ما هي المصالح الوطنية العليا؟ كتب د. صبري صيدم

كثيرا ما نسمع عنوان هذا المقال يتردد في العديد من الخطب العصماء التي يدلي بها البعض دونما تعريف حقيقي لمعنى المصالح الوطنية العليا؟ فالغاضب والسعيد والمتشدد والمتنور والمتعصب يمينا ويسارا يحدثنا عن المصالح الوطنية العليا بصورة بات لهذه العبارة وغيرها من العبارات حضور دائم في الخطب الرنانة.
ديباجة معهودة توازي استخدام البعض لمصطلحات مجهولة المعنى: كالثوابت الوطنية، ودعوة المؤسسة الفلانية للوقوف عند مسؤولياتها والحديث المتكرر عن الخطوط الحمراء، لذا فإن الحاجة لتفسير تلك المصطلحات سينقل الخطاب من دائرة الشعارات والألغاز إلى دائرة التوضيح والمعلومات وربما التعاطف والمؤازرة.
لقد غيب الذكر المتكرر لتلك العبارات اهتمام الناس بفحوى الخطب والمحاضرات ليس فقط نتيجة التكرار، بل أيضا نتيجة عدم القدرة على تفسير معان لجمل بات تكرارها حشوا واضحا للخطب والمداخلات بصورة فرضت مساحة كبيرة من الملل وعدم الاكتراث. بل ما زاد من تردي الحال هو مصداقية الجهة التي تطرح تلك الشعارات ومدى قناعة الناس بها.
فما هي الخطوط الحمراء اليوم؟ الوحدة الفلسطينية في مواجهة الانقسام، خط أحمر؟ اللحمة الداخلية في مواجهة استمرار الشقاق وحروب الفضائيات ومواقع الإعلام الاجتماعي، خط أحمر؟ التكريم والتقدير في مواجهة التخوين والقدح، خط أحمر؟
وما هي المصالح الوطنية العليا؟ استدامة النضال الوطني في مواجهة التقاعس والتراجع و”التحبيط”، خط أحمر؟ الأمن والأمان في مواجهة التحشيد والتسليح، خط أحمر؟ صيانة الهوية والجغرافيا والبقاء في مواجهة معارك التهويد وتسريب الأراضي وبناء المستوطنات، خط أحمر؟
لا بد من إعادة تعريف مصطلحاتنا الوطنية بصورة يفهمها الناس ولا تشكل في وجدانهم حالات من العقم والتكلس ورتابة الحديث. لا بد للبعض أن يفهم ما هي الثوابت الوطنية، خاصة من اختلطت عليه الأمور خلال السنوات الماضية؟ فكما الهوية والجغرافيا والقدس والدولة والعودة والحدود وحرية الأسرى والاستقلال ثوابت فإن الديمقراطية والانتخابات والتعددية ووحدة السلطة والمرجعيات ثوابت أيضا؟
إن تطوير الخطاب الوطني الفلسطيني قضية ملحة خاصة مع تغير المرحلة وانفتاح الناس على المعلومات في عصر المعلوماتية السريع ، وتناقص الرغبة في التعايش مع الإطالة، واتساع دائرة الاطلاع والتمحيص في الأمور وخفاياها، وميول الناس نحو التجرد في الخبر بعيدا عن الديباجات المستهلكة والمستنزفة وإصرار الجمهور المتلقي على النتائج لا الوعود، خاصة لكثرة إحباطات الماضي القريب وتجاربه.
الخطاب يحتاج إلى الاقتضاب والصراحة والفعل والخطط والجداول الزمنية ولا يحتاج للمزيد من الأحلام والأمنيات والشعارات والوعود، خاصة مع تبني الجمهور المتلقي لسياسة عريضة قائمة على سرعة الوصول إلى المعلومات وتعاظم المبادرات الهادفة لنقل المعلومة بتجرد وصراحة.
لهذا فإن المصالح الوطنية العليا هي ما تستطيع فعله في مجالات الهوية والكرامة والوحدة والمقاومة والنضال والمقاطعة والملاحقة والثبات والاستقلال لا الرغبات والتوقعات والأمنيات، خاصة وأن قلوب الناس تميل اليوم وبصورة أكبر لمن يعمل في الميدان لا من يجزل الوعود والرغبات دونما أفق أو مستقبل.
لقد انتقلت البشرية عبر العقود الثلاثث الماضية من عالم التلكس والإذاعة والرسائل البريدية إلى عالم الإنترنت والتواصل الاجتماعي والتخاطب الآني المرئي وتطبيقات المحادثة الحية وخدمات الهاتف المحمول، وعليه فهي تعي حقيقة وأهمية ارتقاء الخطاب إلى علم مواز من العصرنة والحداثة، فمحركات الأمس لن تشغل سيارات اليوم، وبريد اليوم المحوسب لن ينقرض لصالح البريد التقليدي، فهل يتطور الخطاب الفلسطيني لدى البعض بصورة توازي زمانه أم يبقى ضحية التكرار ليس إلا؟
s.saidam@gmail.com

شاهد أيضاً

موقف ترامب ما بين الثابت والمتغير في السياسية الخارجية الاميركية

بقلم: إبراهيم أبراش قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل اليهودية وإن كان …

اترك رد

Translate »