أدب العائدين: صورة اليهود كتب عادل الأسطة

رواية غسان زقطان
في روايته “عربة قديمة بستائر” (2011) ثمة حوار مع جندي إسرائيلي (ديك مسلح) عن كتاب لفلسطيني، كان الجندي احتجزه، ونص الحوار هو:
” ـ ماذا يوجد في هذا الكتاب؟
ـ رواية، قال.
ـ ماذا تقول هذه الرواية؟
ـ تروي.
ـ ماذا تقول روايتك عن اليهود؟
ـ لا يوجد يهود في هذه الرواية.
ـ الروايات التي لا تحوي يهوداً تكون عادة مملة” (ص38)
قسم من الأدباء العائدين كان لليهود حضور في كتاباتهم التي أنجزوها قبل عودتهم، بخاصة الذين كانوا أقاموا في فلسطين ثم هاجروا منها (محمود درويش) أو أبعدوا عنها (شقير، السواحري، هنية، توفيق فياض)، واختلفت الكتابة عنهم من كاتب إلى آخر وكنت توقفت أمام نصوص هؤلاء مطولا في رسالة الدكتوراه (1991) وقسم آخر لم تبرز في نصوصهم المنجزة قبل العودة شخصيات يهودية لافتة، فقد كان اليهود هم العدو المحارب (يحيى يخلف، غسان زقطان، زكريا محمد) ولما عاد هؤلاء التقوا باليهود وجهاً لوجه، ومباشرة، وكان أول من التقوا به هو الجندي الإسرائيلي الذي يقف على الجسر مدججاً بالسلاح، وقد حضرت صورة هذا في نصوص كثيرة، وما من نص، تقريباً، أتى فيه صاحبه على عودته؟ ووقوفه على الجسر إلاّ وكتب عن الجندي الإسرائيلي، وربما عد كتاب “رأيت رام الله” (1998) الأبرز في مساءلة موقف العائدين من هذا الجندي الذي ذكر في كتابات سابقة ذكراً عابراً، كما في مجموعة خليل السواحري “تحولات سلمان التايه ومكابداته” (1996).
السواحري الذي ظهرت صورة اليهود في مجموعته الأولى “مقهى الباشورة” (1969) عاد وأبرز لهم صورة “تكاد” تتشابه مع الصورة التي أبرزها لهم في قصصه الأولى. وفي تصوير “تحولات سلمان..” كتب عن حضارتين متضادتين تتقاسمان الأرض، وكتب عن يهودي مستوطن يقيم في القدس وينظر إليها بنشوة وإعجاب ظاهرين، وحين يسخر منه سلمان، يبتسم ابتسامة صفراء ويتظارف (قصة الجمعة الحزينة) وفي قصة “الورشة” يكتب عن (ياعيل) الجميلة جمالاً لافتاً لم ير سلمان مثله من قبل، وتحاول أن تغريه ليضاجعها، فقد مات زوجها منذ ثلاثة أشهر، وحين يتباله، لأنه متدين، تخاطبه:
“تعال هنا أيها الحمار. ألاّ يعجبك قميص نومي!” (ص23)
كما يكتب السواحري عن الياهو الذي يريد شراء الأرض من الفلسطيني سلمان، ويتظاهر الياهو بأنه يتعاطف مع سلمان وينشد تحسين أحواله. الياهو يريد الأرض الفلسطينية ويغري أصحابها لأجل بيعها (قصة الأرض) ولم تخل المجموعة من الجندي الذي يقف على الحاجز ويريد إذلال الناس، ففي الورقة الثالثة التي تأتي على عودة عائد عبر الجسر تقف السيارة أمام حاجز قرب أريحا، “وكان ثمة جندي سافل هوايته تعطيل الناس وتعكير مزاجهم” (ص 59)، ولم ييسر الأمور إلاّ ضابط إسرائيلي كان قدم من أميركا، ولما رأى صحيفة شيكاغو التي كان يتابعها يأخذها ويترك السيارة تنطلق.
تبدو الصورة التي قدمها السواحري لليهود سلبية تماماً تقريباً، وهي صورة ألفها الأدب الفلسطيني وعرفها منذ رواية “الوارث” (1920) لخليل بيدس و”الملاك والسمسار” (1935) لمحمد عزة دروزة، ومسرحية “وطن الشهيد” (1946) لبرهان الدين العبوشي.
مريد البرغوثي الذي لم يكتب النثر قبل عودته، أنجز كتابين نثريين عن العودة، والتقى بالإسرائيليين وجهاً لوجه، وأثار هذا اللقاء العديد من الأسئلة المهمة جداً لمن يريد أن يدرس صورة اليهودي في الأدبين الفلسطيني والعربي، أسئلة يثيرها، غالباً، المهتمون نظرياً وتطبيقياً بدراسة صورة الآخر.
يمهد البرغوثي لكتابته باستعارة طريفة عن منظري النقد الأدبي في العالم العربي، ويرى أنهم “ينسخون النظريات الغربية بأعين نصف مغمضة ويرتدون قبعات الكاوبوي فوق قمباز العروبة. (استعارة القبعة هذه ممجوجة ومكررة. كيف ترد على خاطري الآن؟) (ص17) ويتابع البرغوثي كتابته عن رؤية الإسرائيلي:
“هذا أول جندي إسرائيلي يطل بقبعة المتدينين. هذه قبعة واقعية وليست استعارة بلاغية. بندقيته تبدو لي أطول من قامته”.
بقدر من الموضوعية يتابع البرغوثي كتابته: “لم أستطع التأكد من مشاعره، وجهه لا ينبئ بما يفكر فيه. نظرت إليه كالناظر إلى باب مغلق..” (ص17) ويتخيل البرغوثي بما يمكن أن يكون داخل هذا الجندي: “للحظة بدا لي أنه يقف وقفة موظف ضجر وملول. لا. إنه متوتر ومتحفز” ولكن البرغوثي سرعان ما يتدارك: “أم هذه حالتي أنا أسقطها عليه؟” وتساؤل البرغوثي مهم جداً في معالجة النصوص التي صورت الآخر، ومنها من أدب العائدين، قصة محمود شقير “شاربا مردخاي وقطط زوجته” (2004) التي سأعود إليها.
من هو هذا الجندي؟ إنه ليس غامضاً على الإطلاق، فبندقيته شديدة اللمعان هي تاريخ مريد البرغوثي الشخصي وتاريخ غربته: “بندقيته هي التي أخذت منا أرض القصيدة وتركت لنا قصيدة الأرض. في قبضته تراب، وفي قبضتنا سراب” (ص19).
حقاً كم هم حاضرون في نصوصنا الأدبية حتى دون أن يذكرهم الشعراء؟
اليهودي هذا الذي أخذ من الفلسطيني أرض القصيدة وتراب فلسطين، ملتبس من ناحية أخرى، فهل جاء أبواه من ساخسن هاوزن أم من داخار؟ أم أنه مستوطن جاء حديثاً من بروكلين؟ وسط أوروبا، شمال افريقيا. أميركا اللاتينية؟ هل هو منشق روسي مهاجر، هل ولد هنا ووجد نفسه هنا دون أن يتأمل لماذا هو هنا؟ وهل قتل منا أحداً في حروب دولته أو في انتفاضاتنا المسلحة. وتذكر أسئلة البرغوثي هذه قارئ أشعار محمود درويش بقصائده المبكرة: جندي يحلم بالزنابق البيضاء والكتابة على ضوء بندقية، وعندما يبتعد أيضاً، وسيعود درويش ليكتب العديد من القصائد في هذا الجندي في ديوانه “حالة حصار” (2002) وغالباً ما يبدأ القصيدة بإهداء: “إلى قاتل”، وكنت توقفت مطولاً أمام صورة اليهود في أشعار محمود درويش في كتابات عديدة.
إن أسئلة البرغوثي اللاحقة: هل هو مستعد للقتل بتلذذ أم أنه يقوم بواجب العسكري الذي لا مفر منه؟ تعيدنا حقاً إلى “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” وإلى إجابات هذا الجندي على أسئلة الشاعر/ درويش. كما تذكرنا بالجندي (سيمون) في “الكتابة على ضوء بندقية”. وكما ذكرت وأنا أكتب عن أدب العائدين وأدب المقيمين وسؤال التشابه والاختلاف، أعود وأذكر: لقد عاد بعض الأدباء العائدين ومروا بالتجربة نفسها التي كان مر بها الأدباء المقيمون، ومن هنا تشابهت الكتابة والأسئلة.
ولا يكتفي البرغوثي بأسئلته السابقة، بل يضيف إليها أسئلة تتعلق بجانبين مهمين من جوانب الكتابة عن صورة الآخر، وهما: كيف يتصور، هو نفسه، نفسه، وكيف يتصور الفلسطينيين؟” هل هناك من امتحن إنسانيته الفردية؟ هل هو مؤهل للانتباه إلى إنسانيتي؟ إنسانية الفلسطينيين الذين يمرون تحت ظل بندقيته اللامعة كل يوم؟ (ص20).
غسان زقطان في روايته يرى الجنود على الجسر مجموعة من المراهقين الديوك ومراهقات كئيبات ونافدات الصبر يمثلون امبراطورية شرسة ومحتلة” (ص38) والسارد قادر على احتمالهم ما دام مؤمناً بأنهم سيرحلون ذات يوم، وهذه الفكرة جعلتهم، له، بعيدين دون ملامح خاصة، فقد كانوا متشابهين، بمن فيهم الفتاة الأثيوبية (الفلاشا) التي تبدو أقرب إلى الغوارنة من أبناء أريحا.
مردخاي، في قصة محمود شقير، خلافاً لسارد قصته، “ليس إلها لكي يعرف ما تخفيه سرائر الفلسطينيين” (ص27) وكتابة شقير هذه عن مردخاي تجعلنا نسائل سارده هو الذي يبدو إلهاً، بل وتجعلنا نسائل صورة اليهودي في الأدبين الفلسطيني والعربي، ومدى إقناعها لنا.
إن سارد شقير يدخل إلى غرفة نوم بطله، بل وإلى سريره وأكثر، ولعلّ عبارة شقير عن بطله هي الأكثر إقناعاً.
مردخاي جندي متقاعد، وهو فوق الخمسين، ويقيم في تل أبيب وله ولدان يقيمان بعيداً عنه، ويريد أن يخدم الدولة فيعود إلى الجندية، ويقف على حاجز قلنديا، ويريد أن يتعاطف مع الفلسطينيين، لكن أمن الدولة أهم، وحين يرى عربياً يضم فتاة يهودية يقول: “على الدولة أن تسن قانوناً يمنع زواج اليهوديات من أولاد العرب”.
وأعتقد أن الموضوع يستحق كتابة أكثر تفصيلاً!!

شاهد أيضاً

الرئيس أبو مازن داهية العرب

بقلم: د. رمزي النجار لم يعد للمزاودين والمشككين في سياسة الرئيس ابو مازن أي مبرر …

اترك رد

Translate »