تـنظيمـات إسـلاميـة عـابـرة للحـدود – الحلقة الخامسة كتب حمادة فراعنة

مقدمة لا بد منها
كتابي السابع عشر هذا « التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود « يصدر في سياق تفاقم حالة الصراع في العالم العربي واحتدامه بشكل عبثي ودموي، بعد انفجار ثورة الربيع العربي التي توسلت البحث عن : 1- التحرر والاستقلال، وامتلاك زمام المبادرة وحرية اتخاذ القرار، 2- الطمأنينة ولقمة العيش الكريم متضمنة ثلاثة مطالب أساس يفتقدها المواطن العربي هي الراتب المناسب، التأمين الصحي، والضمان الاجتماعي عند التقاعد والوصول إلى الشيخوخة، و3- الديمقراطية والتعددية وتداول السلطة والاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع، ولذلك جاءت كتبي في سلسلة قضايا ثلاث رئيسة متداخلة، سلسلة الكتب الأردنية تحت عنوان : معاً من أجل أردن وطني ديمقراطي، وسلسلة الكتب الفلسطينية تحت عنوان : معاً من أجل فلسطين والقدس، وسلسلة الكتب العربية تحت عنوان : من أجل عالم عربي تعددي ديمقراطي موحد .
وكتابي السابع عشر هذا مرتبط بكتابين، سبق نشرهما، وهما: 1- حزب الإخوان المسلمين في الميزان، و2- الدور السياسي لحركة الإخوان المسلمين، في إطار تنظيمات وأحزاب التيار الإسلامي، تأكيداً لدورهم ومكانتهم وقيادتهم للحركة السياسية في العالم العربي، في غياب أحزاب التيار اليساري، وأحزاب التيار القومي، وأحزاب التيار الليبرالي، التي تضررت بفعل الحرب الباردة ونتائجها .
كما جاء كتابي هذا على خلفية كتابي الذي صدر العام 2013 عن ثورة الربيع العربي أدواتها وأهدافها، وحصيلتها أن الثورة ما كانت لتكون لولا توافر العامل الموضوعي المحفز للاحتجاجات والدافع لها والمتمثل بغياب الاستقلال السياسي والاقتصادي عن بعض البلدان العربية، وهيمنة اللون الواحد، والحزب الواحد، والعائلة الواحدة، والطائفة، والشخص الفرد المتحكم بمفرده في إدارة الدولة، في أكثر من بلد عربي، وأخيراً بسبب غياب العدالة والطمأنينة وعدم توافر الخدمات الأساس من صحة وتعليم وضمانات اجتماعية للمحتاجين .
أما العامل الذاتي في ثورة الربيع العربي، فقد اقتصر على مؤسسات المجتمع المدني بما تحمل من مفاهيم عصرية عن الديمقراطية والتعددية واحترام مشاركة المرأة في مؤسسات صنع القرار، وبما تملك هذه المؤسسات ( مؤسسات المجتمع المدني ) من علاقات مع مؤسسات أوروبية وأميركية توفر لها الحصانة والدعم المطلوبين، ولكن بسبب غياب دور الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية، فقد استثمرت أحزاب التيار الإسلامي حصيلة الربيع العربي ونتائجه كي تكون هي صاحبة القرار، سواء عبر تفاهمها مع الأميركيين، أو عبر حصولها على الأغلبية البرلمانية كما حصل في فلسطين والعراق ومصر وتونس والمغرب، أو لامتلاكها الخبرات القتالية على أثر دورها في أفغانستان، ورغبتها في التغيير الثوري الجوهري، فاحتكمت إلى وسائل العنف واستعمال السلاح لمواجهة الاحتلال الأميركي للعراق، او لإسقاط النظم القائمة في ليبيا وسوريا واليمن، وحصيلة ذلك إخفاق ثورة الربيع العربي للآن، رغم توافر العامل الموضوعي ونضوجه لقيام الثورة، تغييراً للواقع، نحو الأفضل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولكن الإخفاق الفاقع يعود لعدم نضوج العامل الذاتي، وكثرة نواقصه، وعدم اكتماله، بصفته أداة الثورة ومحركها، وطالما أن العامل الذاتي كان ناقصاً، ولم تكتمل حلقات نضوجه، فقد انعكس ذلك على ضعف أدائه وعلى نتيجة أفعاله، فغياب أحزاب التيارات الثلاثة اليسارية والقومية والليبرالية وضعفها، جعل الوضع متروكاً لقوة ونفوذ أحزاب التيار الإسلامي، التي لا تؤمن لا بالتعددية ولا بالديمقراطية، ولا تملك البرامج الاقتصادية والاجتماعية الكافية، لجعلها أداة في يد عامة الناس، وهدفاً لها كي تلتحم مع الثورة وتلتف حولها، فانطبق على المواطن العربي المثل القائل أنه مثل الشخص الذي هرب من الدلف فوقع تحت المزراب، وغدت الأنظمة السابقة بعجرها وبجرها، هي أفضل حالاً مما وقع لاحقاً، من هيمنة ونفوذ وتأثير الأحزاب الإسلامية، وقيادتها للعمل السياسي وللتغيير الثوري، مسنودة بعواصم إقليمية، فحاضنة الإخوان المسلمين تركيا وقطر، وحاضنة ولاية الفقيه الدولة الإيرانية؛ ما خلق حالة من الصراع الإقليمي والدولي المباشر في منطقتنا، وعلى أرضنا، وعلى حساب دماء شعبنا وثرواته .
إذن هذا الكتاب، ليس فلسفة معرفية، بل هو إضافة سياسية تراكمية، لوضع ثورة الربيع العربي في سياقها من أجل إنتصار الديمقراطية في العالم العربي، وتحقيق الطمأنينة بلقمة العيش الكريم بالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، وتحرير فلسطين
هذا الكتاب يسلط الضوء على التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود، أي أنه يستهدف القوى الإسلامية الأساس القيّا تأثيراً ومكانة في العالم العربي، ولا يستهدف تنظيمات إسلامية محلية في هذا البلد العربي أو ذاك، بصرف النظر عن قوتها أو ضعفها، بل هو يستهدف التنظيمات الإسلامية الخمسة العابرة للحدود، والتي تعمل في السياسة، ولها تأثير على صنع القرار، أو على صنع الأحداث الجارية :
1- حركة الإخوان المسلمين . 2- ولاية الفقيه الإيرانية . 3- تنظيم القاعدة . 4- تنظيم الدولة الإسلامية داعش . 5- حزب التحرير الإسلامي.لذا أرجو أن يقدم شيئاً جديداً، للقارئ، وللمكتبة العربية، وأن ينال الاهتمام كما يستحق، وفق الجهد الذي بذل وتحقق.

حمادة فراعنة *

حزب التحرير الاسلامي

في أعقاب نكبة الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 ، واحتلال ثلثي جغرافية وطنه ، من جانب المشروع الاستعماري الصهيوني ، وطرد نصفه الى خارج وطنه فلسطين ، وقيام اسرائيل على أنقاضه ، سعت القيادات الفلسطينية ، نحو العمل لحل معضلة شعبها ، وكانت وسائلهم الأرقى تتمثل بالبحث عن مصادر الوحدة والقوة ، وعن خلق روافع كبيرة لمواجهة قوة الحركة الصهيونية وتحالفاتها ونفوذها الدولي . فاتجه بعضهم نحو القومية العربية ، ووجد في الوحدة العربية ملاذاً ، فشكلوا حركة القوميين العرب ، بقيادة جورج حبش ووديع حداد ، وانخرطوا في حزب البعث العربي الاشتراكي ، واندمجوا مع الناصرية وراهنوا عليها .

ووجد البعض الأخر في الاشتراكية الصاعدة لدى حركات الشعوب ضالته ووسيلة نضاله ، بعد سلسلة انتصاراتها ، بدءاً من صمود الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية ، كأول بلد اشتراكي في التاريخ ، أصبح من الدول المنتصرة ، ودولة عظمى الى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ، وتحولت الاشتراكية من البلد الواحد ، الى منظومة عالمية بولادة الصين والمعسكر الاشتراكي في شرق أوروبا ، ووجد هذا البعض الفلسطيني ، سواء من كان في الوطن داخل 48 ، أو في قطاع غزة ، أو في الضفة الفلسطينية ، أو حتى في المنافي ، أن هذا هو الطريق ، طريق الاشتراكية واليسار ، وبناء الحزب الشيوعي الذي يحظى بدعم معسكر دولي قوي يرعى نضالات الشعوب وحركاتها السياسية ويساندها لنيل الحرية والاستقلال .
اما البعض الثالث فقد وجد أن الحل يكمن في الاسلام المجرب ، بتاريخه العريق وفتوحاته العظيمة ، من الصين حتى الأندلس ، مثلما وجد في الرؤية الاسلامية ، أنها توفر ملاذاً نفسياً وقوة معنوية ، وسلوكاً أخلاقياً رفيعاً ، واضافة مادية ، عبر حركة الاخوان المسلمين ، التي افتتحت فرعاً لها في القدس في شهر تشرين أول 1945 ، بعد زيارة عمل لوفد مصري برئاسة سعيد رمضان الى حيفا .

وكان الشيخ تقي الدين النبهاني الذي ولد في قرية اجزم قرب حيفا عام 1909 ، أحد الشخصيات الفلسطينية ، التي نالت فرصة التعليم في الأزهر الشريف في القاهرة ، وتعرض مع سائر أبناء شعبه الى التهجير واللجوء ، الى خارج وطنه فلسطين ، فعاش حياة شعبه ، وتوقف مثله مثل سائر القيادات الفلسطينية أمام أسباب المأساة والنكبة الفلسطينية ، وعوامل انحسار مكانة العرب والمسلمين وتخلفهم ، واستعمار بلادهم من جانب البلدان الغربية ، مثلما توقف أمام البحث عن فرص الخلاص ، ووجد أن العالم أصبح مقسوماً ، بين جناحين ومعسكرين : معسكر الرأسمالية ، ومعسكر الاشتراكية .

وجد النبهاني ضرورة اعادة بناء الاسلام والمعسكر الاسلامي بينهما ، ولكنه لم يجد في حركة الاخوان المسلمين ملاذه ، فقرر وكتب والتقى مع شخصيات لديها حلم وتوق وأمل ، وشكل معها حزب التحرير الاسلامي ، وكان ذلك عام 1952حينما تقدم هو وعدد من المؤسسين وأغلبيتهم من الفلسطينيين ، الذين تشردوا وعانوا من ويلات النكبة ، بطلب للحكومة الأردنية ، بتأسيس الحزب في عمان والقدس في شهر تشرين ثاني 1952 ، ولكن طلب تأسيس الحزب ، تم رفضه من وزير الداخلية ، لأن برنامج الحزب يتعارض مع الدستور الأردني ويخالف مواده ، وكان ذلك في أذار 1953 ، مما دفع الشيخ النبهاني ليواصل طريقه ، باتجاهين :

الأول ، تأليف الكتب لخلق حالة من الوعي والثقافة وترسيخ رؤية اسلامية من خلال رؤية الحزب ، فأصدر عشرات الكتب ومنها النظام الاقتصادي في الاسلام ، ونظام الحكم في الاسلام ، والنظام الاجتماعي في الاسلام ، والدولة الاسلامية ، وأسس النهضة ، والشخصية الاسلامية ، اضافة الى كتب تستهدف بناء الحزب مثل التكتل الحزبي ، ونقطة الانطلاق ، ولذلك يمكن القول أن حزب التحرير من أغنى الأحزاب السياسية تأليفاً واصداراً للكتب والمنشورات ، وبهدف واضح ، وهو اغناء المكتبة العربية والشارع العربي ، بالمنشورات ، كي يجد القاريء المتلهف والدارس والعضو الحزبي ، اجابات شافية على أسئلته من وجهة نظر الحزب وقياداته .

أما الاتجاه الثاني الذي سار عليه الحزب فهو : تشكيل الخلايا السرية ونشرها ، وتأكيداً لذلك وكدلالة على قوة الحزب وتعاطف الجمهور معه ، نجح مرشح الحزب أحمد الداعور في دورتي الانتخابات النيابية الأردنية عام 1954 ، وعام 1956 .
وقد وصف الحزب نفسه في أدبياته ، على أنه «حزب سياسي عقيدته الاسلام ، والسياسة عمله ، ويعمل بين الأمة ومعها ، لتتخذ من الاسلام قضية ، يقودها نحو الخلافة والحكم بما أنزل الله» . وللدلالة على خلافه مع حركة الاخوان المسلمين الاصلاحية التي تتوسل العمل الأخلاقي والخيري واصلاح الأمة عبر اصلاح الفرد والجماعة ، وصف الحزب نفسه على أنه «تكتل سياسي ، وليس تكتلاً روحياً أو عملياً أو تعليمياً أو خيرياً ، وأن الفكرة الاسلامية هي الروح لجسمه ، وهي نواته وسر حياته» كما نص في احدى منشورات الحزب الصادرة عام 1985 « .

ويرى الحزب أن الأمة يجب أن لا تنشغل بالقضايا الثانوية مثل الاشتغال بالانتخابات أو النقابات أو النشاطات الجماهيرية لأنها تقوم على أسس غير اسلامية ، من حيث الدستور والقوانين التي يحكمها ، وأغلبها مظاهر رأسمالية ديمقراطية ، أقامها الاستعمار ونشرها لتطبيق نظامه الرأسمالي في الاقتصاد ، والديمقراطية في الحكم والادارة والقضاء ، ولذلك فهو يرى أن البديل يكمن في الاجراءات والسياسات الاسلامية ، ولا يتم ذلك الا عبر مسعاه ، نحو اقامة الدولة الاسلامية ، واقامة الخلافة من خلال امتلاك القوة الظهيرة أو المساندة أو النصيرة والحصول عليها من قبل الجيش ، وسيطرته على السلطة ، أو القيام بالانقلاب على السلطة الحاكمة ، واستلام الحزب للسلطة ، واقامة الدولة والخلافة على أنقاض النظام السابق ، وعودة الحياة الاسلامية التي انقطعت بسقوط الدولة والخلافة العثمانية ، وضرورة عودتها ، لتنفيذ أحكام الشرع في المجتمع الذي تحكمه ، وحمل الدعوة الاسلامية للعالم أجمع .

ولادة داعش وقوتها

في حزيران 2011 ، وبعد ثلاثة أشهر من انفجار الأحداث في سوريا ، بث أيمن الظواهري أمير حركة القاعدة ومرشدها العام ، رسالة دعا فيها للجهاد في سوريا ، وخوض معركة التحرر من الطواغيت ، وتحرير ديار المسلمين ، وحذر من قوى الاستكبار العالمي وعلى رأسهم أميركا .
وفي 11 كانون الثاني 2012 ، وضعت الولايات المتحدة ، «جبهة النصرة» على قائمة الارهاب ، واعتبرتها امتداداً لتنظيم القاعدة في العراق «دولة العراق الاسلامية – داع» ، ووضعت قائدها في العراق أبو بكر البغدادي على لائحة الارهاب ، ورأت أن الجولاني قائد جبهة النصرة في سوريا ينفذ تعليماته ، وتم ذلك بعد نجاح جبهة النصرة في تنفيذ تفجير انتحاري يوم 6 كانون الثاني ، في أحد ميادين دمشق ووقوع ضحايا عديدة بسبب ذلك الانفجار .

وفي 8 نيسان 2013 أصدر الظواهري خطاباً حذر فيه من المؤامرات على الثورة في سوريا ، وحث المجاهدين على الوحدة ، ونبذ الفرقة ، وتجنب الخلافات ، وتجاوب معه البغدادي يوم 9 نيسان 2013 ، بتسجيل صوتي ، أعلن خلاله اتحاد دولة العراق الاسلامية «داع» مع جبهة النصرة تحت اسم «دولة العراق والشام الاسلامية» . ومن هنا ظهر اسم «داعش» اختصاراً لاسم الدولة المعلنة ، وتوحيد راتيهما تحت «راية الخلافة» ، وقال «لقد آن الأوان لنعلن أمام أهل الشام والعالم بأسره ، أن جبهة النصرة ما هي الا امتداداً لدولة العراق الاسلامية ، وجزءا منها» .

ولكن أبو محمد الجولاني لم يتأخر في الرد على البغدادي ، وألقى يوم 10 نيسان 2013 خطبة مصورة ، أنكر فيها علمه بعملية التوحيد مع دولة العراق الاسلامية – داع ، وأنه علم بالأمر من وسائل الاعلام ، وانه لم يُستشر بها ، واعلن البيعة للظواهري وليس للبغدادي ، وقال أن جبهة النصرة باقية على حالها مع رايتها ، وبهذا يكون خطاب الجولاني قد رفض فكرة البغدادي بالاندماج أو بالوحدة ، وعلى الرغم مما يكنه له من ود واحترام ، وأدى ذلك الى اشتداد الملاسنات والمعارك الكلامية بينهما ، فأصدر الظواهري قراراً يوم 9 حزيران 2013 ، بحل دولة العراق والشام الاسلامية مع دعوته لبقاء جبهة النصرة على حالها ، ودولة العراق الاسلامية على حالها ، لأن اعلان الوحدة تم من قبل البغدادي بدون استشارته ، وأن جبهة النصرة رفضت ذلك ، وبدون استشارتها أيضاً .

ورد البغدادي برفض قرار الظواهري يوم 15 حزيران 2013 ، بقوله:

الدولة الاسلامية في العراق والشام باقية مادام فينا عرق ينبض أو عين تطرف ، ولن نساوم عليها حتى يظهرها الله تعالى أو نهلك دونها ، فالأيام ما تلبث أن تنجلي عن بصر ثاقب في الرؤية على المدى البعيد ، بعد أن عجزت أبصار القاعدين ، وأصحاب الأهواء والمتخاذلين عن ادراكها ، فيعود المُنكر ان لم يكن مُتعالياً مُقراً ، ويعود المُعترض مُوافقاً ، والذامُ مُباركاً» .
وفي 21 تموز 2013 ، ظهر أبو محمد الجولاني في كلمة مسجلة استعرض فيها التاريخ لينتهي الى القول ان كل الأمم تعادي الاسلام :

الأمم كلها تخاف عودة الاسلام اليوم ، ولذلك تضع «الجبهة» على قائمة الارهاب بتهمة أنها تريد تطبيق الشريعة ، ونحن نريد فعلا تطبيقها ، ففي الاسلام لا يوجد انتخابات ديمقراطية ولا أحزاب برلمانية ، بل الشورى والعدل والجهاد ، اننا لا نكترث لأمريكا والغرب ، ونقول لهم ان أي محاولة لضرب الاسلام سيعود أقوى مما كان .

وهاجم الجولاني حزب الله ثم انتقل لمهاجمة الشيعة ، واعتبر أن مشروعهم الفارسي انما وُجد لابادة السنّة ، وأن المشروع الذي لقي نجاحاً في السنوات الأخيرة هو الى أفول ، وتطرّق للأحداث في لبنان ، وذكر التفجير الأخير في الضاحية الجنوبية وأخلى مسؤوليته عنه ، ولكنه اعتبره ردّ فعل طبيعي ، ودعا من يدّعون التشيّع الى التخلي عن حزب الله ، والا سيتعرضون للأهوال ، ودعا اللبنانيين الى تغيير واقعهم والتخلص من حزب الله .

وتحدث الجولاني عن سورية وقال اننا في تقدّم ولا يغرّنّكم ما حدث في القصير ، فقد طبق النظام قاعدة عسكرية بحشدِ أقوى ما عنده ضد أضعف ما عندنا حرصاً على تحقيق نصر يرفع معنويات جنوده ، وقُصفت معظم الأفرع الأمنية في دمشق وحُرّرت الكثير من الحواجز والمدن والأرياف ، واقتصاد النظام في تراجع ، ولولا مساعدات ايران والعراق لما بقي على قدرته في ادارة البلد ، وخسر النظام السدود ومحطات الطاقة وآبار النفط ، والتي نحافظ عليها بانتظار تشكيل هيئة شرعية لتُشرف على بيع النفط وتوزيعه بعدل على الأمة ، وننفي شائعات بيعنا أي نفط للنظام.

وقال زعيم النصرة ان استعانة النظام بميليشيات خارجية دليل سقوطه سياسياً أمام الدول الأخرى ، وهناك قوى دولية تسعى للتوازن بين القوى على أرض الشام حتى انتخابات 2014 لتستبدل طاغية بآخر والحفاظ على مضمون النظام ومؤسّستَي الأمن والعسكر ، اللتين تحافظان على جوار اليهود ، ودعا المجاهدين للتوحد على اقامة الشريعة وعدم التفرق والاختلاف والاستئثار بالحكم بحجّة التقديم والتضحية ، بل كل الشام عانى وضحى ، ولم ينس المغتربين في ذلك ، وهم الذين ضحَّوا كثيرا أيضاً بما يقدرون ، والمجتمع كان يرزح تحت وطأة نظام فاسد أفسد دينهم لأربعة عقود ، ولكن هذا المجتمع ذو نية طيبة ليستقبل الدعوات السنية الشرعية دون شدّة أو تشنّج .

وختم الجولاني قائلاً : نبرأ من أي عمل يحاسب الناس بعيداً عن الهيئات الشرعية المعتبرة ، و’الجبهة‘ غير مسؤولة عن هذه الأعمال ، فالبعض يحمل رايتنا بقصد التعاطف والبعض بقصد الاساءة ، وان أساء أحد منا للناس فسنكون أول من سيحاسبه ونقدمه للهيئة ، ولتُحلّ كل الخلافات رعاية للساحة من أن تُهدّد بخطر النزاع ، وأن تحلّ أمام محكمة شرعية يقبل الجميع بحكمها ، وعرَض مساعدة ’الجبهة‘ في حلّ أي خلاف ، ودعا علماء أهل السنة لأن يكونوا بين ظهراني المجاهدين في الشام» .
هذا التطور أدى الى ترسيخ وولادة تنظيمين وفصيلين متنافسين بل متناحرين ، كل منهما يدعي الولاء ، وانه الأقرب والأصوب الى الجهاد والى الشرع والى الاسلام ، وقد أدى التنافس المحموم بينهما الى تصادمات دموية في الميدان وعلى الأرض ، وان كانت الكفة الراجحة بينهما تمت لصالح تنظيم الدولة الاسلامية داعش ، لأكثر من سبب :

أولاً : شكل السنة في العراق على وجه الخصوص ، حاضنة للثورة وللجهاد ، بسبب احساسهم بالظلم والاقصاء من قبل حكومة المالكي ، وبسبب حالة الاستئثار الطائفي التي مارستها حكومة المالكي لأنها كانت امتداداً لولاية الفقيه الايرانية ، متحالفة مع توجهات ايران نحو العراق ، ومنفذة لسياسات طهران الأمنية والمصلحية والعقائدية ، فأرسى ذلك حالة من الغبن لدى أهل السنة ، وأحزابهم وعشائرهم وشخصياتهم ، مما دفعهم الى بلورة جبهة معارضة لحكومة نوري المالكي وأجهزته ومؤسساته ، وتكونت تلك الجبهة أساساً من حزب البعث بقيادة أمينه العام عزة الدوري ، وضباط الجيش العراقي المنحل ، وقادة العشائر السنية ، اضافة الى تنظيمي داعش والقاعدة ، وقد وفر ذلك حشداً كبيراً من المعارضة السياسية والعسكرية مدعومة بحاضنة جماهيرية واسعة في المحافظات السنية غرب وشمال العراق ، بما فيها نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالا ، وفي حدوده مع الأردن وسوريا وكردستان العراق ، والتي أعلنت الثورة والتمرد والانتفاضة ضد حكومة المالكي في بغداد ، وأدى ذلك كله ، وبسبب اتساع حجم المعارضة وتنوعها الى سقوط مؤسسات حكومة المالكي ، وتقهقر الجيش العراقي وهزيمته بفرقه الخمس المنتشرة في المحافظات الأربعة .

ثانياً : وفرت هزيمة حكومة المالكي ومؤسساتها وجيشها ، لقوى المعارضة وفي طليعتها تنظيم داعش ثلاثة عوامل مهمة هي :

1- الحصول على أسلحة الجيش العراقي .
2- الاستيلاء على المال الوفير في فرع البنك المركزي العراقي في الموصل وأموال البنوك العراقية الأخرى ، قدرت باكثر من نصف مليار دولار اميركي .
3- تجنيد قطاع واسع من العراقيين الذين يفتقدون للعمل والغطاء المالي والسلاح ، حيث وفرته داعش لهم بعد سيطرتها على أموال الحكومة وأسلحة الجيش .

ثالثاً : بعد أن تهيأ لها القدرة المالية والتسليحية ، وامتلاكها لقيادات مبدئية وكوادر متمكنة وتجييش قطاع واسع من العراقيين الفقراء ، بدأت داعش عمليات تطهير وتصفية لكل من يخالفها بدءاً من البعثيين وضباط الجيش العراقي السابقين وقادة العشائر ، ليكون لها وحدها المكانة والقوة والاستئثار بالسلطة والتحكم برقاب العراقيين الذين هربوا من ظلم ولاية الفقيه ليقعوا فريسة تطرف داعش والقاعدة ، وهكذا باتت داعش هي القوة الأولى والعنوان الأبرز للسلطة مما دفع أبو بكر البغدادي لاعلان الخلافة وقيام الدولة الاسلامية .

ولذلك كله يمكن الاستخلاص أن نكبة فلسطين عام 1948 ، أنتجت حزب التحرير الاسلامي وعززت حركة الاخوان المسلمين ، وأن ثورة الأفغان ضد السوفيت أنتجت القاعدة ، بينما أنتجت ثورة الربيع العربي حركة داعش ، بانشقاقها عن تنظيم قاعدة الجهاد ، واقامتها لدولة الخلافة الاسلامية على أرض سوريا والعراق .

تـنظيمـات إسـلاميـة عـابـرة للحـدود – الحلقة الرابعة كتب حمادة فراعنة

شاهد أيضاً

“هيئة علماء الأزهر الشريف: القدس فلسطينية عربية إسلامية

أجمعت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف على أن قرارات الرئيس الأميركي بخصوص مدينة القدس باطلة، …

اترك رد

Translate »