.
لم أفهم على وجه الدقة ما الضرر الذي يقع على حركة حماس او الجهاد الإسلامي (في مفارقة خاصة) او الجبهة الديمقراطية من انتهاء التشريعي، وهو المنتهي في الواقع والاتفاق على موعد انتخابي بعد ستة اشهر.
ليس واضحاً لي بالمقابل ما هي المغانم التي ستحصل عليها فتح من حل هذا المجلس والتوجه الى انتخابات.
باستثناء مسألة رئيس المجلس التشريعي ودوره في حالة غياب الرئيس، والتي سنأتي عليها في هذا المقال لا أرى الولائم ولا المغانم، ولا أرى مصلحة خاصة لفتح وضررا خاصا على حركة حماس، ولا أرى العكس، ولا أرى اي شيء جدي يمكن الاعتماد على جديته.
المسألة وما فيها ان حركة حماس تريد «تأبيد» المجلس التشريعي، وتريد ان يبقى التشريعي العنوان الذي تستند اليه في «شرعية» بقاء حكمها في القطاع، وليس واقعية هذا الحكم. ولا تريد حركة حماس ان يبقى حكمها وتحكمها بالقطاع مجرد أمر واقع وإنما أمراً «قانونيا».
وبالمقابل، لا تريد حركة فتح إعطاء حماس هذا السند «القانوني» او الإبقاء عليه، وليس أمامها سوى الانتخابات، والعلة هنا هو ان حركة حماس تستطيع ان تدير ظهرها بالكامل لإنهاء الانقسام طالما هي متسترة بالمجلس، وفي حين ان حركة فتح تستطيع ان ترفع عن حركة حماس هذا الغطاء عندما تنهي المجلس وتحله وتتحول مسألة إنهاء الانقسام الى خيار إجباري للجميع بواسطة الانتخابات.
هذا هو جوهر الأمر، وكل ما يقال عن «سياسية» القرارات وقانونيتها هو نوع من اللغو الذي يهدف الى التشويه القصدي المسبق.
اما قضية رئيس المجلس التشريعي ودوره في حالة غياب الرئيس فالقضية تحتاج الى اعلى درجات الصراحة. لن تسمح فتح لحركة حماس حتى لو انقلبت الدنيا على رأسها بهذا الأمر طالما ان المجلس التشريعي في هيئة نواب حركة حماس قد ايدوا الانقلاب الذي قامت به حركة حماس، ولا يجوز اصلا لحركة فتح ان تقبل بذلك لأن الانقلاب كان ضد سلطة شرعية، وضد رئيس منتخب، وضد المنظمة وهي التي عقدت اتفاقيات أوسلو وأنجبت من بين ما أنجبته المجلس التشريعي نفسه.
وعندما وافقت حركة فتح ان يتولى رئيس المجلس رئاسة السلطة بعد غياب الزعيم الخالد، فلأن تلك الموافقة كانت تعني الانتقال السلس للسلطة، دون تهديد للمصالح الوطنية او السلم الأهلي او دون تهديد يذكر على الأمن القومي.
أما الآن، فالحالة مختلفة، والأمر يتعلق بحركة من خارج المنظمة، وضد شرعيتها، وتتلاعب بمصيرها، بل ويمكن القول ان هناك من داخل حركة حماس من يتمنى اختفاء هذه المنظمة من الوجود.
فاذا كان كل السياسيين الذين يناقشون قانونية قرارات «الدستورية» لا يرون هذه المسائل بهذا الوضوح وبهذه الصراحة، واذا كان كل القانونيين لا يرون هذا الجانب السياسي في كل ما يناقشون به فإن علينا كلنا السلام.
اقصد على مهَرة السياسيين وجهابذة القانونيين. كفى مناقشات لا تفضي الى شيء، وكفى مجادلات ليست قادرة على طرح المسائل كما هي بدون رتوش ومواد تجميل ومكياجات تغير وجه الحقيقة.
وتعالوا الى أمر سواء.
حوار وطني حقيقي يسبق موعد الانتخابات، والاتفاق على نظام سياسي ديمقراطي، وكفء ووطني وملزم للجميع وعلى قاعدة شراكة وطنية نسبية مفتوحة.
واذا كانت فلسطين في عامها الجديد قادرة على ذلك، فسيكون هو عام الاستنهاض والوحدة، أما إذا بقينا نغمس من خارج الصحن، ونفكر بكيفية إفشال الوحدة والشراكة، فالأمر سهل، وفي متناول الجميع، وحينها نرجوكم الحديث عن أحزابكم وتنظيماتكم وفصائلكم، ولكن اتركوا حديث الوطن جانباً.
وأخيراً، وبالمناسبة، أنا مع ان يكون المجلس المركزي هو صاحب القرار، لأنه صاحب الولاية، وهو وحده القادر على وضع الأمور، كل الأمور في نصابها حتى لو كان لدينا ألف اعتراض عليه.

شاهد أيضاً

فلسطين تنتصر في اليوروفيجن

بقلم: عمر حلمي الغول نجحت حكومة نتنياهو الرابعة المنتهية ولايتها مع الإعلان عن انتخابات الكنيست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *