كيف أطاح “الليكود” بحزب العمل؟ (1من 2)

بقلم: عبد الغني سلامة

تناولنا في مقال سابق مدى فحش وسوء النيوليبرالية، وكيف تطورت عن الرأسمالية المتوحشة، وعلاقتها الوثيقة بالتغيرات السياسية/ الاجتماعية التي أفضت إلى بروز الشرائح الطفيلية البرجوازية، التي جُـلَّ همّها تكديس الثروات.. وكيف سخّرت تلك الشرائح الجديدة أنظمة الدولة وقوانينها لخدمة مصالحها الخاصة، حتى أنها أسست أيديولوجيا نيوليبرالية خاصة، وهذه الأيديولوجية اقترنت بأوثق الصلات مع اليمين الديني والقومي، وقوى التعصب والتطرف، ونتج عنها الإعلام الشعبوي، وصعود الشخصيات المتطرفة، التي تمتلك مزايا الخطابة الديماغوجية.

ولأن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، ونظرا لطبيعة العلاقة العضوية بين الرأسمالية الكولونيالية والمشروع الصهيوني، والتحالف الوثيق بين الدول الإمبريالية وبين إسرائيل.. من الطبيعي والحتمي أن تنعكس التطورات السياسية والاقتصادية التي حصلت في دول المركز الإمبريالي الرأسمالي (أميركا، بريطانيا)، على الدولة الحليفة لها (إسرائيل).. فما أن بدأت تلك الدول تتبنى النيوليبرالية بدءا من أوساط السبعينيات، حتى حذت إسرائيل نفس الخطوات.. وكما شاع في تلك الدول صعود شخصيات ديماغوجية، بخطاب شعبوي (ترامب مثلا) صعدت شخصيات بنفس السمات (نتنياهو).. وبالتوازي مع صعود قوى اليمين المسيحية الصهيونية المتطرفة في أميركا، صعدت وترسخت قوى اليمين الديني والقومي في إسرائيل.

بكلمات أخرى، كما أفضت الليبرالية في الدول الرأسمالية إلى النيوليبرالية، كخيار حتمي، يعبر عن الأزمة الأخلاقية للرأسمالية، وعن دور أرباب المال المركزي في هذا النظام (المتوحش)؛ كان من المتوقع والطبيعي أن تتحول إسرائيل من دولة رفاه، إلى نيوليبرالية، ما يؤكد أنها نتاج الكولونيالية الرأسمالية، وأنها تتماهى مع المركز الإمبريالي في خصائصه السياسية والاقتصادية. ما يعني أن هذا التحول لم يكن رد فعل على أزمة اقتصادية، بل كان مخططا له بعناية.

في مرحلة “اليشوف” تبنت طلائع الصهيونية نظام الكيبوتس، وهو عبارة عن قرى تعاونية صغيرة، تقوم على مبادئ الملكية المشتركة، والعمل الذاتي، والمساواة، والمشاركة في الإنتاج. وقد روج حزب العمل لهذا النظام لدخول إسرائيل في “الاشتراكية الدولية”، وكان الهدف منه (إلى جانب الأغراض العسكرية) تعميق علاقة المهاجرين الجدد بالأرض.

وبعد تأسيس إسرائيل، تبنى حزب العمل نظام “دولة الرفاه”؛ أي الدولة التي توفر كافة الاحتياجات الاجتماعية للسكان (فقط اليهود)، وكانت تخصص موازنات ضخمة للرفاه الاجتماعي (الشيخوخة، التقاعد، التأمين الصحي، الإسكان)، وتتبنى سياسة التدخل في السوق والحياة الاقتصادية، مثل الاهتمام بحقوق العمال، مراقبة السوق، حماية المستهلك، ضبط الأسعار، دعم السلع الأساسية، دعم الإنتاج المحلي.. وكانت حينها الحكومة اللاعب الأساسي في الاقتصاد وبدور يوازي دور الهستدروت، الذي كان يمتلك قطاعات واسعة من الاقتصاد.

وكانت إسرائيل في تلك الآونة، مدركة لأهمية دولة الرفاه، من منطلق إدراكها بأن الفجوات الاجتماعية والفقر يشكلان خطرا على سلامة المجتمع، لأن الفقر يؤدي إلى اليأس، واليأس يقود إلى التطرف والعنف، وبالتالي الفوضى.. والجائعون يسيرون خلف أي شخص يعدهم بالخبز، وهذا الشخص قد يكون لديه أجندات معادية، ويستغل فقر الناس.. يقول البروفيسور “كريس هيدجس”: تستمد الحركات الفاشية والقوى اليمينية الدعم الجماهيري بارتكاز خطابها “النيوليبرالي” على الشرائح الاجتماعية غير الفعالة سياسيا، أي أولئك الذين يحسون بضآلة أهميتهم في البناء السياسي للدولة؛ فهم أكثر استجابة للشعارات البراقة، والخطاب الذي يُداعب آمالهم ويُزكي مخاوفهم.

ومنذ أواسط السبعينيات، وتحديدا بعد صعود الليكود (1977)، وبالتزامن مع عوامل أخرى داخلية وخارجية، وتحت تأثيرها، بدأت إسرائيل تتبنى النيوليبرالية تدريجيا.. إلى أن انتهى المطاف بتخليها عما كان يُعرف بدولة الرفاه، وتحولها إلى دولة نيوليبرالية، ترافق ذلك ونتج عنه صعود اليمين (القومي والديني) وسيطرته على الدولة والمجتمع، ونشوء دولة الاستيطان.. فكيف تم ذلك؟

الخبير الاقتصادي “داني غوتفين” (إسرائيلي يساري)، يشرح كيف بدأت النيوليبرالية تتحول إلى عماد السياسة الإسرائيلية، وكيف أثرت على الدولة والمجتمع، مؤكدا أن إسرائيل افتعلت الأزمات الاقتصادية لتمرير وفرض النيوليبرالية، واعتمادها سياسة اقتصادية وحيدة للدولة.

ولشرح وجهة نظره، يجري في البداية مقارنة بين فنلندا وإسرائيل من عدة نواح، باعتبار أن البلدين يتقاربان إلى حد ما في عدد السكان، ويتشابهان من حيث محدودية الموارد الطبيعية، ولديهما نفس القيمة في خزينة الدولة. حيث إن الناتج القومي للفرد في إسرائيل (34000 دولار في السنة)، وفي فنلندا (37000 دولار).

تحتل فنلندا المرتبة الخامسة عالميا من حيث تدني نسبة الفقر، بينما إسرائيل في المرتبة 34، بنسبة فقر 23.5%. وكذلك تأتي فنلندا في المرتبة الثانية عالميا في فقر الأطفال، بينما إسرائيل في المرتبة 34. فنلندا الأولى عالميا في عدد الطلبة في الصف 20، بينما في إسرائيل 31 طالبا. وأمام هذه الأرقام يتساءل “غوتفين” لماذا فنلندا وإسرائيل لديهما نفس القدر من الأموال في الخزينة، وبينما فنلندا في المراتب الأولى عالميا، تأتي إسرائيل في الحضيض؟

يجيب بنفسه عن السؤال، بأن فنلندا وصلت إلى هذه المرتبة لأن حكومتها تتبنى سياسة اقتصادية اجتماعية ديمقراطية تهتم بالقطاع العام، وبتوفير الخدمات العامة للشعب، وتتبني مفهوم دولة الرفاه.. بينما إسرائيل وصلت إلى القاع (في مجال الخدمات العامة، وإنهاء دولة الرفاه) لأنها أرادت ذلك عن قصد ودراية، وبفعل سياسة مدروسة وممنهجة، وهي سياسة النيوليبرالية، التي بدأها حزب الليكود منذ أول يوم تسلم فيه الحكم.

يقول “غوتفين”: إن أكبر عدو لدولة الرفاه هي سلطة المال، حيث يشكك الرأسماليون دوما بجدوى دولة الرفاه، ويزعمون بأن الحكومات هي المشكلة، وليست جزءا من الحل (في المجال الاقتصادي).. لأن الحكومة لا تعرف كيف تدير الاقتصاد، وهذه ليست مهمتها أصلا، وأنَّ السوق الحرة والمنافسة هي التي تقود إلى اقتصاد ناجح.. وهذا أساس النظرية النيوليبرالية، التي تريد تفكيك دولة الرفاه، ورفع يد الدولة عن الاقتصاد، وتسليم الأمر برمته لأرباب المال، وذلك عن طريق الخصخصة، ورفع القيود الحكومية عن الحركات التجارية.. والخصخصة هنا ستشمل كل شيء، بما في ذلك الصحة، التعليم، السكن، المواصلات، الطاقة.. وهذه احتياجات أساسية، وبالتالي ستصبح عبارة عن سلع وخدمات، من يملك المال يحصل عليها، ومن لا يملك لا يحصل.. وستكون هذه مشكلة المواطن، لا مشكلة الدولة.

كيف ولماذا تبنى “الليكود” هذه السياسة؟ وكيف ضمن عدم عودة حزب العمل للسلطة مرة ثانية؟ موضوع المقال القادم.

شاهد أيضاً

ملاحظات على مقال الأزمة

بقلم: عمر حلمي الغول نشر الزميل المتوكل طه في موقع “معا” مقالا بعنوان “أزمة اليسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *