الله وترامب والحروب!

بقلم: عمر حلمي الغول

على مر حقب التاريخ إصطدمت البشرية بشخصيات حالفها الحظ في التتربع على سدة عرش هذا النظام، أو تلك الإمبراطورية دون أية مؤهلات سياسية، أو علمية، وتنقصها الحكمة والشجاعة، أو مصابة بداء كَّلب العظمة والنرجسية، ومسكونة بالأساطير، والإعتقاد، انها “وكيلة” الله على الأرض، تنطق بإسمه، وتستوحي سياساتها “منه” بإلهامها “الخاص”. كما أصاب هذا المرض أحزابا وحركات وقوى.

ومن بين هذة النماذج، التي أبتليت بها البشرية عموما والولايات المتحدة خصوصا الرئيس دونالد ترامب، الذي إدعى يوم الأربعاء الماضي الموافق 21/ 8/2019 في مؤتمر صحفي عقده في حديقة البيت الأبيض، أن الله “إختاره” ليخوض حروب أميركا ضد أعدائها، وخاصة الصين الشعبية. وإستخدم مصطلحا توارتيا لإضفاء المكانة الدينية على مكانته الشخصية “المتميزة”، عندما أكد قائلا: “أنا هو “المختار” لخوض الحروب التجارية ضد الصين ودول العالم، وطبعا لاحقا العسكرية. مستحضرا مقولة الحركة الصهيونية لتسويق مشروعها الإستعماري على الأرض الفلسطينية العربية، التي تدعي أن “اليهود،هم، شعب الله المختار.” الموعودين بالعودة ل”أرض الميعاد”، أي لإرض فلسطين العربية.

وكلاهما مصاب بمرض الإسقاط الرغبوي (الإرادوي) لنزعاته، وأهدافه على الواقع بعيدا عن مصلحة شعبه، او ما يمثل من قوى ونزعات وشعوب العالم الأخرى. وإذا حاولنا أن نجول قليلا في هذة العجالة حول فرادة الإنسان أو الشعب، فهي مرهونة أولا بشروط بيولوجية وإجتماعية محددة، وهي الحامل الأساس لتميز إنسان عن آخر. وثانيا الشروط الإجتماعية وإلإقتصادية والسياسية، اي مستوى تطور قوى وعلاقات الإنتاج في مرحلة تاريخية، وهي التي تميز شعب عن آخر.

ولو تموضعنا في نطاق المدرسة القدرية، وإعتبرنا أن كل ما يتم من تطورات على المستويات الشخصية والحزبية والوطنية والإقليمية والدولية تتم بإرادة الله جل جلاله، فإن الله المحبة والخير والسلام والحرب والعدالة والشر وخير الماكرين، توقف عن إرسال الأنبياء للبشر منذ 1400 عام خلت، وهذا ما اكده القرآن الكريم، بأن محمداً عليه الصلاة والسلام. هو آخر الأنبياء. كما انه لم يعد ممكنا نزول “كليم الله جديد”، لإن كليم الله الوحيد، هو النبي موسى عليه السلام. وبالتالي لا يوجد إنسان “مختار” وآخر غير مختار، فالإنسان نتاج واقعه الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والديني، قد يكون إنسانا خيرا وإيجابيا، وقد يكون العكس تماما. والشيء بالشيء يذكر، فان الله لم يميز شعبا على شعب آخر، فلا يوجد شعب مختار، وآخر غير مختار، فالشعوب وأتباع الديانات والمعتقدات والنظريات الوضعية، جميعهم شعوب خيرة، وتحمل في ثناياها الخير والشر، الغث والسمين، الإيجابي والسلبي، وكل من يدعي غير ذلك، يكون نرجسيا ومعقدا وعنصريا، أو مجنونا طبيعيا.

وبالعودة للرئيس الأميركي المتربع في البيت الأبيض منذ مطلع 2017، فإن الله لم يختاره لشن الحروب على شعوب الأرض لا في الصين، ولا في روسيا، ولا في المكسيك، ولا في كندا، أو أوروبا، ولا في فلسطين، بل العكس صحيح جدا. بتعبير أدق، عندما يمنح شعب من الشعوب أصواته لشخص معين لتمثيل مصالحه، فإن الضرورة والمسؤولية الشخصية والجمعية تحتم على هذا القائد، أو ذاك البحث عن تعزيز مكانة ومصالح شعبه دون خوض الحروب وسفك الدماء، وتدمير الحضارة البشرية، التي بناها الإنسان في مختلف اصقاع المعمورة على مدار الحقب التاريخية السابقة، خاصة وإننا نتحدث عن رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ولا نتحدث رئيس آخر.

ولكن سيد البيت الأبيض مصمم هو ومن لف لفه من الأفنجليكانيين المتصهينيين، والمتعصبين والمتزمتين، المسكونين بعقد النقص، والعنصرية والأساطير الخرافية إلى جر البشرية جمعاء إلى حافة الهاوية، ودفع الأمور دفعا نحو دوامة حرب عالمية، قد لا تبقي ولا تذر. لا سيما وان ما تختزنه بعض الدول والأقطاب (ال14) من الأسلحة النووية والكيمياوية والهيدروجينية يكفي لتدمير كوكب الأرض مئات المرات. الأمر الذي يحتم على عقلاء أميركا ونخبها السياسية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والمؤثرون في صناعة القرار السياسي وقف اللوثة الترامبية، وإنقاض أميركا وشعبها من جنون رجل مغامر، لا يملك حدا أدنى من كفاءة الحكم، ومعالجة كل قضايا الخلاف مع الأقطاب والدول على طاولة المفاوضات، لا بالعصا الغليظة، وعدم تحميل الله جل جلاله ما ليس له علاقة به. لإن ترامب إذا كان هو “المختار”، فإنه “المختار” لتدمير أميركا اولا، ثم شعوب الأرض ثانيا بسبب الهوس المتجذر في وعيه المريض والعبثي.

Oalghoul@gmail.com

a.a.alrhman@gmail.com

شاهد أيضاً

خَياران أحلاهُما مُرُّ امام اليمين الإسرائيلي

بقلم: ناصيف معلم عندما نتحدث عن فوز القائمة العربية الموحدة او المشتركة، نحن نتحدث عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *