المتاجرة بفلسطين

بقلم: عبد الغني سلامة

كان منظرو «حزب البعث» يروجون لنظامهم بوصفه صاحب مشروع تحرير فلسطين، وأنَّ فلسطين هي قضيتهم المركزية، وأنها في صلب اهتمامهم وعلى رأس أولوياتهم.. وعندما انطلقت الانتفاضة الأولى (1987)، وبدأت صور المنتفضين تظهر على الشاشات، وكنت حينها طالباً في العراق، تفاجأتُ بمفاجأة بعض الزملاء العراقيين بأن فلسطين فيها فلسطينيون! فقد كانوا يظنون أن جُلَّ الفلسطينيين غادروا أرضهم إبان النكبة.
وعندما اجتاح الجيش العراقي الكويت (1990)، رفع أنصار النظام حينها شعار «طريق فلسطين تمر من الكويت».. ولزيادة التأييد الشعبي أضاف الرئيس الراحل عبارة «ألله أكبر» للعلم العراقي.. فتلك هي «الوصفة السحرية»، التي تجمع من حولها ملايين العرب والمسلمين.. أي الجمع بين شعار المقاومة، وشعارات الإسلام.
قبل صدام وبعده، استخدمت جماعات الإسلام السياسي في حملاتها الانتخابية الشعارات الشعبوية، مثل «الإسلام هو الحل»، وتمكنت بقوة هذا الشعار من حصد أصوات وتأييد أغلبية المقترعين.. وقبل صدام وبعده، استخدمت الجماعات المسلحة (إسلامية وقومية ويسارية وعلمانية) شعار «المقاومة»؛ وتحت هذا الشعار مارست بعض تلك القوى العنف بحق كل من يخالفها، وعملت على إقصاء خصومها، وتكفير من لا يدين لها بالولاء، وتحت هذا الشعار أدخلت بلدانها في دياجير الظلمة، وحطمت بناها التحتية، ودمرت مواردها، وقضت على آفاق تطورها (كما حصل في غزة والعراق وسورية ولبنان).
وأصبح الجمع بين شعارات «الإسلام» و»فلسطين» مجرد يافطة بلا مضمون، وسيفا مصلتاً على رقاب العباد، وورقة مساومة للخصوم السياسيين، لتحقيق مكاسب فئوية، أو لفرض شروط معينة لقضايا داخلية لا علاقة لها بالإسلام ولا بفلسطين، وصار كل مسؤول سياسي يريد أن يغطّي على فشله ما عليه إلا أن يُدخل كلمة «مقاومة» بين كل جملتين، أو أن يصيح بهتاف «الله أكبر».. ليصبح بطلاً.
المشكلة هي أن تلك الأنظمة والتنظيمات رفعت شعارات المقاومة والتحرير ودعم فلسطين.. وهي في حقيقة الأمر لم تفعل سوى ما كان يلبي مصالحها الخاصة، واستخدمت «قضية فلسطين» حجة لقمع المعارضين وإسكات المواطنين.. أو إنها حاولت خلق فصائل فلسطينية موالية لها، لإيجاد موطئ قدم لها في خريطة الصراع، والاستفادة مزايا المتاجرة بالقضية، أو للهيمنة على القرار الوطني والتمثيل الفلسطيني.. وفي النتيجة، لم يحصل الفلسطينيون على شيء، سوى نقمة الشعوب عليهم، وتحميلهم مسؤولية ما جرى لهم من بؤس، وما وصلوا إليه من شقاء.. فمثلا، ما أن انهار نظام صدام، حتى انقلب بعض العراقيين على الفلسطينيين المقيمين هناك، ونكلوا بهم.. وقبل نحو سنة، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في إيران، وانهارت العملة، فخرجت في طهران مظاهرات شعبية تشتم الفلسطينيين وتطالب بوقف دعمهم.. وهذا المشهد تكرر في أكثر من مكان وأكثر من دولة.. والجميع يعرف ويتذكر.
كان يمكن أن نكتفي بالقول بأن نظام صدام دعم الفلسطينيين، ووقف إلى جانب منظمة التحرير، وساندها.. وهو بالفعل كان كذلك، أما أن نزعم بأنه صاحب مشروع التحرير، في حين أن بعض الطلبة في جامعات عراقية لا يعرفون أنَّ في فلسطين فلسطينيين!!
الدولة السورية شكلت قلب محور المقاومة والممانعة، وظلت قلعة الصمود في وجه التطبيع ومشاريع التسوية.. وتلك تحسب لها، لكن النظام السوري، وتحت شعارات المقاومة كان أكثر نظام حارب الثورة الفلسطينية، وأمعن في الدم الفلسطيني (والسوري بالطبع)..
إيران، تركيا، قطر.. استخدمت شعارات المقاومة والتحرير، وتغطت بشعارات الإسلام السياسي، وسوقت نفسها باعتبارها الوكيل الحصري المدافع عن القضية الفلسطينية.. ثم تبعتها دول خليجية أخرى، وانغمس الكل في سوق المزاودة.. ولكن، صار واضحا، أن جل همها تحقيق أطماعها السياسية، على حساب الفلسطينيين، فتلك المنظومة الفاسدة هي التي خلقت وعمقت الانقسام الفلسطيني..
في الأردن، وهي الأقرب لفلسطين قلبا وقالبا، تفاجأتُ بأشخاص متعلمين، لا يعرفون أنّ غزة تحت سيطرة حماس! وآخرين لا يميزون بين المدن الفلسطينية، وأنا شبه متأكد بأن الصورة أكثر قتامة كلما ابتعدنا جغرافيا عن محيط فلسطين.. فمئات الملايين من العرب لا يعرفون عن القضية الفلسطينية سوى بعض عناوين الأخبار، وبصورة ضبابية مشوشة، متأثرين بما تبثه «الجزيرة».. فضلا عن جهل كبير بالشأن الإسرائيلي الداخلي، وقضايا الصراع.
هنا، لا ألوم المواطن العربي العادي (فحتى في أوساط الفلسطينيين أنفسهم، هنالك حالة من الجهل).. اللوم بالدرجة الأولى على الأنظمة (خاصة التي تدعي المقاومة والممانعة)، وعلى التنظيمات والأحزاب والنخب، والإعلام، والمناهج التعليمية.. الأنظمة العربية أوصلت مواطنيها إلى حالة من اليأس، وجعلت كل همهم الركض المحموم وراء لقمة العيش، تلك الأنظمة مارست الفساد والقمع والتخريب الممنهج، حتى صارت قضية فلسطين آخر ما يفكر به المواطن العربي، وإذا فكر، فليس بيديه شيء سوى الأمنيات الطيبة، والتضامن العاطفي.. وهو تضامن حقيقي، لا أشكك بصدقيته.
قضية فلسطين تبقى حية في الوجدان الشعبي، لكنها لا يمكن أن تكون أهم من مستقبل شاب عاطل عن العمل في بيروت، ولا أهم بالنسبة لأب مصري يعجز عن علاج ابنته المريضة، وليست أهم لفتاة يمانية غيبت الحرب خطيبها، وليست أولوية بالنسبة لأسرة بغدادية تعيش في كراج دون باب، ولا شبابيك تحميهم من البرد والحر، وليست أهم لطفل سوري شردت الحرب أهله، وهدمت مدرسته.. ليست أهم للشعوب من مواجهة فساد حكوماتهم التي أنزلتهم تحت خط الفقر، وسلبتهم كرامتهم.
قد لا تستطيع الدول العربية ولا إيران ولا تركيا، ولا غيرها، ولا شعوبها خوض حرب التحرير، في المدى المنظور على الأقل، ولكن، لتتوقف عن المتاجرة بقضية فلسطين.. قبل ذلك، وقبل حتى أن تدرج فلسطين في المناهج المدرسية والحزبية، وقبل فهم أبجديات الصراع، ومقتضياته، وفهم العدو.. قبل كل شيء، عليها أن تعيد للمواطن العربي كرامته، وحريته.. وأن توفر له الخبز والدواء، وفرص العمل، والكهرباء.. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بشرط واحد: تطهير الدولة من الفساد.
فلسطين بحاجة للشعوب العربية، وهذا ليس خيارا ترفيا، بل هو الخيار الوحيد، لكن الشعوب المريضة، والمنهكة، والمنهوبة، والذليلة، والمضحوك عليها، والمغلوب على أمرها لا تستطيع فعل شيء.. سوى أن تظل تحوم في دوامة الفقر والجهل.. لذلك، على الشعوب العربية أن تحرر بلدانها من الفاسدين أولا.. أي أن تكف عن تصديقهم، وإعادة إنتاجهم، مرة بقوة الطائفة، أو القبيلة، ومرة باسم الانتخابات.. وهذا يعني القضاء على منظومة الجهل والخرافات.. وتلك فرصتنا الوحيدة لتحرير فلسطين.

شاهد أيضاً

نتنياهو بين جنون الحكم وخيار نيرون

بقلم: د. ناصر اسماعيل اليافاوي ثمة معطيات سياسية أشعلت الضوء الأحمر لنتنياهو لتنذر بانهيار بقائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − سبعة عشر =