“لا تخبر الحصان” لممدوح عزام .. البحث عن “صبح” فيما وراء آلام الدركي وحكايات البلاد!

“لماذا تركت الحصان وحيداً؟”، هو السؤال الذي ربما كان يدور في خلد “كامل” أحد أبناء سالم وسليمة، بينما كانت رواية “لا تخبر الحصان” للروائي السوري ممدوح عزام، والصادرة حديثاً عن دار سرد للنشر ودار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، تلفظ أسطرها الأخيرة.

وسالم دركي درزي نشيط وذو حضور، تقاعد وحصانه الأصيل سوياً، بعد أن تشاركا لسنوات طويلة في ضبط الحدود، وملاحقة المهربين وقطاع الطرق ما بين سورية وتركيا، حيث عملا لخمسة عشر عاماً سوياً، حتى بات الحصان “الشاهد الوحيد الذي عاش معه كل تفاصيل جولاته”، بل حياته الأسرية والاجتماعية وتقلبات الزمن، فكان سرّه وسريرته، حتى وصل الأمر بغالبية أبنائه وحتى زوجته إلى ضربه أحياناً، تعبيراً عن كرههم له، وغيرتهم من علاقة الأب المتميزة مع حصانه، الذي كان صديقه وكاتم أسراره، في حين كان الأب الغائب حتى في حضوره عن أبنائه، والزوج المثير للشكوك.

الرواية تدور على ما يبدو في أربعينات القرن الماضي، وما قبلها، حيث الحديث عن الدولة السورية الوليدة والانتخابات النيابية الأولى، ومن ثم خسارة الحرب، وقصف دمشق، وهنا إحالة قد تكون إلى “النكبة”، وصيغت فصولها على لسان أبنائه كامل أقربهم إلى الأب وحصانه، وواصل أصغرهم ويعاني من لوثة في عقله، وفاضل، ونوفل أكبرهم والذي ينضم إلى الحزب الشيوعي ويتم اعتقاله من قبل المخابرات السورية، وكاملة ابنته الوحيدة، بينما يحضر “نائل”، ابنه من زاهية السنيّة امرأة كان ارتبط بها في المدينة، بل واعتنق المذهب السني لإتمام عقد قرانه بها، فكان “نائل” الشقيق السني لأخوته الدروز.

“طوال السنوات التي تلت إحالته إلى التقاعد كان يتحدث عن ماضيه كضابط إيقاع. هذا هو رأيه في وظائف الدرك الذين سيطروا على أرياف سورية في الحقبة الاستعمارية كما في حقبة الاستقلال. كان يروي في كل سهراته سيرة رحلته التي استمرت خمسة وعشرين عاماً، وهو يتجول كفارس مهاب بين مشاجرات القرى الدموية، ساعياً لبسط سلطة الدولة الفتية على عصاة الريف المتمردين الذين لا يعرفون معنى القانون”.

ويبدو أن عزام هنا يقدم إسقاطات قابلة لتأويلات عدة على الواقع السوري الحالي، حيث الريف المتمرد، والدولة التي لربما تعود فتية بعد أن شاخت، والدموية التي تجاوزت المشاجرات، خاصة إذا ما واصلنا تقليب صفحات الرواية، وعلمنا أن سالم وصل به تردي الوضع الاقتصادي إلى بيع مسدسه، وفي هذا دلالات كبيرة يمكن إحالتها برأيي، لجهة الإسقاط على من خدموا في الجيش السوري، ربما، وحتى التفكير في بيع حصانه توأم الروح، لعله يتمكن من إعالة أسرته، وفي هذا إحالات أخرى إلى الواقع الصعب للدركي السوري، وربما العربي أيضاً.

وتظهر في الرواية جدليات عدة من بينها ما يتعلق بالأصالة، فحين يحل موسم الحصاد وسط حالة الفقر المدقع، يضطر سالم إلى العمل على انتزاع أصالة حصانه، ومحاولة تدريبه وربما ترويضه لجهة جرّ العربة، وهو ما يرفضه الحصان الذي يتعرض لتعذيب شديد على يد شقيق سالم بسبب رفضه هذا، بينما يصرّ سالم قبل اليوم السادس للتدريب، على عدم الاتجاه نحو القسوة بأي شكل على رفيق الدرب، الذي يتضح في نهاية الرواية أن اسمه “صبح”.

و”صبح” هنا، وهو اسم الحصان الذي يظهر لمرة واحدة فقط طوال الرواية الممتدة على قرابة المائتين وخمسين صفحة، لم يكن اختياره اعتباطياً باعتقادي، فهو لغة أول النهار وأول الضوء، وهو من يهاجم أعداءه إن كان ثمة في الأمر “تصبيح”، فيوم الصباح هو يوم الغارة على العدو أيضاً، ولكل معنى من هذه المعاني دلالاته وتأويلاته التي يمكن أن تنسحب على الدركي أو صاحبه الحصان، الذي لم يكن يريد أن يخبره الأول بنواياه، خاصة مع علاقتهما الأكثر من متميزة، بـ”سحب أصالته”!

“وخلافاً لما يمكن أن يشاع عن علاقته بالحصان، فقد استطاع ذلك الحيوان الأليف، بحكمة السنين، أن يتسلل إلى باطن الألم الذي يغزو رفيق عمره، فكان يرفض التحرك أو السير، حين يلاحظ علامة واحدة من تلك العلامات التي تغزو وجه سالم: الحزن أو التأوه، أو الزفرة المخذولة. يقترب منه، ويلصق بطنه الكبيرة بكتفه، ويبدأ بدفعه لامتطاء صهوته. وبالمقابل، صار سالم يحذر من التباطؤ في تنفيذ تعليمات الحصان. كان يقوده كي يقترب من أحد الأحجار الكبيرة، ثم يعتلي ظهره العاري الذي يرتعش في انتظاره”.

والرواية التي تميزت بعمقها على مستوى الطرح والأفكار والرؤى المتعددة، جاءت بلغة سردية جميلة تتوافق وطبيعة الفترة الزمنية، والحكاية، والشخوص، فكل تفصيل، ولو كان يظهر كتفصيل اجتماعي أو أسري أو معيشي يومي، كان بمثابة ارتداد لظرف أو واقع سياسي، انعكس في حكايات الدركي سالم وحصانه، وهي الرواية التي جاء في صفحتها ما قبل الأولى مقولة محمود درويش الشهيرة “لماذا تركت الحصان وحيدا؟ .. لكي يؤنس البيت، يا ولدي”.

وقال الروائي ممدوح عزام لـ”أيام الثقافة”: أظن أن السياسة تحملق فينا طوال الوقت، لا نستطيع ممارسة العيش مع الأسف دون أن نرى أن السياسة تلاحق أكثر التفاصيل حميمية في حياتنا اليومية والعامة، فالكلام عن الخبز أو الطرق أو الخدمات الصحية أو الأمان اليومي أو أي تفصيل يمكن أن يخطر على بالك هو في الصميم متعلق بالسياسة، فنظام الحكم العربي قاطبة استولى استيلاءً تاماً على كل شيء .. وقد كان هذا الهاجس يلاحقني كما لاحق جميع السوريين كتاباً وغير كتاب، بحيث باتت السياسة خبز الكتابة الروائية السورية وغير السورية.

وختم: لا تغيب السياسة عن الرواية هنا، بل تدفع إلى الخلف، كي نستطيع أن نتأمل في دوافع أخرى حاضرة وقوية في حياتنا أيضاً غير تدخلات السياسة التي حاصرتنا. وهي تحاول أن تقول إن السياسة وأفعال السياسيين الذين يريدون مصادرة كل شيء، لا تقدم سوى جزء من الحقيقة البشرية التي تعيش ممارسات أخرى، ولا يسمح للسياسة أن تصل إليها.. الحب، والكراهية، والحسد، والإيثار، والحقد الشخصي، وغيرها من المشاعر والعواطف الإنسانية التي تشمل البشر جميعاً، تحتاج منا أن نتفحصها ونتأمل فيها أيضاً. هذا ما سعت إليه رواية “لا تخبر الحصان”.

الايام الفلسطينية

شاهد أيضاً

قراءة في رواية: الأخوة الأعداء

بقلم: د. عبد الرحيم جاموس رواية في منتهى الروعة والعمق والإبداع الإنساني للروائي والفيلسوف والشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *