ترسيم المستوطنات.. تفصيل (لدولة الجيوب المنزوعة )! كتب موفق مطر

آخر ابتكارات نتنياهو وصرعاته السياسية، ابراز قدرته في المشي على حبلي النار والماء، فالقاعد على كرسي حكومة، يتأرجح على رأس دبوس، يسعى نحو سراب، للفوز بشهادة اقرار واعتراف بشرعية الاستيطان على اراضي دولة فلسطين، ويناور للالتفاف بزاوية حادة لاعتراض المبادرة الفرنسية، وكأن الملقب اسرائيليا بالكذاب وبالثعلب ونضيف عليها (المتذاكي)، لم يختبر ويمتحن ذكاء وصبر وصمود الشعب الفلسطيني وتمسك قيادته بالثوابت ومبادئ وركائز تحقيق السلام.
يعلم نتنياهو ان القيادة الفلسطينية لا تختبر مصداقيته الشخصية، لكنها تنتظر منه اعلانا واضحا باعتراف اسرائيل بدولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران بعاصمتها القدس الشرقية، وايقافا كاملا للاستيطان، واطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى المعتقلين ما قبل اتفاق اوسلو، والاقرار بأن جميع قضايا الحل النهائي يجب ان تجري في المفاوضات على أساس دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وان عليه التحرر من الأوصاف الثلاثية الأبعاد المذكورة أعلاه، وبدء اكتسابه نسبة من المصداقية تؤهله لنيل ثقة قادة العالم، وتقديم اسرائيل كدولة تحترم تعهداتها والاتفاقيات التي تبرمها مع الجانب الفلسطيني، حينها وبعد تقديم اثباتات صحة هذا التوجه على الأرض مباشرة، قد توافق القيادة الفلسطينية- حسب اعتقادنا وتماشيا مع رغبة المجتمع الدولي – على بدء مفاوضات جديدة معه.
يستوجب اقتراح نتنياهو ترسيم حدود الكتل الاستيطانية الكبرى التي تم انشاؤها على اراضي الضفة الفلسطينية، طرح علامة استفهام كبيرة حول الصحة النفسية لشخص رئيس حكومة اسرائيل، فالرجل الذي نعرف انه ليس مصابا بالزهايمر خاض الانتخابات للكنيست تحت شعار : “اذا انتخبتموني ثانية فلن تقوم دولة فلسطينية”، وها هو اليوم يطرح ترسيم حدود الكتل الاستيطانية الكبرى، ما يعني ترسيم حدود (دولة الجيوب) أي دولة فلسطينية مترابطة بخيوط رفيعة، جيوبها (مفصلة) على مقاس قدرة دولة الاحتلال والاستيطان على السيطرة المباشرة، والأفظع من ذلك ذهابه بجنون العظمة الى حد الاعتقاد بامكانية الباس الظالم ثوب العدل، والمظلوم ثوب الجاني، وتبديل معاني الحق والباطل، فيصبح الحق حسب مقترحه الجديد هو حق اليهودي القادم من اقاصي الدنيا بالاستيلاء على أرض الفلسطيني الموجود فيها منذ فجر التاريخ، وطرده منها، وهدم بيته، وانشاء مستوطنة تحت حراسة وحماية جيش الاحتلال, اي شرعنة جرائم الحرب, والارهاب ضد شعب بأكمله، فنتنياهو بهذا الاقتراح يقر ويعترف بأن ما انشيء على أرض دولة فلسطين المحتلة منذ عام 1967 مستوطنات لا شرعية لها ابدا ايا كانت صفتها او الغاية منها، فهو لو رجع الى دارس مبتدئ للقانون الدولي لأخبره أن الاستيطان، جريمة، لمخالفته نصوص القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بمسؤوليات سلطة دولة الاحتلال.
نقرأ بمقترح نتنياهو اعترافا واقرارا بجريمة الاستيطان، ومناورة للحصول من الضحية (الفلسطينيين) على شهادة اقرار ببراءة دولته من جريمة الاحلال الاستيطاني، كما نراها انعطافة حادة سريعة للخروج من طوق دولي بدأ يضيق على دولته عموما، والمستوطنات تحديدا، بسبب تمردها وخروجها على القانون الدولي، ومخالفتها الصريحة لتطلعات وطموحات المجتمع الدولي ببناء حالة من الثقة تؤسس لسلام دائم، ينهي الصراعات المستجدة بعد انهاء الصراع- الفلسطيني الاسرائيلي، والبدء بهجوم مضاد وتطويق مشروع القرار الفرنسي قبل وصوله الى طاولة الكبار في مجلس الأمن، فنتنياهو يعلم ما يعده الاتحاد الأوروبي من عقوبات جديدة على المستوطنات اليهودية، تعتبر الأقسى، كما يعلم جموح فرنسا وهي تأخذ دور الدولة الكبرى لحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، ويدرك مخاطر وتداعيات اعتراف الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بدولة فلسطين حسب ما جاء في مقترح القرار الفرنسي، ان لم تتجاوب اسرائيل وتتفق لتنفيذ حل الدولتين خلال 18 شهرا.
لم يوضح نتنياهو معنى تأييده لدولة فلسطينية منزوعة السلاح بعد لقائه الأخير مع مفوضة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي (فيدريكا موغريني)، فما طرحه ليس اكثر من اشارة الى مناطق وليس الى حدود الدولتين اذ قال:” من الواضح لي أن هناك مناطق ستبقى في أيدي إسرائيل في كل اتفاق، وهناك مناطق ستبقى في أيدي الفلسطينيين..ويمكن التقدم في التفاهمات حول المناطق التي يمكن مواصلة البناء فيها لأنها في كل الأحوال ستبقى في أيدي إسرائيل”… ونعتقد ان موغريني انتبهت الى مراوغة نتنياهو فقالت له:” أنا معنية برؤية خطوات على الأرض تدعم التصريحات وتظهر التزاما بحل الدولتين للشعبين”.
للتذكير فقط, نتنياهو كان قد رفض اقتراحات اميركية بين عامي 2013 و2014 اي نقاش حول حدود الدولة الفلسطينية أو ترسيم حدود المستوطنات التي يريد الاحتفاظ بها.. فهل يخدع نتنياهو العالم فيكسب مزيدا من الوقت ليتمكن من نقل كرسي الحكومة من على رأس الدبوس الى قاعدة مسمار الكبس على الكنيست ؟!.

شاهد أيضاً

موقف ترامب ما بين الثابت والمتغير في السياسية الخارجية الاميركية

بقلم: إبراهيم أبراش قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل اليهودية وإن كان …

اترك رد

Translate »