كتاب غربى يكشف: الإخوان حصلوا على أموال من النازى

ما الذي جري؟ لماذا قفزت ألمانيا هكذا فجأة إلي صدارة الأخبار المتعلقة بمصر في الأيام الأخيرة؟ لماذا كل هذه العواصف والصياح والصخب والضجيج القادم من برلين؟

ما كل هذه الإثارة التي يثيرها أنصار جماعة الإخوان الإرهابية هناك؟ رأيناهم يحاولون التشويش علي زيارة رئيس مصر عبد الفتاح السيسي قبل أسابيع إلي ألمانيا, وسمعناهم يقيمون الدنيا فلا يقعدونها عندما حاولت مصر تطبيق قانونها علي أحد مواطنيها, الإعلامي الإخواني بقناة الجزيرة أحمد منصور, واستعادته, وهو الصادرة بحقه أحكام قضائية.
.. وكان السؤال: لماذا ألمانيا تحديدا؟ وما السر في ارتفاع صوت الإخوان هناك هكذا؟ ولماذا- كلما همس الإخوان الهمسة, أو أشاروا ولو إشارة صغيرة بأصبع اليد الصغير- تنتفض وسائل الإعلام الألمانية كل هذه الانتفاضات العنترية التي تصم الآذان؟ هل الإخوان فعلا أقوياء إلي هذا الحد في ألمانيا, أم أن في الأمور أمورا أخري خافية لا نعرفها؟ ما الحكاية بالضبط؟
الحقيقة أن للقصة بداية, وللشجرة جذورا تفرعت, وصدق أو لا تصدق, فإن الجذور تعود إلي أيام النازي قبل سبعين عاما من الآن أو يزيد. نعم.. تعود الجذور إلي أيام ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي, عندما حكم هتلر بلاده, فقادها إلي حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس, وانتهي به المآل إلي ما نعرفه جميعا.
والقصة سيحكيها لنا كتاب, والكتاب غربي, صدر قبل خمس سنوات بالإنجليزية, وصدرت ترجمته العربية قبل عدة أسابيع- للمترجم أحمد جمال أبو الليل- عن دار نشر سطور الجديدة. والمؤلف صحفي كندي الأصل اسمه إين جونسون. وعندما تقرأ الكتاب ستعرف الحدوتة; حدوتة نشأة التنظيم الدولي للإخوان, ولماذا ألمانيا تحديدا, وكيف كانت البداية مسجدا في مدينة ميونيخ الألمانية, تصارعت علي إدارته رموز عديدة من المنتمين إلي الإسلام السياسي من كل أقطاب الأرض. الإسلامية.
.. وبادئ ذي بدء, فإن عنوان الكتاب يشي بما سوف تقرؤه فيه.. ألا يقولون الكتاب يبان من عنوانه؟ الكتاب الذي بين أيدينا عنوانه مسجد في ميونيخ.. النازيون.. وكالة الاستخبارات المركزية.. وبزوغ نجم الإخوان المسلمين في الغرب. لاحظ سيادتك كم كلمة يتضمنها العنوان,13 كلمة.. فهل شعرت من العنوان بشيء ما؟ نعم.. إنه ذلك الربط بين عناصر ثلاثة, هي: النازية والمخابرات الأمريكية والإخوان.. فما هو يا تري الذي جمع بينها؟ إنه مسجد ميونيخ( وميونيخ إن كنت لا تدري هي قلب ألمانيا!)
يقول المؤلف_ إين جونسون- في مقدمة كتابه إن التنظيم الإسلامي الأبرز هو جماعة الإخوان.. تلك الجماعة التي جعلت مسجد ميونيخ خلية سياسية لخدمة أهدافها ومآربها.. وفي الغالب الأعم, فقد تولد الجانب الأكبر من أنشطة الجماعة في الغرب جراء ممارسة حفنة قليلة من أناس عهدت إليهم مهمة إدارة المسجد( مسجد ميونيخ). لقد كانت ميونيخ نقطة انطلاق تلك الجماعة وتوغلها في داخل المجتمعات الغربية.

النازي والمسلمون الروس
في الفصل الأول من الكتاب, يعود بنا المؤلف إلي البدايات; إلي هناك, إلي الاتحاد السوفييتي في عام1941 عندما كانت الحرب العالمية الثانية علي أشدها بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي الشيوعي. ويكشف لنا جونسون كيف أن وحشية نظام ستالين جعلت الأقليات المسلمة التي استعبدها السوفييت هي الأكثر غضبا علي السوفييت, والراغبة في سقوط هذا النظام. وفي تلك اللحظة سوف تجتمع مجموعة من مناهضي الشيوعية في ميونيخ لتنظيم صفوفها, وستكون للإسلاميين في الخطة أدوار ومهام. نعم.. فمن الآن وصاعدا, سيكون الإسلاميون أداة من أدوات الغرب في تصديه للشيوعية. وينتهي بنا هذا الفصل من الكتاب إلي خلاصة مؤداها أن ألمانيا النازية استعانت بمسلمي الاتحاد السوفييتي في حربها ضد الشيوعية, بل ويؤكد المؤلف أن هتلر كان مفتونا بالمسلمين الروس, وبارك بقوة ضرورة الاستفادة منهم واستخدامهم لتحقيق المآرب النازية.
وفي الفصل الثاني, يأخذنا المؤلف إلي شخصية ألمانية ستلعب دورا كبيرا فيما بعد في وضع الخطط لاستخدام مسلمي الاتحاد السوفييتي في الحرب ضد الشيوعية. إنه الباحث الأكاديمي النازي الدكتور جرهارد فون منده, الذي يصفه الكاتب بأنه كان شديد الكراهية لليهود, ومعاديا للسامية, وأحد الذين وضعوا خطة الهولوكوست- أي إبادة اليهود. ويقول المؤلف إن البلاشفة السوفييت أعطوا دفعة هائلة لانتشار وتمدد اليهود عندهم في روسيا, وإن فون منده كان يري أن اليهود انتهازيون بطبعهم, وأن خطر اليهودية الأساسي علي الشعوب الأخري يكمن في أنها- أي اليهودية- لا تقارن بالدولة, بل إن اليهود يرون أنفسهم فوق أي دولة يعيشون فيها.. أي أن لهم ارتباطات فوق قومية. ومن هنا, وبسبب كراهية فون منده اليهود, فقد احتضن المسلمين السوفييت. وهنا يوضح الكتاب أن التعاون بدأ منذ هذه اللحظة بين فون منده والشيخ أمين الحسيني مفتي القدس في فلسطين.

وزارة الأقاليم الشرقية
في الفصل الثالث, سنقرأ عن الـ أوستمنستريوم.. وهي وزارة الرايخ للأقاليم الشرقية المحتلة, وكان مقرها السفارة اليوغوسلافية في برلين, الذي كان النازيون قد صادروه عام1942 بعد اجتياحهم واحتلالهم دولة يوغوسلافيا خلال الحرب. وقد رأس هذه الوزارة أحد أصدقاء هتلر هو ألفريد روزنبرج, الذي كان متعاطفا مع الأقليات غير الروسية بالاتحاد السوفييتي, وقد تولي فون منده الإشراف علي إحدي أهم إدارات الوزارة وهي إدارة القوقاز. وينتهي هذا الفصل إلي خلاصة هي أن ألمانيا النازية هي أول من بدأ في تشكيل المنظمات والتكوينات المسلمة.. ثم- وبعد سقوط النازية- تسلمت المخابرات المركزية الأمريكية اللواء, واستكملت عمليات التجنيد, وأصبح أبناء العم سام هم الأصدقاء الجدد للمسلمين!
ثم في الفصل الرابع, يشرح المؤلف إين جونسون كيف أن ميونيخ أصبحت مركزا لإدارة معظم أنشطة الدعاية الأمريكية الموجهة للعالم الإسلامي, وذلك من خلال ما عرف آنذاك بالحرب السيكولوجية, والتي كانت تعني الصراع من أجل السيطرة علي إرادة البشر وعقولهم, والتأثير علي الرأي العام. وهنا يورد المؤلف أن واشنطن أنفقت علي تلك الأنشطة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي نحو نصف مليار دولار( بأسعار هذه الفترة). وقد استعانت المخابرات الأمريكية بخبرة فون منده الواسعة عن الأقليات المسلمة في الاتحاد السوفييتي, كما أنشأت راديو أوروبا الحرة, الذي كان بمثابة الذراع الدعائية للمخابرات الأمريكية ضد الاتحاد السوفييتي.

أموال هتلر والتنظيم الخاص!
في الفصول التالية للكتاب, يستعرض المؤلف كيف تبارت القوتان العظميان- أمريكا والاتحاد السوفييتي- في الخمسينيات من القرن الماضي لاستمالة المسلمين, لاستخدامهم كسلاح في الحرب الباردة التي اشتعلت بينهما.. إلي أن نصل إلي الفصل الثامن!
هنا.. في هذا الفصل, يبدأ المؤلف تناوله لجماعة الإخوان المسلمين, التي أسسها حسن البنا في عام1928 وفي ص194 سنجد المؤلف يكتب قائلا:لقد ذهبت جماعة الإخوان أشواطا بعيدة, إلي الحد الذي قبلت معه أموالا من العملاء النازيين, فوفقا لمستندات تحصل عليها البريطانيون, في بواكير الحرب العالمية الثانية, فقد حصلت الإخوان علي مبلغ ألفي جنيه مصري من الصحفي الألماني فيلهلم شتيلبوغن مدير وكالة الأنباء الألمانية المقرب من الجالية الألمانية بالقاهرة.. وتم استخدام هذا التمويل النازي في تأسيس التنظيم الخاص لجماعة الإخوان.. وهذا التنظيم- كما يصفه الكتاب- هو نظام تراتبي شبه عسكري, فلم يكن مفهوم الجماعة الدينية ذات الجناح العسكري غريبا مطلقا عن حسن البنا.. إذ أظهرت الجماعة نفسها منذ البداية علي أنها تنظيم يمكنه النزول إلي الشارع وحشد المظاهرات, بل والقيام بمناوشات قتالية.

سعيد رمضان
ينتقل المؤلف بعد ذلك للحديث عن شخصية مهمة جدا في تاريخ العلاقة بين الإخوان المسلمين والغرب, هو الدكتور سعيد رمضان, الذي تخرج في كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول( جامعة القاهرة حاليا) في عام1946 والذي اختاره حسن البنا ليكون مستشاره الخاص, وزوجه ابنته أم أيمن. وسعيد رمضان هو والد المفكر المصري المرموق الذي يعيش في الغرب حاليا الدكتور طارق رمضان. ويقول الكتاب إنه في عام1949 كان كل من سعيد رمضان والشيخ أمين الحسيني مفتي القدس رأسي حربة لتوحيد جهود النشطاء الإسلاميين في الخارج. ويشير المؤلف إلي أن اللقاء الأول بين الأمريكيين وسعيد رمضان تم في صيف1953 في مؤتمر إسلامي استضافته جامعة برنستون الأمريكية, ودارت فيه مناقشات حول توظيف الدين في العلاقات الدولية, وقد مولت المؤتمر الوكالة الأمريكية للمعلومات وجامعة برنستون ومكتبة الكونجرس ووزارة الخارجية الأمريكية, ثم توالت لقاءات رمضان بعد ذلك مع الأمريكيين.

الإخوان والأمريكان
في الفصل التاسع يقول المؤلف إنه خلال الولاية الثانية من حكم الرئيس أيزنهاور قررت الإدارة الأمريكية أن تكون أكثر جدية في تناولها لقضية الإسلام, وتم الاتفاق داخل وكالة الاستخبارات المركزية وغيرها علي تبني الإسلام كسلاح ضد المد الشيوعي. وكانت الخطة التي تم التوصل إليها ذات مكونين رئيسيين; الأول ذهب إلي ضرورة تجنب الولايات المتحدة للمسلمين التقليديين, والتعامل- كبديل عن ذلك- مع جماعات الإصلاح, من أمثال جماعة الإخوان المسلمين, والمكون الثاني, تبني برامج لتقوية شوكة تلك الجماعات التقدمية.. غير أن المؤلف لا يجزم هنا بما إذا كانت المخابرات الأمريكية قد قدمت تمويلا لسعيد رمضان أم لا.. وإن كانت الولايات المتحدة قد وفرت له جواز سفر أردنيا يتيح له الارتحال إلي أوروبا. وقد زعمت المخابرات السويسرية أنه كان جاسوسا أمريكيا, لكن ذلك يبقي مجرد زعم! وقد أصبح سعيد رمضان فيما بعد رئيس مجلس إدارة اللجنة المشرفة علي بناء مسجد ميونيخ.
ويقول المؤلف في ص275 إن سعيد رمضان قام في مارس1962 بتوحيد الطلبة المسلمين في ألمانيا تحت لواء ما سمي آنئذ بمجلس الجمعيات الإسلامية, حيث كان يسعي إلي تكوين كادر إسلامي أفضل, مما استدعي التواصل مع طلبة صغيري السن, كما اضطلع رمضان بدور كبير في إرساء رابطة العالم الإسلامي, وقاد بنفسه جناح السلفيين الجدد, وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين.. وهكذا نجح سعيد رمضان في تدويل مسلمي ميونيخ.. وأيضا مسجد ميونيخ. ويذكر الكتاب أن تحليلا للمخابرات الأمريكية ذهب إلي أن رمضان كان يحشد النفوذ, ليس لمجابهة الشيوعية, بل لنشر رؤية الإخوان عن الإسلام. ويقول المؤلف: رمضان لم يكن راغبا في مجرد جماعة مظلية, بل كان يصبو إلي خلية هادرة!
ويشير المؤلف في صفحة298 إلي أن جماعة الإخوان أفادت من موطئ القدم الذي أتاحته لهم ألمانيا الغربية والاستخبارات الأمريكية.. وعمدت بتؤدة وهدوء إلي تحويل مسجد ميونيخ إلي قاعدة انطلاق لاختراق العالم الغربي.

أسطورة يوسف ندا
يأخذنا الكتاب إلي محطة جديدة في حدوتة مسجد ميونيخ, وهي ظهور المصري يوسف ندا, الذي تخرج في كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية, والذي يصفه المؤلف بأنه كان مهندس جماعة الإخوان في الخارج.. وقد أمد هذا الإخواني المخضرم الجماعة داخل مصر بشبكة علاقات دولية واسعة النطاق. و استقر ندا في كانتون كامبيونا جنوب سويسرا, ولعقود ثلاثة لاحقة- بعد عقد الستينيات- سوف تتم إدارة شئون مسجد ميونيخ, وأيضا الشبكة مترامية الأطراف من المراكز الإسلامية في ألمانيا, من كانتون كامبيونا, كما أسهم ندا في ربط مسجد ميونيخ بشبكة الإخوان بالسعودية. ويختتم المؤلف فصله الثالث عشر بالقول إن ندا بطريقة أو بأخري- كان أكثر ثورية من سعيد رمضان.. ويقول إن التزاوج المتنامي بين البترودولارات( ممثلة في التمويل الخليجي) وإيديولوجية جماعة الإخوان قد أعد المشهد لتفشي الفكر الإسلاموي, ليس فقط علي امتداد العالم الإسلامي, بل في أرجاء العالم الغربي ايضا.
ويتحدث المؤلف بعد ذلك عن شخصية مهدي عاكف, المرشد السابق لجماعة الإخوان, فيقول إنه خلال الفترة من1984 إلي1987 كان عاكف إماما للمركز الإسلامي بـميونيخ( مسجد ميونيخ), وقد قاد عاكف ما سماه المؤلف ثورة غير مسبوقة في نشاط الجماعة علي امتداد القارة الأوروبية.
ويتناول الكتاب بعد ذلك ما جري في العالم الغربي, بعد تفجيرات11 سبتمبر2001 في نيويورك, وكيف أن أصابع الاتهام قد أشارت إلي شبكة الإخوان المسلمين الأوروبية. وهكذا بدأت الحكومة الأمريكية في البداية تكثف هجومها علي الجماعة, وأعلن المحققون ان بنك التقوي المملوك ليوسف ندا كان مضخة لتمويل الإرهاب, ثم عند وقوع الهجمات الإرهابية التي هزت كلا من لندن ومدريد, ثبت أن الشباب الذين تربوا علي أفكار وأيديولوجية الإخوان, وانجذبوا إلي رسالتها الطوباوية كانوا وراء التفجيرات. وعندما يتحدث الكتاب عن فرنسا فإنه يشير إلي أن اتحاد المنظمات الإسلامية باريس تربطه وشائج وصلات بجماعة الإخوان التي ينظر إليها في فرنسا علي أنها همزة الوصل بين المجتمع الفرنسي والمهاجرين المسلمين في الضواحي.
ويلفت الكتاب الانتباه إلي حقيقة مهمة, هي أن الاستراتيجية الأمريكية تغيرت بعد11 سبتمبر وفضلت التعامل مع الإخوان واستخدامهم, بالضبط كما سبق أن فعلت ألمانيا النازية مع المسلمين السوفييت.. وما أشبه الليلة بالبارحة!

شاهد أيضاً

“هيئة علماء الأزهر الشريف: القدس فلسطينية عربية إسلامية

أجمعت هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف على أن قرارات الرئيس الأميركي بخصوص مدينة القدس باطلة، …

اترك رد

Translate »