“التصاريح”: وسيلة لضرب علاقة السلطة بمواطنيها

كتب منتصر حمدان
ملأت المواطنة (ف.ع) من احدى قرى شرق رام الله، حقيبتها متوسطة الحجم بالمأكولات والمشروبات الغازية وقطع الحلوى والبسكويت التي اشترتها من السوبر ماركت الرئيسي في قريتها، تحضيرا لمشاركتها في رحلة سياحية لمناطق في داخل الخط الاخضر بعد حصولها على تصريح خاص تحت مسمى ” رحلة سياحية”.
المواطنة (ف.ع) هي ام لخمسة اطفال اصطحبتهم معها في تلك الرحلة، اشارت الى ان تعبئتها الحقيبة بالمأكولات والحلوى وحتى عبوات الماء، تم بهدف عدم الوقوع ضحية الاسعار الخيالية في المدن الاسرائيلية خاصة الاماكن السياحية التي تباع فيها عبوة الماء بما لا يقل عن 10 شواقل.

وقالت:” لم اتوقع حصولي على تصريح اسرائيلي يسمح لي بالتوجه الى الداخل والوصول الى مدن حيفا وعكا وطبريا وغيرها من المناطق الفلسطينية التي حرمنا منها منذ سنوات طويلة”، موضحة ان مشاركتها في هذه الرحلة جاءت بمحض الصدفة ولم تكن تتوقع ان تكون بهذه السهولة على الاطلاق.
وتابعت:” لقد اتصلت بي احدى صديقاتي، وقالت لي هل ترغبين مشاركتنا في رحلة الى داخل الخط الاخضر، فاجابتها بالموافقة، وطلبت مني تزويدها برقم بطاقتي الشخصية وهذا ما حدث قبل ان تخبرني بعد عشرة ايام بان تصريحي جاهز للاستلام والمشاركة في الرحلة”.
ورغم عدم اكتراث تلك المواطنة بامور السياسة وخباياها، الا انها عبرت عن مخاوفها مما يصفونه بــ”التسهيلات الاسرائيلية”، وقالت: “صحيح انني اتمنى زيارة عكا وحيفا والقدس والبحر لكننا اعتدنا ان اسرائيل لا تعطي شيئا بلا مقابل؟!”.
ومنذ اشهر ماضية عمدت اسرائيل الى تسهيل حصول الاف المواطنين في الضفة على تصاريح خاصة بالرحلات السياحية حيث تصل رسوم التسجيل في تلك الرحلات بين 150 الى 240 شيقلا، حسب المدن التي سيتم ادراجها في مسار الرحلة.
ويتولى اشخاص محددون تقديم طلبات الحصول على تصاريح الرحلة حيث يتعاقدون مع سائقي حافلات تحمل لوحة تسجيل صفراء تتواجد في نقاط محددة ومتفق عليها لنقل المسجلين الحاصلين على التصاريح.
وقال احد المشرفين على تنظيم تلك الرحلات: “منذ العام الماضي وانا اقوم بتنظيم رحلات للداخل بمعدل رحلة كل اسبوعين قد تشتمل على اكثر من حافلة”.
ومن الواضح ان اسرائيل باعتبارها دولة احتلال تسعى لتجاوز حق المواطن الفلسطيني في الحركة والتنقل عبر تقنين هذا الحق بـ”التصاريح”، وتحاول تغطية هذه السلوك الاحتلالي بوصفه” تسهيلات” سياحية او دينية للفلسطينيين، في حين ان الاهداف الحقيقية من وراء ذلك حسب اصحاب محال تجارية ومختصين وخبراء اقتصاد، تذهب الى اكثر من ذلك بتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية وتطبيعية.
ويرى صاحب شركة ارسيما للسياحة والسفر، فادي مرعي، ان سماح اسرائيل بسفر 500 مواطن عبر مطار “بن غوريون” له مؤشرات واهداف بعيدة المدى، مشيرا الى وجود 8000 سائح فلسطيني يزورون تركيا سنويا عبر السفر الى الاردن ثم الى تركيا.
وتابع:” من الواضح ان اسرائيل تسعى الى جذب اهتمام السياح الفلسطينيين وتسهيل سفرهم عبر مطارها، ما يساهم في تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة خاصة فيما يخص برحلات” الشتر” التي تديرها شركات اسرائيلية باستئجار الطائرات وتحدد مقاصد السياحة، ما يجعلها بحاجة لاعداد سياح اضافيين يمكن تغطية النقص بسياح فلسطينيين.
واضاف” لا توجد علاقة الان بين شركات السفر والسياحة الفلسطينية والاسرائيلية، لكن اذا ما سمحت اسرائيل بسفر مواطني الضفة عبر المطار فإن هذه الشركات ستكون مجبرة على فتح علاقات مع الشركات الاسرائيلية، موضحا انه في سبيل تحقيق ذلك فان اسرائيل تعرف تماما ان سفر المواطن الفلسطيني عبر مطارها يوفر عليه بين 200 الى 250 دولارا للشخص الواحد وهذا على مستوى سعر التذكرة فقط خاصة اذا كان السفر لتركيا او اوروربا.
وكانت اسرائيل اعلنت عن “تسهيلات” في اعقاب محادثات اجريت بين الجانبين الفلسطيني- الاسرائيلي، سمح فيها الاخير لما يقارب من “500” شخص من اهلنا المقيمين في الخارج من زيارة الاراضي الفلسطينية خلال شهر رمضان المبارك.
وتشمل تلك “التسهيلات” السماح للرجال والنساء فوق سن 40 عاما دخول القدس ايام الجمعة والصلاة في المسجد الاقصى دون الحاجة لتصريح، واما من يرغب باصدر تصاريح لزيارة الاهل داخل الخط الاخضر ستكون سارية المفعول اعتبار من 17 – 6 وحتى 22-7 من عمر 16 الى 50 عاما للنساء ومن 16 الى 55 عاما للرجال، وذلك طيلة ايام الاسبوع باستثناء ايام الجمعة والسبت“، كما يسمح للراغبين من النساء والرجال فوق سن الـ 40 عاما من زيارة الاهل في قطاع غزة، شريطة وجود قرابة من الدرجة الاولى وبموجب معاملة مكتملة حسب الاصول.
واكثر ما يشير الى وجود مخطط اسرائيلي لضرب مصداقية السلطة الوطنية، هو محاولة اسرائيل تجاوز الحكومة والاتصال المباشر مع البلديات والقطاع المدني بشكل ممنهج، ما يجعل السلطة والمؤسسات ذات العلاقة تظهر بمظهر ساعي البريد ليس اكثر ولا اقل، في حين ان موعد اعلان اسرائيل عن تلك التسهيلات جاء بعد فترة وجيزة من التهديد باحتلال الضفة خلال 24 ساعة، اضافة الى بث شائعات وتصريحات حول ضعف السلطة .
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي، د.نصر عبد الكريم، بان اسرائيل تحاول فرض برامج وخطط في اطار خطة استراتجية لحل الصراع وليس كما يحاول البعض الحديث عن مكاسب اقتصادية. وقال:” اغلبية المواطنين المسموح لهم بالدخول الان هم من فئة الفقراء وحتى لو دخلوا الى الداخل فانهم لا يملكون اموال طائلة لانفاقها في الاسواق الاسرائيلية”، في حين ان الاغنياء من شعبنا يكون معهم تصاريح دائمة وهم الذين ينفقون اموالهم داخل اسرائيل.
ورأى بان اسرائيل تسعى لاضعاف المشروعية الاقتصادية للسلطة الوطنية من فكفكة ارتباط المواطن الفلسطيني مع سلطته عبر سياسات وخطط معدة مسبقا”.
وقال عبد الكريم: “الاهداف الاسرائيلية تتجاوز المكاسب الاقتصادية من وراء السماح للفلسطينيين بالدخول الى داخل الخط الاخضر، بل انها تريد بعث مجموعة رسائل لاضعاف المشروعية الاقتصادية للسلطة ومحاولة فكفكة علاقة المواطن الفلسطيني مع سلطته .
وتابع” السلطة الوطنية هي بمثابة المشغل والضامن لامن للمواطنين، فمن الواضح ان اسرائيل تسعى لخلق قنوات التفافية تستهدف ضرب ثقة المواطن بسلطته وتقديم ذاتها كبديل افضل عبر توفير العمل والحركة والرفاهية.
وينظر عبد الكريم باهتمام كبير فيما يخص السماح للمواطنين بالحصول على تصاريح او حتى الدخول للقدس بلا تصاريح وقال: “اسرائيل تحاول ايجاد مناخ لعلاقات تطبيعية وطبيعية بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهذا بحد ذاته مكسب كبير لها لانها تريد ضرب كل محاولات المقاطعة في الداخل الخارج”، محذرا من مخاطر نجاح اسرائيل في خلق حالة قبول ذهني للتعايش مع احتلالها.
واضاف:” من الواضح ان اسرائيل تعمل من اجل وضع الشعب الفلسطيني امام خيارات” الاقتصاد مقابل الامن،(..)، الرفاهية مقابل الامن”، وهذا كله ياتي في اطار سياسة السلام الاقتصادي التي يسعى نتنياهو الى تحقيقه لفرضه على شعبنا وعلى العالم ونسف مبدأ “الارض مقابل السلام”. ويتفق الناطق الرسمي باسم وزارة الاقتصاد الوطني، عزمي عبد الرحمن، مع ان اسرائيل تريد من وراء موجة التصاريح، اضعاف السلطة الوطنية وضرب الاقتصاد الوطني، من خلال اظهار دور السلطة ومؤسساتها بانها صاحبة دور تابع وضعيف.
وكشف عبد الرحمن عن الجانب الاسرائيلي طلب من السلطة الوطنية ان يرافق شرطي فلسطيني كل حافلة تنقل المواطنين الى القدس ليتولى فحص اوراقهم الثبوتية، الامر الذي يجعل اسرائيل تحول السلطة الوطنية الى مجرد موظفي ادارة مدنية بالكامل.
وتابع: ان اسرائيل تريد في الشق الاخر توجيه ضربة قوية لاصحاب المحال التجارية في اسواقنا المحلية مستفيدة من قيام تجارنا بوضع سياسة تسعيرة تضمن ربح كبير لهم دون مراعاة العدالة واوضاع شعبنا، ما يفتح ثغرة ينفذ منها الطرف الاسرائيلي لخفض اسعار المواد التي يريد تسويقها والخلاص منها.
وقال:” هذا يدفع المواطن لمقارنة الاسعار في اسواقنا والاسواق الاسرائيلية ويدفعه للشراء من السوق الاسرائيلي باسعار رخيصة كما حدث قبل ثلاث سنوات حيث خسر تجارنا ملايين الشواقل”. ويرى عبد الرحمن بان الرد على كل المحاولات الاسرائيلية هو بتوجيه المواطنين نحو القدس واسواقها ودعم صمود المقدسيين حيث تصل نسبة الفقر في صفوفهم 85%، كما تعاني متاجر المقدسيين من خطر الاغلاق، وقال:” توجيه المواطنين من الضفة والداخل للقدس سوف ينعش اقتصاد القدس ويفشل مخططات الاحتلال واجهزته”.

شاهد أيضاً

القدس من وعد بلفور إلى وعد ترامب

بدوية السامري وزهران معالي يبدو أن هناك نسخة ثانية من وعد مشؤوم بعد قرن من …

اترك رد

Translate »