العمل العام اكبرمن وظيفة، الرجوب نموذجاً كتب حسن سليم

كثيرون من يرغبون بالوظيفة العامة، لسببين, اولهما الامان الوظيفي، وثانيهما الراحة – هذا هو الانطباع للاسف- والمؤسف الاكبر هو الانطباع والممارسة لدى بعض المتموضعين في رأس السلم الوظيفي، حيث يضيف للانطباعين السلبيين عبارة ” وانا مالي “.
الوظيفة العامة في مؤسسات الدولة وعلى وجه الخصوص في فلسطين لا بد ان تكون مختلفة، لارتباطها بمشروع التحرر الوطني الذي لم يتم الانتهاء منه بعد، ولا يمكن ان تكون مقصورة على الساعة المحددة بختم الدخول والخروج من مقر الوظيفة. فهي بالاصل رسالة لا تحدد بساعات عمل، وليست فقط وظيفة مقابل اجر، اذا ما كنا نتحدث عن مؤسسات دولة يتم بناؤها في اطار مشروع التحررالوطني.
واسوق هنا مثال اللواء جبريل الرجوب، الذي خرج من دائرة العمل الامني وتوقع الكثيرون نهاية فرصته بالعمل العام كون ذلك اختصاصه، وليس من السهل ان ينجح في مجال غيره، فكانت له استراحة محارب ليدخل الى مجال غير متوقع، وايضا توقع له الكثيرون ايضا الفشل فيه، نظرا لشخصيه الرجوب الجدية، والانطباع الذي يوحي بقسوته، فدخل لعالم الرياضة رئيسا لاتحاد كرة القدم ثم رئيسا للجنة الاولمبية الفلسطينية.
اليوم لا يستطيع احد ان يفرق ان كان ما يقوم به عملا وطنيا داخليا، ام رياضيا مجردا، ام عملا سياسيا. فعلى المستوى الداخلي كانت عقيدته منذ البداية ان تكون الرياضة جسرا لانهاء ما يعانيه الوطن من انقسام، فتعامل مع الرياضة في الضفة وغزة وكأن شيئا لم يحدث، دون تمييز في الهوية او الانتماء السياسي، مراهنا ان يكون الرياضيون سفراء لوحدة الوطن.
وعلى صعيد الرياضة ذاتها، وعلى وجه الخصوص كرة القدم، اعاد الرجوب للرياضة هيبتها، ليجعل منها حلما يتمناه الكثير، لما فتحته من آفاق، ولما ادخل عليها من مأسسة ووفر لها من امكانيات دون تحميل موازنة الدولة ثقل همها.
فيما معركة جبريل الرجوب الكبرى كانت بفتح النار على اسرائيل وإشهار الكرت الاحمر في وجهها، ليتصرف معها وكأنه حكومة في وجه حكومة، مستعينا بالاسرة الدولية الرياضية، وبالمواثيق الدولية التي تحمي الرياضة والرياضيين، وبشحن الاتحادات الدولية ضدها، مطالبا بفرض عقوبات عليها, ليضع اسرائيل في الزاوية تضرب اخماسا بأسداس.
ومناسبة الحديث عن اللواء الرجوب كنموذج لمن يشغل الوظيفة العامة ويعتبرها حياته، ويستغل كل مناسبة، وامكانية للرقي بالمؤسسة التي يرأسها، ليجعل اسم فلسطين الشاغل للاسرة الدولية حتى في الوقت الذي كانت تخسر فيه مبارياتها، هو ما نشاهده من نماذج لمسؤولين في العمل العام لا يقرنون وظيفتهم بواجب البناء لمؤسسات الدولة في كافة المحافل، داخليا او خارجيا، ولا يأخذون بعين الاعتبار ما تحقق من نتائج سياسية يستوجب البناء عليها، بل يعتبرون مجرد جلوسهم على كرسي العرش زواجا كاثوليكيا غير قابل للانفكاك الا بتدخل رباني، وحتى بهذه قد لا يكون الخلاص، اذ قد يرثنا ابنه من بعده او احد سلالته.
بعد حصول دولة فلسطين على كرسي الاعتراف في الامم المتحدة واصبحت تسمى دولة، أسأل إن كان مسؤول قد أعطى تعليماته بتغيير الاسم على اللافتة التي تحمل اسم المؤسسة التي يرأسها، او تغيير الاسم على اوراق مراسلاته؟ الجواب بالطبع قليل جدا. كم مسؤول يرى العلم المرفوع على السارية امام المؤسسة، ممزقاً مهترئاً، ولا يتأثر؟ وايضا قلة. كم مسؤول عندما يشارك في المحافل الدولية يستحضر في حديثه ظروف شعبنا معاناة او نجاحات ؟ للاسف لا استطيع المجاملة، فانا اعرف ان الحقيقة غير ذلك، ولهذا حالنا هو ما نعيش لا يتغير، وصورته لدى العالم لا تتحسن. ويتهمني البعض بالمبالغة اذا قلت ان بعضهم لا يدخل قاعة المؤتمر المكلف بحضوره.
الدولة ليست رئيسا، ورئيس حكومة فقط، والآخرون مطلوب منهم الاكتفاء بصلاة الاستسقاء، بل عليهم واجب قد يكون اكبر من واجب الرئيس ورئيس الحكومة، فمطلوب منهم المبادرة، ومطلوب منهم المتابعة لما يتحقق من انجاز، ليكون الجميع كفرقة عازفة على سيمفونية مؤداها انتاج فرح الدولة، وليس نشازا يعطب آذاننا.

شاهد أيضاً

الرئيس أبو مازن داهية العرب

بقلم: د. رمزي النجار لم يعد للمزاودين والمشككين في سياسة الرئيس ابو مازن أي مبرر …

اترك رد

Translate »