تمرير الاستيطان-(افتتاحية جريدة الخليج)

يستميت الغرب دفاعاً عن الكيان الصهيوني ،حتى حينما تغضبه تصرفات بعض مسؤوليه الخرقاء. الغضب من الأساليب الخرقاء شيء والانسجام مع جوهر سياسات الكيان شيء آخر. جوهر سياسة الكيان تقوم على اغتصاب الأرض، وسلب الحقوق، وتشريد الفلسطينيين واضطهادهم.. وهذه قائمة لا تتخلف أبداً. وهي التي أجبرت السلطة الفلسطينية على أن تمتنع عن التفاوض بينما هي مستمرة. لقد اتضح للفلسطينيين أن المفاوضات أصبحت أداة لتمرير الاستيطان. لم يرفضوا المفاوضات لكنهم رفضوا أن تكون غطاء لضياع حقوقهم وسلب أرضهم. يأتي الآن وزير الخارجية الفرنسي فابيوس بمبادرة لاستئناف المفاوضات، وهو يبرر المبادرة بالحاجة الملحة لذلك.
لمن هذه الحاجة الملحة؟ ليست للفلسطينيين بالتأكيد، لأنهم إن لم يدخلوا المفاوضات فإن الاستيطان مستمر، وإن دخلوها فالاستيطان متواصل. الفارق أن العالم يرى الانتهاكات «الإسرائيلية» في الحالة الأولى بشكل أقوى، ويتعامى عنها في ظل المفاوضات. الكيان الصهيوني بحاجة لمن ينقذه في غياب المفاوضات؛ ذلك أن العالم أصبح يضج من الاستهتار «الإسرائيلي» ويدين أعماله، ويستنكر تصرفاته.
لم يعد الاستنكار محصوراً بالدول غير الغربية، بل وصل التحدي لسياسات الكيان الصهيوني إلى قلب الغرب. فالكثير من المنظمات الإنسانية والمفكرين والناشطين السياسيين بات يعمل بلا هوادة من أجل محاصرة الكيان اقتصادياً وسياسياً ومعنوياً وأخلاقياً. لقد أضحى الكيان بفعل عمل الكثير من الشرفاء في العالم مثالاً حياً للعنصرية، ونموذجاً قبيحاً لانتهاك حقوق البشر. ومن يناصر الكيان من سياسيي الغرب يدرك أن هذا يشكل خطراً كبيراً على الكيان. فهو إن أصبح نموذج الشر في العالم فلن تنفعه قوته العسكرية، ولن يفيده بطشه، ولن ينقذه وقوف الحكومات الغربية إلى جانبه. وهذه الحكومات أصبحت بممالأتها للكيان تتعرى أمام العالم بأنها ليست أكثر من مدعية للديمقراطية، ومتبجحة بحقوق الإنسان.
ولهذا يلهث الغرب من أجل إنقاذ الكيان، فإن لم يستطع بردع سفاهة المسؤولين فيه، فهو يحاول تضليل الفلسطينيين والعرب.لو كان وزير الخارجية الفرنسي يرى إلحاحاً في تحقيق السلام فسيراه فعلاً في إنهاء الاحتلال وفي بناء المستوطنات التي تمنع أي اتفاق، وليس في جدول المفاوضات الزمني. فما قيمة الجدول الزمني إن كان شهراً أو سنة أو عشرسنوات إذا استمر الاستيطان خلاله. جوهر المشكلة هو الاستيطان الذي يجعل قيام دولة فلسطينية ذات معنى مستحيلاً.الغرب ما زال على حاله لا يتصور أن مناوراته مكشوفة، لأنه ما زال يشعر بالاستعلاء ويظن أنه بالمفاوضات يستطيع أن ينقذ الكيان من الاستحقاقات الدولية، وبها يمكنه أن يغيّب الحقوق الفلسطينية، وبها يستطيع أن يجمّل صورة الغرب الذي يحمي البطش «الإسرائيلي» ويدعم انتهاك القوانين الدولية.

شاهد أيضاً

الرئيس أبو مازن داهية العرب

بقلم: د. رمزي النجار لم يعد للمزاودين والمشككين في سياسة الرئيس ابو مازن أي مبرر …

اترك رد

Translate »