حتى لا يتحول الاتحاد إلى رابطة

بقلم: عبد الغني سلامة

جميعنا يدرك أهمية الكتابة في حياتنا العامة، بوصفها أحد أهم روافع الثقافة والبناء الإنساني في أي مجتمع، وفي الحالة الفلسطينية جميعنا يتذكر الدور الريادي والكبير الذي قامت به كوكبة جليلة من الكتّاب والأدباء في إعادة انبعاث الوطنية الفلسطينية من تحت ركام النكبة، وإعادة طرح القضية الفلسطينية بمضمون ومحتوى إنساني وسياسي وثوري بعد أن تهددها خطر الزوال.. وجميعنا يعرف ويثمِّن تضحياتهم ومواقفهم الشجاعة، الذين لولاهم (ولولا التضحيات الشعبية الغالية) لكنّا الآن جموعا غفيرة من طوابير اللاجئين، تنتظر فتات المساعدات، ولأصبحت قضيتنا الوطنية مجرد ملف متروك ومنسي.. كل تلك الأمور تدركها تماما الفئة التي استهدفها في هذا المقال.
أردتُ من هذه المقدمة السريعة التأكيد على أهمية وحيوية الدور الذي تضطلع به شريحة الكتاب والأدباء والمثقفين، ليس على المستوى الوطني والسياسي وحسب؛ بل وعلى صعيد بناء الإنسان والمجتمع، والتهيئة للمستقبل.. وهذا الدور تصدى له بأشكال إبداعية وخلاقة “اتحاد الأدباء والكتّاب الفلسطينيين” عبر تاريخه النضالي الحافل والمشرف.. وبالتالي، من المؤمل، أن يكون لهذا الاتحاد دور بالغ الأهمية في إصلاح واقعنا البائس، والنهوض بحالتنا المتعثرة، وبناء أسس أفضل لمستقبل يليق بشعبنا.
وهذا ما نراهن عليه، حتى الآن على الأقل.. فمع كل احترامنا وتقديرنا لكل فئات وشرائح شعبنا، إلا أن المجتمعات عادة تراهن على فئة المثقفين والمفكرين والأدباء، خاصة في حالات الهزائم والتراجع والأزمات، ليس لأن ضميرها أكثر يقظة وحساسية من غيرها، فالكل لديه ضمير وطني وإنساني حر، ولكن، لأنها الفئة التي تنشغل بالتفكير وإعمال العقل والبحث العلمي والإنتاج الأدبي والفني والثقافي، وتلك شروط أساسية لتجاوز أي أزمة، أو لبناء مستقبل.
ما حصل في قاعة الزهراء في مؤتمر المكتب الحركي للكتّاب والأدباء، دفعني (مثل كثيرين ممن حضروا المؤتمر) لإعادة النظر بهذا الرهان، الذي بدا لي في لحظة يأس أنه رهان خاسر.. ولا أقصد هنا الجو المشحون والتلاسن والعصبية والصراخ، فربما كانت تلك علامات صحية، تدل بشكلٍ ما على حرية التعبير، وعلى اختلاف وجهات النظر، وعلى جرأة في طرح المواقف.. ما يؤكد أن مؤتمرات “فتح” (والتي عادة ما يملؤها الصراخ والمناكفات) هي مؤتمرات شعبية بالمعنى البسيط والمباشر للكلمة، فيها أجواء ديمقراطية تسمح للكل أن يقول ما يريد، على عكس المؤتمرات الحزبية في الأنظمة الشمولية، التي يكون فيها متحدثون على المنصة، وجمهور مصفق على الكراسي، وقرارات جاهزة.
ما أثار حفيظتي (أكثر من الصراخ المفتعل) مسألتان: أن الخلاف كان على قضايا لا تستوجب كل هذا الانفعال والتشنج، مجموعة صغيرة كادت تفجّـر المؤتمر (سأفترض حسن النوايا)، هؤلاء كل منهم أراد أن يفصّل التعديلات المقترحة على النظام الداخلي (وهذه كانت من نقاط الخلاف الرئيسة) لتكون على مقاسه، لتحقق مصالحه الشخصية، أو ليقصي خصومه من خلالها.. أي أنَّ الاعتبارات الشخصية كانت هي المنطلق والمعيار.
والثانية: المعايير التي احتكم إليها أغلب المقترعين، كانت محيرة وغامضة، حيث طغت الاعتبارات المناطقية، والعلاقات الشخصية، والحسابات الصغيرة، بدلا من اعتبارات الكفاءة.. وهذا سلوك غير مقبول من مثقفين متنورين وأدباء يكتبون للناس شعرا ونثرا ورواية فيها كل الشفافية والرقة والإنسانية.. فإذا ما بدواخلهم شيء مختلف تماما.. طبعا هنا لا أشكك بكفاءة من فازوا بالتصويت، فتلك طبيعة لعبة الانتخابات.. لكن هناك كفاءات وقامات مهمة لم تحضر أساسا، ولم تشارك.. وهذه مسألة بحاجة لنقاش.
جمهرة من خيرة الأدباء والكتّاب والمثقفين الفلسطينيين مستنكفة عن الاتحاد، لا تشارك لا في النقاش الدائر حوله (إلا داخل الغرف المغلقة وبشكل مترفع وتطهري) ولا تحضر مؤتمراته، ولا يعنيها أمره.. أتفهم تماما دوافعهم، وأؤيد بعض وجهات نظرهم، فمنهم من اكتوى بتجارب سابقة، ومنهم من أصابه القنوط من إمكانية الإصلاح، ومنهم من يرفض تدخل الأجهزة الأمنية في تسيير الاتحاد، أو وصاية حركة فتح عليه، أو استئثار “الداخل” على الحصة الأكبر، وتحديدا الضفة الغربية.. وتلك وجهات نظر موضوعية، لكن إصلاحها لا يمكن أن يتم إلا من داخل الاتحاد، وعبر أطره.. وخلاف ذلك سيظل الاتحاد ماضيا في مسيرة التراجع.
أيضاً، مسألة معايير وشروط العضوية، وهذه بحاجة لإعادة النظر بها، فإذا كان الشرط تأليف ونشر كتابين أو أكثر، فقد تبين أن بوسع أي شخص القيام بذلك بقليل من الجهد والقدرة المالية (ودور النشر والمطابع تساهم في تعميق هذه الأزمة)، أعتقد أنه من الضروري تدقيق محتوى ومضمون وجودة المنتج قبل إقراره والموافقة عليه (وهنا ثمة مخاوف مشروعة من طغيان المزاجية والنظرة الأحادية على معايير الجودة، ومن يحددها).. مع الإقرار بوجود كتّاب جيدين وواعدين ليس بوسعهم طباعة كتبهم على نفقتهم الخاصة، وأيضا لدينا كتّاب متميزون ينشرون على مواقع مختلفة (مقالات وأبحاث ودراسات وأدب بأنواعه)، وهؤلاء ليسوا أقل من غيرهم، خاصة ممن طبعوا كتبا يتيمة، وتوقف إنتاجهم منذ سنين طويلة.
حتى يتمكن الاتحاد من النهوض مرة ثانية، عليه أولا إجراء عصف ذهني يطال مسيرته بكل ما اعتراها من نكوص وعثرات، برؤية نقدية شجاعة وأمينة، يشترك فيه الجميع.. وثانيا: يخصص للمؤتمر العام ثلاثة أيام، يكرس اليومان الأولان للنقاش وطرح المواضيع ذات الصلة، واليوم الأخير للانتخابات. وثالثا: تمكين الاتحاد أن ينأى بنفسه عن التجاذبات السياسية والحزبية، والكوتات الفصائلية، وأن تكون الانتخابات الحرة والنزيهة هي الفيصل والحكم، وهذا يتطلب جهداً مضاعفاً وأميناً لتكوين القوائم دون محاصصة مناطقية وحزبية وشخصية، وترشيح الأفضل والأكفأ. ورابعا (وربما الأهم): أن تكتفي مفوضية المنظمات الشعبية بدور الإشراف العام، وتسيير الأمور الشكلية والإجرائية، وتذليل العقبات اللوجستية، وأن تتوقف محاولات الأجهزة الأمنية لفرض وصايتها وهيمنتها أو إثبات حضورها في جسم ومؤسسات الاتحاد، فآخر شيء يحتاجه الكاتب الحر والمثقف الوطني هو وصاية جهة أمنية على ما يكتب وعلى ما يفكر.
الكتابة فعل إبداعي حر، يشترط سقفا للحرية حدودها السماء، وكذلك العمل النقابي، خاصة اتحاد الكتاب والأدباء، فلا يمكن له أن ينجح وأن يكون فاعلا مؤثرا في المسيرة الوطنية والكفاحية في ظل الوصاية الأمنية.. فهل يقبل جمهور الكتّاب والمثقفين أن يكون اختيار الأمين العام من صلاحيات اللجنة المركزية لفتح؟ فما فائدة وضرورة المؤتمرات والانتخابات إذاً؟؟
هل تعلم أجهزتنا الأمنية لماذا فشل اتحاد الكتاب في الأردن، وتحول إلى رابطة؟

شاهد أيضاً

ملاحظات على مقال الأزمة

بقلم: عمر حلمي الغول نشر الزميل المتوكل طه في موقع “معا” مقالا بعنوان “أزمة اليسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *