ثقافة الاختزال كتب احمد دحبور

لعلي انتبهت منذ طفولتي، الى ان الخطاب العربي السائد يميل الى الاختزال، او تقليص الفكرة الى عبارة مكثفة تعبر عن واقع الحال، فنحن شعب لديه عميد الأداب، وامير للشعراء، ونجم للسينما، الى آخر هذه الالقاب التي تكتسب مع الزمن وقعاً ارهابياً، يعرقل امكانية الحوار مع المبدعين وتقويمهم موضوعياً.
وما زلت اذكر الرهبة التي كانت تعتريني وابناء جيلي، عندما كنا نمر بمسميات مثل عميد الادب، وامير الشعراء، ونجم الشاشة، الى اخر تلك الالقاب التي تختزل الاراء في المبدعين، وتضع بعضهم في مصاف الاساطير.
والواقع ان تلك التسميات بما تتضمنه من تقويمات، انما تصادر على الرأي الموضوعي، وتحكم على المتلقي بأن يعطي صوته غالباً للعميد او الامير او النجم .. الى آخر اساطير الاولين!! من غير ضرورة للقراءة الموضوعية التي تناسب واقع الحال.. بل ان هذه الالقاب، سرعان ما تدخل في نسيج ثقافة جائرة حتى ليصعب في احيان كثيرة فرز الحنطة من الزؤان.
من ذلك مثلاً انني منذ طفولتي اضيق ذرعاً بنجم سينمائي مكرس بوصفه ملك الشاشة حيناً ووحش السينما حيناً آخر، وامير الشباك على اقل تقدير.. ومع ذلك فهو كذلك!!
والتقويم، سلباً او ايجاباً، امر متروك لذائقة المتلقي وثقافته، او لتربيته الفنية ولكن مع ذلك يحدث احياناً ان يسطع نجم سينمائي او مسرحي بحيث يصعب اعطاء حكم موضوعي فيه امام تيار الثقافة السائدة.. فعلى سبيل المثال، هل يتجرأ واحد من المشاهدين على تفضيل شخصية سينمائية او مسرحية في معرض المفاضلة بين هذه الشخصية واحد النجوم المكرسين؟
ثم الم يحدث في احيان كثيرة اننا كنا نعطي اصواتنا الغضة لهذا النجم او ذاك حتى لو لم يسبق لنا ان شاهدناه، مكتفين بالشائعة والشهرة المجانية والذوق السائد؟
ولماذا نبتعد؟ الا نذكر اكفنا الصغيرة ونحن نلهبها بتصفيق حماسي، فور ظهور «البطل» على الشاشة، على امل ان يصرع الخصوم ويجندل الاعداء؟
ومع ذلك، علينا ان نعترف لسياسة الاختزال والاحكام المسبقة، بتوجيه اذهاننا ومشاعرنا الغضة الى صف هذا البطل او ذاك، ولنتذكر دور صالات السينما في تجنيد حماستنا البريئة لصالح هذا النجم او ذاك، وكثيراً ما عقدنا مقارنات بريئة بين هذه الشخصية السينمائية او تلك، مضيفين اليها من خيالاتنا البريئة المتأججة مشاهد ومواقف لم يتضمنها الفيلم الحقيقي، كأنما كانت السينما – واسمها العلمي: دار الخيالة – تنوب عنا في تحقيق البطولات المرجوة والقيام بالمغامرات المنشودة.
وكان الاختزال اكثر ما يكون مؤلماً عندما يظهر نجم سينمائي محبوب في دور لا نحبه او اننا نتوقع سواه، ومن المفارقات العالقة في الذهن، اننا كنا نتحمس لنجم قديم اسمه بوستر كراب، وكان هذا النجم مختصاً بتمثيل ادوار فلاش جوردن .. وذات يوم طريف احتد خلاف الاولاد حول البطل المفضل اهو فلاش جوردن ام طرزان؟ الى ان فوجئنا باحد العروض السينمائية يحتفي بشخصية طرزان – وهذا ممكن من حيث المبدأ فالاولاد متحمسون لبطلهم – ولكن ما لم نفهمه هو ان النجم الذي اخذ دور طرزان في ذلك، انما هو بوستر كراب شخصياً: والتبس الامر على الاولاد المتحمسين: هل البطولات التي يشاهدونها هي من صنيع طرزان ام فلاش؟ ذلك ان الممثل هو الممثل، وهو يختار الدور الذي يحب، فكيف نقبل ممثلاً لبطل منافس؟
وحتى تزداد الشاشة اقترابا من خيالاتنا الغضة المتحمسة، فقد كانت أكفنا الصغيرة تلتهب تصفيقا لدور طرزان مع ان من نراه على الشاشة يقوم بدور فلاش؟!
وكان علينا – حتى نخلص من هذا الالتباس – ان نعترف بحقيقة انفصال النجم عن الدور الذي يمثله، وان نضع في اعتبارنا ان السينما عالم اكثر تعقيدا وتركيبا من هذا الدور او ذاك، فالممثل ملك في عالم التمثيل، وله ان يتنقل بين الأدوار على اختلاف رسائلها وحوافزها ..
وان أنس لا أنسى – وانا أتحدث عن ذكريات الطفولة – يوما شاهدنا فيه الممثل بطل العالم في كمال الأجسام، ستيف ريغز، وهو يمثل دورا مفاجئا لأحد أبطال رعاة البقر .. يومها اهتزت الصورة الثابتة في الخيال الغض، وما دام هذا تمثيلا في تمثيل، فعلينا ان نتوقع من النجم السينمائي ان يمثل الأدوار التي يشاء .. وان يصبح «هرقل الجبار» المرتبطة صورته في أذهاننا بالنجم ستيف ريغز او النجم ريدج بارك، وقد تحول سينمائيا الى راعي بقر يمتشق المسدس ويجندل خصومه على الجانبين!!
لكن هذه الثقافة البصرية البدائية، يجب ان تجد لها مستقرا في الأذهان، ولم يتم ذلك الا بأن ينمو وعينا البريء، فندرك ان هرقل شخصية خيالية، ولهذا يمكن ان يقوم بتمثيلها أشخاص مختلفون .. وتلك بداية الانتباه الى ان الممثل المسكين ليس شريرا او قديسا، بل هو انسان يقوم بتمثيل الدور المطلوب منه ..
من المفارقات الساخرة، ان ممثلا من الدرجة الثانية قد اشتهر بأدوار الشر حتى اصبح نجما في اختصاصه، وذات يوم عرضت احدى دور السينما شريط مغامرات ولما لم يكن اسم ذلك الممثل مشهوراً، فقد اعتمدت الدار على ايراد أسماء الممثلين المعروفين، فماذا تفعل بذلك «النجم» مجهول الاسم؟ لقد عمدت صالة السينما لايراد اسماء من تعرف من الممثلين، مضيفة اليهم شخصية طريفة: الخائن الأصلع؟؟ وكانت السينما تقصد من ذلك تذكير المشاهدين بأن ذلك الممثل المعروف بأدوار الشر انما هو هذا المختص بالأذى والخيانة على مستوى الصورة السينمائية .. ومن المفارق اننا – نحن الأطفال – قد عرفنا من هو المقصود حتى اصبح «الخائن الاصلع» بمثابة اسم لذلك الممثل المسكين!!
ولك ان تقدر وتتخيل حجم البلبلة التي تعترينا اذا قام «الخائن الاصلع» بتمثيل دور لشخص مستقيم شجاع، فقد تسبب الاختزال الأليم بمسح ملامح الشخصية التي نفترض موضوعيا انها حمالة أوجه، فمن كان «خائنا أصلع» يمكن ان يكون في دور آخر بطلا مستقيما ..
نخلص من هذا الى ان الاختزال والتعميم والعشوائية في اطلاق الصفات، انما هي صفات مضللة او انها في احسن الحالات لا تفي بالمطلوب، واذكر لهذه المناسبة شريطا سينمائيا من بطولة أحد الممثلين المشهورين بأدوار الشر، الا انه في ذلك الشريط يأخذ دورا وديعا انسانيا .. وكان على الجمهور ان يقاوم ثقافة الاختزال التي تجرعها من الثقافة السائدة، والا فان الشريط يقع في منطقة ملتبسة بين الموقف المسبق والموقف المعطى الجديد ..
ولعل مجاهدة الممثل الناجح لنفسه، تقضي الحصول على الثقافة والاقناع معا، بحيث تتغير الصفات والمواقف والمواقع بين عمل فني وآخر، والا فسيظل الجمهور الساذج يعاني من خطأ شائع، كذلك اليوم الذي صرخت فيه فتاة ساذجة وهي أمام محمود المليجي، ظنا منها ان الرجل الطيب هو نفسه شرير السينما .. انها مسألة ثقافة وتدريب للمتفرج على التمييز بين الانسان بما هو مواطن صالح وبين أدوار الشر.

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »