اجراءات اسرائيلية تجعل عملية السلام امرا بعيد المنال كتب راجح أبو عصب

بدلا من ان تتخذ الحكومة الاسرائيلية خطوات لبناء الثقة مع الشعب الفلسطيني وقيادته , ما يؤثر ايجابا بالتالي على علاقة اسرائيل بالدول العربية , خاصة تلك التي تقيم علاقات مع الدولة العبرية وهما مصر والاردن , اللتان اسهمتا وزنا كبيرا ومؤثرا في الساحة العربية والاقليمية والدولية , فان حكومة نتنياهو شرعت مؤخرا في اتخاذ خطوات واجراءات عقابية ضد الشعب الفلسطيني وقيادته , من ذلك حجز اموال الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة الوطنية , ما جعل الحكومة الفلسطينية تعاني من ضائقة اقتصادية خانقة , جعلها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها في الوقت المحدد في بداية كل شهر , ما اضطر هذه الحكومة الى الاقتراض من البنوك المحلية ودفع فقط ستين بالمئة من تلك الرواتب وبعد تأخر دام اكثر من اسبوعين .

وقد اتخذت الحكومة الاسرائيلية هذا الاجراء العقابي المالي بذريعة ان الحكومة الفلسطينية وقعت طلب الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية , علما ان هذه الخطوة الفلسطينية تتحمل مسؤوليتها المباشرة حكومة اسرائيل والادارة الاميركية , لأن الحكومة الاسرائيلية ترفض الوفاء بمتطلبات السلام تجاه الشعب الفلسطيني , وترفض اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الاراضي الفلسطينية في حدود الخامس من حزيران عام 1967.

علما ان هناك اجماعا عالميا على ان السبيل الوحيد لانهاء الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي يتمثل في حل الدولتين , وبالتالي فان هذا الحل سيؤدي الى انهاء الصراع العربي – الاسرائيلي مباشرة , وذلك وفق مبادرة السلام العربية التي طرحتها قمة بيروت العربية في عام 2002 والتي تؤكد القمم العربية كل عام ان هذه المبادرة ما زالت على الطاولة .

كما ان الادارة الاميركية تتحمل مع اسرائيل المسؤولية المباشرة لتوجه القيادة الفلسطينية الى المحكمة الجنائية الدولية , لانها لم تمارس مسؤولياتها باعتبارها الراعي الاول لعملية السلام , خاصة وان رؤية حل الدولتين , هي بالاساس رؤية اميركية طرحها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن , ورغم انه تعهد بتنفيذها الا انه خلال ولايتيه الرئاسيتين الاولى والثانية لم يف بوعده , وعندما تسلم الرئيس باراك اوباما السلطة في البيت الابيض , فانه اعلن في خطابيه الموجهين الى الامة الاسلامية والشعوب العربية في تركيا وفي مصر انه عازم على تطبيق رؤية حل الدولتين , ولكن ها هي ولايته الرئاسية الثانية على وشك الانتهاء , ولم يف بوعده .

وهناك اجماع فلسطيني على ان الولايات المتحدة خسرت دورها كوسيط نزيه في الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي , وذلك جراء موقفها المعارض تماما في مجلس الامن لمشروع القرار العربي- الفلسطيني , الذي قدم الى المجلس في اليوم الاخير من العام الماضي 2014 حيث ضغطت على نيجيريا لكي تمتنع عن التصويت على القرار , وبذلك سقط المشروع , ولم يحز على الاصوات التسعة . ولو صوتت نيجيريا الى جانبه , فان الولايات المتحدة وكما أكدت , كانت ستستخدم حق النقض ” الفيتو ” ضد هذا القرار .

ورغم سقوط هذا القرار , فان مصادر فلسطينية مطلقة , اعلنت ان فلسطين بالاشتراك مع جامعة الدول العربية ستقدم قريبا مشروع قرار جديدا الى مجلس الامن , بعد اجراء عدد من التعديلات عليه , فقد قال مسؤول فلسطيني وعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية , يوم الاثنين الماضي انه سيتم تحديد موعد اعادة طرح مشروع القرار على مجلس الامن , لاقامة الدولة الفلسطينية وفق جدول زمني محدد , وذلك من خلال التشاور بين القيادة الفلسطينية واللجنة العربية الوزارية المنبثقة عن جامعة الدول العربية , وتأمل القيادة الفلسطينية ان يساعد التغيير الجزئي من تركيبة مجلس الامن الذي يعقد مطلع هذا العام في توفير دعم اكبر لمشروع القرار , خاصة بعد دخول ماليزيا وفنزويلا عضوين غير دائمين في المجلس , وهما دولتان مؤيدتان للحقوق العربية والفلسطينية .

ومن الاجراءات الاسرائيلية الاخرى التي تعدم الثقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين استمرار الحكومة الاسرائيلية في سياساتها التوسعية الاستيطانية , ورفضها تجميد الاستيطان , ومن ذلك ما كشفته صحيفة “هارتس ” العبرية يوم الاثنين الماضي عن خطة اعدتها وزارة الاسكان الاسرائيلية لتوسيع مستوطنات ” غوش عتصيون ” جنوب غرب مدينة بيت لحم , وقالت الصحيفة ان وزير الاسكان اوري ارئييل كان خصص في شهر تشرين الاول الماضي مبلغ “850 ” الف شيكل من اجل تخطيط بنية تحتية في تلة تقع الى الشرق من مستوطنة ” أفرات ” في التجمع الاستيطاني , وعلى مشارف بيت لحم الغربية وخلف جدار الفصل , واضافت الصحيفة : ان البناء في هذه التلة هدف استراتيجي للمستوطنين , حيث تشكل ذراعا الى الشرق ويقرب المناطق المأهولة من ” غوش عتصيون ” من ضواحي بيت لحم .

وهذا التوسع الاستيطاني في هذه المنطقة سيخنق محافظة بيت لحم ويحاصرها ويعزلها عن قرى غرب المحافظة ويصادر مزيدا من الاراضي الامر الذي من شأنه لن يمنع اي تمدد افقي لسكان مدينة بيت لحم , علما ان اسرائيل صادرت في عام 2014 الماضي 4885 دونما في بيت لحم , وهذا المخطط الاستيطاني لن يبقي اي متنفس لمدينة بيت لحم , وسيعزل قرى بتير وحوسان ووادي فوكين ونحالين والجبعة عن بيت لحم .

وسيتم في المرحلة الاولى من هذا المخطط الاستيطاني التوسعي , كما اعلن وزير الاسكان الاسرائيلي بناء 840 وحدة استيطانية في مستوطنة ” غوش عتصيون ” من اصل “2500 ” وحدة .

ويذكر ان المستوطنين , وكما قال يريف اوفنهايمر سكرتير ” حركة السلام الآن ” الاسرائيلية يحاولون القيام بخطوة سريعة قبل انتخابات الكنيست لفرض حقائق على الارض ولانفاق الاف الشواكل , ولتعقيد فرص الفصل بين الدولتين .

والواقع ان استمرار التوسع الاستيطاني سيجعل من حل اقامة الدولة الفلسطينية امرا مستحيلا , اذ ان هذه المستوطنات تمزق الضفة الغربية وتجعل مدنها الفلسطينية معازل منعزلة عن بعضها البعض لا يربطها رابط ,كما ان اسرائيل تسعى الى الاستيلاء على القسم الاكبر من الاراضي المعروفة بمنطقة “سي ” في الضفة الغربية وضمها اليها عن طريق زرعها بالمستوطنات , علما ان هذه المنطقة تشكل نسبة واحد وستين بالمئة من اراضي الضفة الغربية .

ومعلوم ان هناك اجماعا عالميا على عدم شرعية الاستيطان , باعتباره مخالفا للقوانين الدولية ولشرعة حقوق الانسان , وهو عقبة كأداء امام تحقيق السلام , اذ ان السلام والاستيطان لا يمكن ان يلتقيا , ولأن المؤسف حقا ان الحكومة الاسرائيلية الحالية فضلت التوسع والاستيطان على تحقيق سلام عادل وشامل مع الشعب الفلسطيني ومن ثم مع الدول العربية مجتمعة , وهي بهذا تفوت فرصة ذهبية ظلت تتمناها منذ قيام الدولة العبرية عام 1948 . ولكن معظم الساسة الاسرائيليين الحاليين يفضلون كسب اصوات اليمين من اجل البقاء في كراسي الحكم .

ان اسرائيل اليوم بحاجة الى ” جنرال للسلام ” كما كتب العميد احتياط في الجيش الاسرائيلي “غيورعنبار” في صحيفة ” يديعوت احرنوت ” يوم الثلاثاء الماضي دعا فيه الى انسحاب اسرائيل من الاراضي الفلسطينية , وطالب الاسرائيليين بعدم السماح للاحزاب ولسماسرة الانتخابات في اسرائيل التقليل من تأثير صوت كل مقترع في انتخابات الكنيست القادمة , لأن هذه الانتخابات ستقود الدولة خلال الاعوام الاربعة القادمة . وحذر من انه في ظل غياب الجرأة والشجاعة من تسوية الصراع فان ذلك سيقودنا بخطوات عملاقة ومتسارعة نحو الكارثة في الداخل والعزلة في الخارج .

وقال الجنرال ” عنبار ” في مقالته تلك : ان اسرائيل تعيش فترة هي الاصعب في تاريخها , ودعا الى انتخاب قيادة تسير بنا نحو دولة تطمح للسلام والمساواة والازدهار .

ان السلام ليس مصلحة فلسطينية فقط بل هو مصلحة اسرائيلية بذات الدرجة كما هو مصلحة عربية واقليمية ودولية , ومن هنا جاء اجتماع لجنة الشرق الاوسط الرباعية على مستوى الممثلين يوم الاثنين في العاصمة البلجيكية بروكسل , حضرت بدايته منسقة الشؤون الخارجية للاتحاد الاوروبي , فيديريكا موغيريني , وقد تبادل المجتمعون تقييما للافاق السياسية في منطقة الشرق الاوسط , ولآفاق احياء عملية السلام , وبحثوا في ما يمكن ان تضطلع به اللجنة الرباعية من دعم استئناف مفاوضات ذات معنى من اجل التوصل الى اتفاق سلام شامل وفق حل الدولتين , واشاروا الى اهمية اشراك شركاء اللجنة العربية عن قرب وقالوا انهم اتفقوا على اهمية عقد اجتماع الرباعية على مستوى رفيع في اقرب وقت ممكن .

وفي ذات الاطار جاء حديث العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني مع وفد مجلس العلاقات العربية والدولية , الذي استضافت الاردن الاسبوع الماضي اجتماعه الدوري الرابع, حيث اشار جلالته على محورية القضية الفلسطينية وجهود تحقيق السلام , وأكد ان حل القضية الفلسطينية حلا عادلا وشاملا هو المدخل لحل جميع الصراعات في المنطقة , وجدد على مواصلة دعم الاردن لمساعي حل الصراع وصولا الى اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة , استنادا الى حل الدولتين ومبادرة السلام العربية .

ومن هنا فان على الحكومة الاسرائيلية ان تجنح الى السلام وان تتخذ خطوات لبناء الثقة مع الشعب الفلسطيني , وان تبتعد عن الاجراءات التي تهدم الثقة والتي تجعل من السلام العادل والشامل امرا بعيد المنال , رغم انه اصبح اليوم في متناول اليد . والقيادة الفلسطينية تؤكد دائما تحقيق الثوابت الفلسطينية من خلال الوسائل السلمية البعيدة عن العنف , ولن تتنازل عن تلك الثوابت , فلا حل للصراع الا من خلال رؤية حل الدولتين . والله الموفق.

شاهد أيضاً

نهاية مشرفة أو مذلة

بقلم: إبراهيم أبوالنجا منذ أن تفتحت أعيننا على السياسة والسياسسن ونحن إما نقرأ أو عايشنا …

اترك رد

Translate »