من حكايا اللاجئين .. يوم بكى حمد المنصور كتب خالد منصور

لم يدر بخلد ابو حسن ( حمد المنصور ) ابن ام الزينات ان تلك اللحظات عند منتصف ليل الخامس عشر من أيار عام 1948 ستكون آخر لحظات عمره في أم الزينات . صرخ حينها بنساء العائلة لا تأخذوا شيئا معكم .. ما هي إلا أيام وسيأتي جيش الإنقاذ العربي ليعيدنا إلى ديارنا .. وتسللوا الى أحراش الكرمل بعيدا عن خطر الموت ، ليصلوا الى بلدة اجزم عند صباح اليوم التالي – وهي التي لم تكن قد سقطت بع بأيدي العصابات الصهيونية .. الشباب منهم انضموا للمقاومين والنساء والأطفال استضافتهم العائلات الجزماوية .. وامضوا فيها شهرين حتى انهارت المقاومة فيها لنقص الذخيرة واشتداد الحصار .. فانتقل أبو حسن وعائلته إلى بلدة أم الفحم وبالتحديد حطوا رحالهم تحت أشجار الزيتون والأحراش في المنطقة الواقعة بين ام الفحم وبلدة عانين ..
وهكذا ابتعد ابو حسن عن بلدته كيلومترات اكثر وزاد الالم في قلبه اكثر .. اشتاق للبيت للكرم اشتاق لهوا البلد فقرر ان يصعد على قمة جبل اسكندر الذي من على قمته يمكن رؤية الكرمل وأم الزينات .. صعد إلى هناك وتسمرت عيناه حين رأى من بعيد بلدته واستمر بالتحديق طيلة النهار إلى أن عم الظلام فنزل إلى حيث عائلته لم يأكل أو يشرب شيئا ولم يفتح فاه ليكلم احد – سأله أبناؤه : أين أمضيت نهارك ؟ فلم يجب ، وارتمى والقهر يقتله تحت زيتونة ، وتمدد مطرقا رأسه .. لم ينم ولم تغمض جفونه وكأنه كان ينتظر بزوغ فجر اليوم التالي .. وحين أطلت أولى أشعة الشمس نهض مسرعا حاملا كيس دخانه العربي وجد السير إلى نفس الموقع على جبل اسكندر ليتأمل حبيبته ام الزينات ليكلمها في سره ليناجيها يخبرها عن شوقه .. واستمر على هذا الحال أسابيع وأشهر إلى أن أصبحت الإقامة في تلك المنطقة لا تطاق بسبب المطر والبرد وبسبب الجوع أكثر .. عارض أبو حسن فكرة الانتقال إلى مكان ابعد لكن معارضته سقطت أمام خواء بطون الأطفال وأمام مغريات وجود المأوى والغذاء الذي يقدمه الصليب الأحمر لجموع اللاجئين في مخيمات أقامها خصيصا لهم في منطقة أريحا على بعد كيلومترات أكثر ..
قرر أبو حسن الرضوخ لحاجات الأطفال وقبل معاودة الرحيل ذهب إلى اسكندر ونظر للغرب وأطال النظر وأشعل عدة لفافات من دخانه العربي لم يتمالك نفسه فبكى ونزلت دموعه سكائب على خده وهو الرجل القوي الصلب الذي كما يقول من عايشه انه لم يره يوما في حياته يبكي .. بكى وتأوه وخاطب بلدته والهواء القادم منها وخاطب الطيور المتجهة نحوها .. قال : كان أفضل لي ألف مرة أن أموت أن اقتل أن احرق أن اذبح على ثراك .. من أن أراكي ولا استطيع تلمس ثراكي .. وان أكون على بعد كيلومترات منك يقتلني وأبنائي وأحفادي الجوع والبرد .. وارى الغرباء يتمتعون بخيراتك وهم القادمون من كل أصقاع الأرض – كالوباء كالجراد – ليسكنوا بيوتنا ويشربوا مياهنا وكأنها ميراثهم لا ميراث أجدادنا.
مخيم الفارعة – فلسطين – 15/5/2015

شاهد أيضاً

موقف ترامب ما بين الثابت والمتغير في السياسية الخارجية الاميركية

بقلم: إبراهيم أبراش قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل اليهودية وإن كان …

اترك رد

Translate »