الذاكرةُ الفلسطينيّةُ والنّكبة

تعجَزُ لُغاتُ العالَمِ عن إيجادِ ترجمةٍ أمينةٍ لمُصطَلحِ “النّكبةِ” بشكلٍ يعطي المتلقّي صورةً لما تحتويهِ هذهِ الكلمةُ من تلخيصٍ لمأساةِ شعبٍ كاملٍ، لذلكَ دخلت “النكبةُ” كما تُنطَقُ بالعربيّةِ في كلِّ معاجِمِ العالَمِ، وكأنَّ في هذا الاستسلامِ لخصوصيّةِ الكلمةِ العربيّةِ اعترافٌ بأنَّ ما ترمزُ إليهِ هو شيءٌ عصيٌّ على الترجمةِ والوصْفِ وخارجٌ عن المألوفِ بشكلٍ يجعلُ اللغةَ تتنحّى جانبًا، مُقرِّةً أنَّها عاجزةٌ عنْ القيامِ بدورِها المعتادِ في التعبيرِ عن الواقعِ ورسمِ ملامحِهِ. لقد اختارَ الشّعبُ الفلسطينيُّ مصطلحَ “النّكبةِ” لما فيهِ من قدرَةٍ على اختزالِ أسرارِ الكارثةِ التي لحِقت بهذا الشّعبِ وطالتْ كلَّ جوانبِ حياتِهِ، فالنكبةُ هي طَرْدُ الفلسطينيِّ من بيتهِ ووطنِهِ وإحلالُ الغُرباءِ مكانَهُ، وهي سرقةُ الأرضِ والسّطوُ على الممتلكاتِ، مثلما هي المجازرُ وعملياتُ الإبادةِ المنظّمةِ وحملاتُ التهجيرِ وتدميرِ قرى بأكملِها، والنّكبةُ هي تغييرُ أسماءِ القرى والمُدنِ، وهي سياسةُ حظرِ التجوّلِ على مَن بقيَ متشبِّثًا بأرضِهِ وبحجارةِ بيتهِ، وهي ممارسةُ التمييزِ العنصريِّ والاعتقالِ التعسُّفيِّ ومصادرةُ الأرضِ ومنعُ التمدّدِ العمرانيِّ ومحاصرةُ القرى والمدنِ والتجمّعاتِ الفلسطينيةِ بالمستوطناتِ المكتظّةِ بالغُرباءِ المدجّجينَ بكلِّ أسلحةِ الكراهيةِ والحقدِ والعنصريّةِ العمياء.
هذا هو بعضُ ما تعنيهِ النكبةُ بتفاصيلِها، وهو وصفٌ يمكنُ أنْ يقودَ إلى نتيجةٍ واحدةٍ تتلخّصُ في أنَّ النّكبةَ مشروعٌ صهيونيٌّ متكاملٌ يهدفُ إلى اقتلاعِ الفلسطينيّ من وطنِهِ واقتلاعِ الوطنِ من ذاكرةِ الفلسطينيِّ، ليحلّ محلّهُ إحساسٌ بالهزيمةِ والانكسارِ ولَوْمِ الذّاتِ وانسدادِ آفاقِ المستقبَل. هذا ما أرادت الحركةُ الصّهيونيةُ تحقيقَهُ، فكيفَ استطاعَ شعبُنا تحويلَ مُصطلحِ “النكبةِ” من رَديفٍ لفقدانِ الوطنِ إلى عاملِ استنهاضٍ للذاكرةِ الوطنيةِ التي جعلتْ من حقِّ العودةِ توأمًا لمُصطلحِ النّكبةِ ومكمِّلاً له؟
لقد شكَّلَ المخيّمُ بديلاً مؤقّتًا للوطنِ، استطاعَ في السنواتِ العجافِ الأولى التي أعقبت النكبةَ أن يحافظَ على بقاءِ الوطنِ جزءًا من الذّاكرةِ الوطنيّةِ، ففي المخيَّمِ تجمّعت العائلاتُ حسبَ القرى والمدنِ التي أخرِجَتْ منها، وفي المخيّمِ تمسّكَ اللاجئُ بمفتاحِ بيتِهِ الذي أجبِرَ على مغادرتِهِ، ليتحوّلَ هذا المفتاحُ إلى رمزٍ يختزلُ كلَّ معاني العذابِ والتّضحية والحنينِ. وبهذا تمكّنَ الفلسطينيُّ من فَرضِ روايتِهِ واستبدلَ ما أرادت الحركةُ الصهيونيةُ أنْ يكونَ هزيمتَهُ النهائيةَ بتمسّكِهِ بحلمِ العودةِ كفكرةٍ جماعيّةٍ غيرِ قابلةٍ للاقتلاعِ من الوعيِ والذّاكرةِ الوطنيةِ. وبدلاً من الشّعورِ بالهزيمةِ والعجْزِ وتأنيبِ الضميرِ أسكَنَ الفلسطينيُّ في ذاكرتِهِ أبطالاً يُجسّدونَ كلَّ معاني المقاومةِ والبسالةِ والتصدّي للمشروعِ الصهيونيِّ رغمَ شحِّ الإمكانياتِ واختلالِ موازينِ القوى لصالحِ أعدائنا، وبهذا أصبحَ عبد القادر الحسيني وعبد الرحيم محمود وحسن سلامة وكثيرونَ غيرهم رموزًا للوطنيّةِ الفلسطينيّةِ وقدوةً للأجيالِ القادمةِ التي أخذتْ على عاتِقِها مهمةَ إطلاقِ الرّصاصةِ الأولى في الفاتحِ من كانون ثاني/يناير عام ١٩٦٥ مُعلنةً بدايةَ الثورةِ الفلسطينيّةِ المعاصِرةِ التي قامتْ بدورٍ طليعيٍّ في تحصينِ الذاكرةِ الوطنيّةِ ضدَّ الوهَنِ والاندثارِ في خيمةِ اللجوءِ، واستبدلت الصورةَ النمطيّةَ للّاجئ المقهورِ المُثقَلِ بالنّكبةِ وببطاقةِ التّموينِ لتحلَّ مكانَها صورةُ الفدائيِّ المتمرّدِ على واقعِ المنفى والقادرِ على إعادةِ تشكيلِ وعيِ العالَمِ المعاصِرِ وإجبارِهِ على مراجعةِ حساباتهِ التي أسقطتْ شعبَنا من جدولِ اهتماماتهِ، ظنًّا من هذا العالَمِ أنّ الفلسطينيَّ لن يستطيعَ النهوضَ مجدَّدًا من رمادِ النّكبةِ.
*لقدْ أكّدَ شعبُنا صوابَ مقولةِ الكاتبِ الأمريكيّ همينغواي في نهايةِ روايتِهِ “الشيخُ والبحرُ”: (تسطيعُ أنْ تدمِّرَ الإنسانَ، لكنّكَ لنْ تستطيعَ أنْ تَهزِمَه).

١١-٩-٢٠١٩

رسالة اليوم
رسالة حركيّة يوميّة من إعداد أمين سر حركة “فتح” – إقليم بولندا د.خليل نزّال.

شاهد أيضاً

كلمة الحياة الجديدة: إجماع فتحاوي

“فتح” التي فجرت ثورة المستحيل، عام خمسة وستين من القرن الماضي، واقتحمت بها أصعب الساحات، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − ثلاثة =