أوباما كان على علم بدعم “مرسى” لـ”حماس” (ح3)

يمكنك أن تقبله أو ترفضه، أن تحبه أو تكرهه، لكن لا يمكنك أبداً أن تتجاهل كونه رئيس أقوى دولة فى العالم حتى الآن، والرجل الذى تؤثر قراراته حتماً على مسارات الدول والشعوب. يمكنك أن تقول إن الرئيس الأمريكى الحالى باراك أوباما هو أضعف رئيس مر فى تاريخ الولايات المتحدة، أو أنه، على العكس، أكثر من نجح فى تفكيك الشرق الأوسط وفقاً للمؤامرة الأمريكية المسمّاة بالشرق الأوسط الكبير، التى ترى ضرورة تحويل الشرق الأوسط إلى دويلات مفكّكة، متناحرة، لا يزيد قطر أكبرها عن حجم إسرائيل، لكن لا يمكنك أن تنكر أيضاً، أن سياساته فى الشرق الأوسط تثير قلق حلفائه، وعلى رأسهم إسرائيل، أكثر بكثير مما تثير قلق من يعاديه.

«أوباما» رجل لا يبدو ذا سياسة واضحة لأحد، لا لأعدائه ولا لحلفائه. هو يتحرك بشكل يبدو فى البداية مخططاً، وسرعان ما تنكشف عشوائيته بعد مرور بعض الوقت. يتخذ القرار، كما يقول المقربون منه، بناءً على ما تفرضه اللحظة، ثم يحاول أن يلوى عنق الحقائق الأخرى فيما بعد، لكى تتناسب مع ما يراه.

الجيل الأكبر عمراً فى السياسيين الأمريكان يعادى شبابه، ويرجع أخطاءه إلى قلة خبرته وكونه ابناً لجيل يقفز إلى النتائج من دون دراسة المقدمات، ويتصوّر أن كل خطأ يمكن محوه بضغطة زر على لوحة مفاتيح. فى الوقت الذى يعاتبه فيه الشباب المحيطون به لأن خططه التى يعلن عنها لا تحقق نتائجها بالسرعة التى اعتادوا عليها مع كل شىء آخر، ويتهمونه بأنه بطىء أكثر من اللازم فى اتخاذ بعض القرارات، وبطىء أكثر حتى فى تنفيذها.

«(أوباما) الذى لا يرضى عنه أحد»، لا قريب ولا بعيد، لا عدو ولا حليف، ذو التفكير الحائر والمحيّر، كان هو بطل كتاب أمريكى كامل، صدر مؤخراً للمؤلف الأمريكى «كولين دويك»، حاملاً عنوان «عقيدة أوباما: الاستراتيجية الأمريكية الكبرى اليوم». كان الكتاب يقرأ «دماغ» الرئيس الأمريكى، لماذا يفعل ما يفعله؟ وعلى أى أساس يتخذ قراراته؟ وفى الكتاب كان هناك فصل مهم يتناول تفكير «أوباما» فى مصر، بخصوص كل الأحداث التى جرت فيها ووضعت سياساته موضع اختبار، وهو اختبار لا يبدو حتى الآن أن ذكاءه قد أسعفه فيه بشكل كبير.

ويقول الكتاب الأمريكى: «وصل الإخوان إلى مقاليد الحكم والسلطة فى مصر لأول مرة منذ 90 عاماً، هى عمر تاريخهم الطويل، وبمجرد وصولهم، تركوا الدعم العسكرى يتدفّق إلى (حماس) فى غزة، وتحوّلت سيناء إلى قاعدة فوضوية لعناصر البدو الخارجة عن السيطرة، وكذلك للميليشيات الأصولية المسلحة التى اتخذت من شبه الجزيرة قاعدة تشن هجماتها منها كما تريد. فى الوقت نفسه، راح (مرسى) يطمئن الإدارة الأمريكية بأنه لن يسعى أبداً لتمزيق معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل فى القريب العاجل، ببساطة لأنه لم يكن راغباً فى الاستغناء عن الدعم الأمريكى لحكومته الجديدة فى القاهرة.

على الرغم من أنه، على الصعيد الداخلى، أظهر الإخوان سعيهم لاتخاذ إجراءات تدعم من سلطويتهم، فى الوقت الذى أظهروا فيه أنفسهم على أنهم غير قادرين على إدارة اقتصاد حديث».

ويواصل الكتاب: «كانت النتيجة أنه فى صيف 2013، تدفق ملايين المصريين للمرة الثانية إلى الشوارع، احتجاجاً على الفشل والعجز الذريع لـ(مرسى) وحكومته وإخوانه، وللمرة الثانية أيضاً فى أقل من ثلاثة أعوام، تدخّل الجيش المصرى لإنهاء حكم نظام لم يعد يتمتع بالشعبية ولا بالشرعية فى نظر الناس، متولياً مهمة ترتيب عملية انتقالية منظمة للسلطة. ولم يكن (أوباما) واثقاً من الطريقة التى ينبغى عليه بها أن يتعامل مع هذا التطور الأخير».

ويواصل الكتاب الأمريكى: «ظهر واضحاً أن الرئيس الأمريكى كان حائراً فى اتخاذ قراره، قرر (تعليق) المساعدات الأمريكية لمصر، لكن من دون أن يقطعها تماماً، وكذلك من دون أن يصف ما حدث من الإطاحة بـ(مرسى) بأنه (انقلاب)، إلا أن هذا الموقف أدى إلى أن تنظر كل الأطراف فى مصر إلى (أوباما) بعين السخط. نظر أنصار المدنية فى مصر، وكذلك الجيش، إلى (أوباما) على أنه يدعم الإخوان، فى الوقت الذى لم يكن فيه الإخوان مخلصين قط، لا لـ(أوباما) ولا لغيره.

ربما كان من المحتم بالفعل أن ينتهى حكم (مبارك)، خاصة مع تآكل شعبيته وفقدانه للدعم من الجيش المصرى، إلا أن تفكير (أوباما) فى تلك الأوقات الحساسة والحرجة فى قلب العالم العربى، لم ينتبه إلى أن المهم هو أهمية الحفاظ على حلفاء أمريكا ودعمهم، أياً كان وضعهم، فى الوقت الذى لا بد أن يرفض فيه مساندة من يعلنون وقوفهم ضد المصالح الأمريكية، ويدعمون من يهددونها».

ويتابع: «لم يفهم (أوباما) أن مصر تمتلك خبرة ضئيلة بالديمقراطية، وفى كل الأحوال، وأياً كانت النتيجة، لم يكن نشطاء (فيس بوك) لينجحوا فى إدارة حكم البلاد تحت أى ظرف. فى غياب (مبارك)، لم يكن هناك سوى قوتين تملكان الحجم والتنظيم والثقل والقوة العددية لتولى السلطة: الجيش أو الإخوان.

لقد أظهر الجيش، على امتداد عقود طويلة، أنه قد لا يكون (الحليف المثالى) الذى تتمناه الولايات المتحدة، إلا أنه على الأقل قادر على التعاون معها فى مجالات مكافحة الإرهاب، والحفاظ على السلام مع إسرائيل وفى منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى إمكانية حفاظه على نوع من التعددية السياسية إلى حد ما فى مصر.

أما الإخوان، فقد ظهر واضحاً رفضهم ذلك كله، وعلى الرغم من ذلك، فبمجرد أن اندلعت أحداث (الربيع العربى) فى مصر، سارع (أوباما) لدعم الإطاحة بحليف عتيد للولايات المتحدة فى أيام معدودة، والأسوأ أنه فعل ذلك دون تخطيط لما يمكن أن يحدث لاحقاً، ودون تصور لما يمكن أن يأتى فيما بعد».

ويتابع: «لم يكن أوباما يملك سوى افتراضات مبهمة بأن القوى الديمقراطية الليبرالية سوف تخرج بشكل ما منتصرة، وفيما بعد، تخيل أن الإخوان سوف يتحولون فجأة إلى شريك فاعل للولايات المتحدة، وبالطبع، وكما تبين فيما بعد، لم تكن أى من هذه التصورات صحيحة، هناك بالفعل أنصار حقيقيون للديمقراطية والليبرالية فى مصر، إلا أنهم يعانون من الضعف السياسى، وربما كان من الأجدى توجيه الدعم الأمريكى لهم فى هذه الفترة الحرجة بدلاً من الإخوان».

ويضيف: «ربما أدرك أوباما الآن، أو ربما حتى لم يدرك بعد، أن الخيار الأفضل المتاح للولايات المتحدة حالياً، وحتى للقوى الديمقراطية الناشئة فى مصر، هو أن يكون على رأسها حكومة «متسامحة» إلى حد ما، تحظى بدعم وتأييد الجيش، لا تكسر تحالفها مع واشنطن، وتتولى مهمة دفع خطوات الإصلاح السياسى تدريجياً نحو الأمام، بدلاً من أن تقوم بذلك بشكل فوضوى، يصل فى نهاية الأمر إلى وضع كارثى لم يكن يحسب حسابه أحد».

أوباما استمر فى دعم الإخوان حتى انهيارهم فى2013 ( الحلقة الثانية )

شاهد أيضاً

“هيئة علماء الأزهر الشريف: القدس فلسطينية عربية إسلامية

أجمعت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف على أن قرارات الرئيس الأميركي بخصوص مدينة القدس باطلة، …

اترك رد

Translate »