مدرسة “الكعابنة”.. الصمود بأقل الإمكانيات

إيهاب الريماوي

نهاية طريق المعرجات قرب مدينة أريحا ذات المنعطفات الخطيرة يطل عليك تجمع عرب المليحات، وعند الدخول إليه والانعطاف يميناً يفضي بك طريق ترابي إلى مدرسة واقعة على أعلى تلة في المكان، جاثم بجوارها خزان مياه ضخم يخضع لسيطرة الاحتلال.

اختارت وزارة التربية والتعليم افتتاح العام الدراسي هذا العام من المدرسة التي تسمى بمدرسة بدو الكعابنة، التي تقع في تجمع عرب المليحات المصنف من مناطق المسماة “ج”، ويحيط بالتجمع 3 مستوطنات، وتأسست المدرسة منذ 52 عاماً، وأخطرت بالهدم أكثر من 22 مرة، وتتكون المدرسة من 14 غرفة صفية، قسم منها بني من الطوب وسقف بألواح من الصفائح المعدنية، والقسم الآخر من الغرف الحديدية الجاهزة، ويتوسط هذه الغرف ساحة ترابية، اصطف فيها 80 طالبا وطالبة من مرحلة الروضة حتى الصف التاسع الأساسي.

المدرسة الموجودة في منطقة شديدة الحرارة، يتصبب العرق من معظم طلابها، في حين أن البعض أخذ يبحث عن ظل، فيما القليل منهم يعتمر قبعة في محاولة للهروب من اشعة الشمس العمودية.

تقدمت من بين هؤلاء الطلبة، حنين كعابنة الطالبة في الصف الخامس الابتدائي، نحو المنصة مرتدية الثوب الفلسطيني المطرز، وموشحة بالكوفية، وألقت قصيدة تعبر فيها عن التمسك بالأرض، والصمود في وجه كل انتهاكات الاحتلال.

وما إن انتهت حنين من القاء قصيدتها حتى وقف جميع الحضور مصفقين لها، في حين بدت في أبهى ملامح سعادتها.

وما إن انفض الحضور حتى راح مدير المدرسة محمود الجرمي يتحدث عن الوعود التي تعهد بها وزير التربية والتعليم مروان عورتاني بإنجازها خلال الفترة القريبة، وهي تظليل الساحة المكشوفة لأشعة الشمس، وسياج يحيط بالمدرسة، لكي يحميها من هجمات المستوطنين المتكررة.

ففي إحدى المرات، هاجم المستوطنون المدرسة في ساعات الليل، وقاموا بخلع شبابيك الغرف الصفية، ودمروا معظم محتويات المدرسة.

يعلو سقف غرفة الإدارة 6 ألواح للطاقة الشمسية توفر الطاقة الكهربائية بشكل دائم في فصل الصيف، حيث تعتبر هذه الألواح المصدر الوحيد لتزويد المدرسة بالكهرباء؛ في وقت يمنع فيه الاحتلال مد خطوط الكهرباء والماء إليها.

لا يتوفر في الغرف الصفية أكثر من المرواح للتخفيف عن الطلبة من حرارة الطقس التي تصل في معظم أيام فصل الصيف إلى منتصف الأربعينيات، غير أن بقاء الكهرباء طوال العام ليس مضموناً خاصة في فصل الشتاء البارد.

قبل عامين، احتفل باليوبيل الذهبي لمرور 50 عاماً على صمود المدرسة منذ عام 1968، وخلال السنوات الثلاث الماضية أخطر الاحتلال 12 مرة المواطنين في التجمع بأنه سيهدم المدرسة.

ويمنع الاحتلال إضافة حتى حجر واحد للمدرسة، حيث يحظر بناء أي غرفة صفية مسقوفة بالباطون، لكن مدير المدرسة يصر على الاستمرار في تحدي قرارات الاحتلال، حيث أنه في كل مرة تهدم فيه غرفة، تبنى أخرى مكانها فوراً.

ويأتي الطلاب إلى المدرسة من مختلف التجمعات البدوية في المنطقة، حيث وفرت لهم وزارة التربية والتعليم قبل سنوات حافلة لنقلهم من وإلى المدرسة.

هذه المدرسة فقيرة الإمكانيات، يفخر مديرها أن أحد طلبتها أصبح اليوم طبيباً بعد أن تخرج مؤخراً من جامعة 6 أكتوبر في جمهورية مصر، كما خرجت مهندسين، ومحامين، ومعلمين، وغيرها من التخصصات.

وفي التجمع أكثر من 100 خريج يحملون شهادات في تخصصات مختلفة لكنهم دون عمل، حيث أن معظمهم علق شهادته ويعمل في رعي الأغنام.

مدرسة بدو الكعابنة هي إحدى عدة مدارس بدوية منتشرة في مختلف أرجاء الضفة، حيث يوجد مدرسة في منطقة عرب الجهالين، وفي تجمع الرماضين جنوب الخليل، وقرب الجدار في مدينة قلقيلية، وقرب بلدة يعبد بمدينة جنين.

وتعتبر المدارس البدوية موسمية، حيث يغلب عليها طبيعة الحياة البدوية التي تمتاز بالترحال من منطقة إلى أخرى خلال العام، ويمكن أن تجد 50 طالباً في المدرسة خلال فصل الربيع، وفي فصل آخر يتغير العدد بالهبوط أو الصعود.

ويهدف وجود هذه المدارس حسب الناطق باسم وزارة التربية والتعليم صادق الخضور إلى التعبير عن أهمية توفير التعليم في المناطق البدوية، لبناء جيل متعلم ومثقف يتغلب فيها على كل ظروف الحياة التي وضع فيها.

لا تختلف كثيراً المدارس البدوية عن مدارس التحدي التي يبلغ عددها 13 مدرسة، وتقع في المناطق المهمشة والمحاذية للمستوطنات، ويفوق عدد طلبتها الـ1500 طالب وطالبة.

شاهد أيضاً

تقرير: الاحتلال يستخدم أساليب الاحتيال للسيطرة على اراضي الفلسطينيين

رصد تقرير الاستيطان الاسبوعي الذي يعده المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان التابع لمنظمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *