دروس وعبر حرب اكتوبر 1973

بقلم: باسم برهوم

بعد مضي 46 عاما على حرب تشرين الأول/ اكتوبر لم نسمع او نقرأ ان العرب قد أجروا نقاشا وتقييما موضوعيا بعيداً عن المناكفات والخلافات بوجهات النظر فيما بينهم حول هذه الحرب. والاحداث عادة ما تقيم في سياقها التاريخي وبالظروف الموضوعية والذاتية المصاحبة لها.
لكوني لست خبيرا عسكريا او استراتيجيا، فإنني سأكتفي بالنظر الى هذه الحرب في سياق الصراع العربي الاسرائيلي، وهي بذلك جاءت بمثابة الرد العربي على هزيمة حزيران/ يونيو 1967. اما عن سياقها الدولي، فهي جاءت في ذروة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، ولكن هذا الواقع الذي كان يتحكم به ميزان قوى الرعب النووي بين الطرفين والذي كثيرا ما كان يجعل سقف اي حرب محكومة بفكرة عدم الانزلاق بها الى مواجهة مباشرة بين الجبارين النوويين.
المسألة الاخرى التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار ان الولايات المتحدة كانت وما زالت تقف حائلا دون إلحاق هزيمة ساحقة او ملموسة بإسرائيل مهما كلف الأمر، فإسرائيل في نظر العالم هي خط احمر اميركي ثابت يمنع المس به جوهريا، والعالم يتعامل ويلتزم بهذا الامر كما وكأنه مسلمة، ولعل الازمة السورية الحالية قد اظهرت بوضوح تعامل الجميع دوليا واقليميا مع هذه الحقيقة غير القابلة للمس.
في حينها كان التسليح السوفياتي لمصر يمنح هذه الاخيرة فرصة تحقيق انجاز عسكري ولكنه انجاز محدود بالمدى والعمق والأهداف ولا يشكل استخدامه هزيمة ملموسة لإسرائيل، فالسوفيات كانوا يدركون حدود لعبتهم مع واشنطن بما يتعلق بإسرائيل، فالحرب بهذا المعنى العسكري كانت مضبوطة الحدود والمدى الذي يمكن ان تذهب اليه.
وبعيدا عن هذا السياق الموضوعي فإن الحرب تعتبر نصرا عسكريا عربيا وذلك باعتراف اسرائيل ذاتها التي شكلت لجنة غرثانات الخاصة لمعرفة اسباب التقصير ومن المسؤول عنه. اما الدرس الاهم، من وجهة نظري، ان هذا الانجاز جاء في سياق تضامن عربي جدي اثبت كم هو فاعل ومؤثر عندما يتحقق، وذلك عندما نسقت مصر وسوريا خطواتهما في هذه الحرب، ودعم العرب السياسي لهما والذي تجسد في حينه، باستخدام الراحل الملك فيصل ملك العربية السعودية لسلاح النفط والذي كان يستخدم للمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
في مقابل هذا الانجاز الذي حققه التضامن العربي، فإن ما تلا الحرب من عودة للانقسام والتشرذم، أفقد هذا النصر العسكري الكبير قيمته السياسية، عندما وافق العرب على مبدأ وزير الخارجية الأميركي، آنذاك، هنري كيسنجر بتجزئة الحل السياسي وجعله على مراحل وعلى كل جبهة على حدة.
اريد ان اذكر التحضير لهذه الحرب بدا عمليا بقرار من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي رفض الرضوخ لمنطق الهزيمة او التفاوض مع اسرائيل من موقع الضعف، وهو ما سعى الى تحقيقه مع القيادة السوفياتية، في حينه، لإعادة بناء الجيش المصري وتسليحه بأحدث الاسلحة ليكون جاهزا لتغيير المعادلة وتعديل ميزان القوى. كما لا بد من الاشارة الى ان قرار الحرب قد اتخذه الرئيس السادات وحقق بمهارة المفاجأة الكبرى لإسرائيل، والتي سمحت بعبور قناة السويس.
والان، وبعد مضي ما يقارب النصف قرن، اين نحن من هذا الإنجاز الذي تحقق في ظل التضامن العربي والقرار والارادة العربية الموحدة، اين هو دور الامة العربية اليوم في الصراع العربي الإسرائيلي..!!

شاهد أيضاً

ملاحظات على مقال الأزمة

بقلم: عمر حلمي الغول نشر الزميل المتوكل طه في موقع “معا” مقالا بعنوان “أزمة اليسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *