دول الخليج والنووي الإيراني: بين ثبات المبادئ وتغيُّر المصالح

ملخص

يسعى الباحث في هذه الورقة التحليلية إلى تسليط الضوء على خيارات دول الخليج في الموازنة بين مفهومي “المبادئ والمصالح”، اللذين يعتبران بمثابة مفاهيم حاكمة في العلوم السياسية ونظريات العلاقات الدولية؛ حيث يشهد العالم العربي بشكلٍ عام، ومنطقة الخليج بشكلٍ خاص، تغيرات جيوسياسية معقدة ومتسارعة منذ بداية العقد الثاني من الألفية؛ حيث انطلاقة ما بات يُعرف بثورات الربيع العربي، وتداعيات استبداد الأنظمة الحاكمة في عددٍ من الدول العربية التي هزَّها زلزال التغيير ما أدّى إلى نشوء تنظيمات وجماعات متطرفة وجدت لها حواضن شعبية خصبة في مساحات شاسعة من المناطق التي سيطرت عليها.

ويجادل الباحث في اختلاف الأولويات بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج حول معالجة بعض قضايا وملفات المنطقة؛ حيث تَعتبر الولايات المتحدة أن محاربة الإرهاب هي أولويتها التي لا يسبقها شيئ، بينما تعتبر دول الخليج أن أولويتها تكمن في القضاء على المسبِّبات “البذور” التي أدَّت إلى نشوء هذا الإرهاب وبزوغ جماعات جهادية متشددة، وأهم تلك المسبِّبات الأنظمة الدكتاتورية في بعض الدول العربية لاسيما في سوريا، والفتنة الطائفية التي تذكيها إيران في حربها بالوكالة في كل من سوريا والعراق واليمن.
ويخلص الباحث إلى أن للأزمة مخارج، منها أن تعي إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أن عليها ترجمة أقوالها إلى أفعال من خلال توقيع اتفاقيات دفاعية وأمنية مكتوبة مع دول الخليج العربية؛ ما يضمن توازنًا في المنطقة وعدم ترجيح كفة طرف على حساب كفة الطرف الآخر.

كما يرى الباحث أنه يمكن إحداث اختراق لتسوية تؤدي إلى إحلال نوعٍ من الاستقرار في المنطقة، وذلك من خلال دخول دول الخليج مجتمعة مع إيران -أحد أطراف الأزمة- في حوارٍ مفتوحٍ يناقش قضايا المنطقة، وهذا احتمال يصعب تحقيقه في الحقبة الحالية نظرًا لعدم توفر المناخ المناسب وارتفاع نسبة الاحتقان بين الفرقاء. وعليه، سيكون لزامًا على الولايات المتحدة أن تلعب دور العرَّاب في مفاوضاتها الجارية مع إيران حول ملف الأخيرة النووي، من أجل التوصل إلى حلول سياسية في مناطق الأزمات، لاسيما في سوريا والعراق واليمن، وذلك قبل التوصُّل إلى توقيع الاتفاق النووي المتوقَّع في أواخر شهر يونيو/حزيران 2015. وهذا السيناريو -الممكن ترجيحه- يمكن حدوثه في حال أرادت الإدارة الأميركية الحالية تحقيق تقدُّم حقيقي في مسار إحلال الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
مقدمة
تواجه دول الخليج تحديات صعبة وخيارات معقدة خلال العقد الأخير، خاصة مع اندلاع ثورات الربيع العربي، والتطورات متلاحقة الصلة ببرنامج طهران النووي.
حيث فرضت التطورات الإقليمية المتلاحقة على دول مجلس التعاون الخليجي معضلة بالغة الأهمية، تتمثل في كيفية الموازنة بين مفهومي “المبادئ” و”المصالح” في تعاملاتها الخارجية، وخاصة مع قضايا وملفات تمسّ أمنها واستقرارها الداخلي.
كما شهدت المملكة العربية السعودية -كبرى الدول الخليجية- تحولات كبيرة على مستوى هرم السلطة بصعود الجيل الثالث إلى الصفوف المتقدمة في مؤسسة الحكم عقب تولِّي الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الأمور في 23 يناير/كانون الثاني 2015، وتعيينه اثنين من أحفاد الملك المؤسِّس في مواقع مفصليّة، وهما: الأمير محمد بن نايف في منصب ولي العهد ووزير الداخلية والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، والأمير محمد بن سلمان في منصب وليّ وليّ العهد ووزير الدفاع والنائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وهو ما يعني مزيدًا من المبادرة في صنع القرار السعودي.
ولا شك في أن هذه التطورات المتزامنة تثير التساؤل حول الكيفية التي ستوازن بها دول الخليج بين كِفّتَي المبادئ والمصالح خلال المرحلة المقبلة.

مشهد إقليمي ملتهب: من ثورات الربيع العربي إلى نووي إيران
يشهد العالم العربي بشكلٍ عام، ومنطقة الخليج بشكلٍ خاص، تغيرات جيوسياسية معقدة ومتسارعة منذ بداية العقد الثاني من الألفية. ولعلّ انطلاقة شرارة الربيع العربي من أقصى شمال إفريقيا وتحوُّلها لاحقًا إلى بركانٍ ثائر في عددٍ من الدول العربية في المغرب والمشرق على السواء، كان نقطة بداية تلك التحولات والاضطرابات التي تشهدها المنطقة.
وليس هناك من خلاف على أن السبب الرئيسي وراء اندلاع الثورات العربية هو شعور المواطن -في الدول التي مسّها نصيبٌ من لهب بركان الثورات- بامتهان أبسط حقوقه في العيش الكريم والحرية والكرامة، ورفضه للقمع والاستبداد الذي مارسته عليه طيلة عقود سلسلةٌ من الأنظمة الديكتاتورية التي حكمت -ولا تزال- بقبضةٍ من حديد؛ من أجل تثبيت دعائم حكمها كهدفٍ تسعى للوصول إليه.
لقد أدت تلك الاضطرابات في العالم العربي إلى إحداث هوّةٍ عميقة وفراغٍ كبير، لاسيما بعد أن ضرب عددًا من الدول العربية الكبرى كمصر والعراق وسوريا زلزالُ التغيير؛ حيث انتفضت شريحة كبيرة من شعوب تلك الدول في وجه حكامها المستبدين. بينما كانت المملكة العربية السعودية خلال الفترة 2011- 2014 منشغلة بترتيب بيتها الداخلي، وحسم مسألة الخلافة في سلالة الملك المؤسِّس عبد العزيز آل سعود، والتوسُّع في إجراء إصلاحاتٍ داخلية(1)، إلى أن وصل الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سُدّة الحكم في 23 يناير/كانون الثاني 2015، وأحدث تغييرًا جذريًّا في أسلوب إدارة حكم البلاد، لاسيما بعد أن أدخل الجيل الثالث (جيل الأحفاد) إلى الصفوف الأولى في مؤسسة الحكم، وذلك بتعيينه ابن أخيه الأمير محمد بن نايف وليًّا للعهد ووزيرًا للداخلية، وابنه الأمير محمد بن سلمان وليًّا لوليّ العهد ووزيرًا للدفاع، وكلاهما من جيل الشباب.
ومع اقتراب جيل “الأحفاد” في المملكة العربية السعودية من قمة هرم السلطة، بدا واضحًا أن المرحلة التي يعيشها العالم العربي اليوم يمكن أن نُطلق عليها بحق “حقبة الخليج”؛ وهذا يعني أن القيادة في هذه المرحلة هي قيادة سعودية بدعمٍ غير محدود من أشقائها في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
لقد تم ترجمة ذلك فعليًّا من خلال تشكيل السعودية خلال فترةٍ زمنيةٍ قياسية تحالفًا عربيًّا إسلاميًّا ضمَّ عددًا من الدول، وأخذ زمام المبادرة بإعلان عملية “عاصفة الحزم” في اليمن على جماعة الحوثي المدعومة من إيران والميليشيات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، التي استولت على مفاصل الدولة اليمنية وأعلنت انقلابها على الشرعية الدستورية في البلاد، ما سيهدِّد الأمن الوطني لدول الجوار، لاسيما أمن المملكة العربية السعودية، وسيُحدث اضطرابًا إقليميًّا ودوليًّا.
يأتي ذلك بالتزامن مع تسارع وتيرة المفاوضات بين إيران من جهة ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا) من جهة أخرى؛ للتوصل إلى اتفاق بين الطرفين بشأن ملف طهران النووي قبل نهاية شهر يونيو/حزيران الجاري، أو ربما في أوائل شهر يوليو/ تموز 2015 في حال تم تمديد المفاوضات.
هذا الحدث عدَّته دول الخليج العربية بمثابة تقارب غير مسبوق بين واشنطن وطهران “الثورة الإسلامية” على حساب علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة الأميركية، بل ذهب بعض المحللين إلى قراءة امتعاض دول الخليج من قرب التوصل إلى اتفاق بين المجتمع الدولي وإيران بشأن ملف الأخيرة النووي، كمسبِّبٍ لدعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما نظراءه الخليجيين إلى قمة هي الأولى من نوعها في منتجع كامب ديفيد القريب من العاصمة واشنطن في 14 مايو/أيار 2015؛ لإطلاعهم على مسار المفاوضات مع الطرف الإيراني، والتأكيد لهم بأنهم سيبقون حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة، وإنْ تم توقيع الاتفاقية النووية مع طهران
يبدو أن مُخرَجات قمة كامب ديفيد لم تكن وَفْق تطلعات القادة الخليجيين، وإنْ أثنت البيانات الرسمية الصادرة من بعض دوائر صنع القرار في الدول الخليجية على نتائج تلك القمة؛ حيث من الواضح أن هناك بونًا شاسعًا بين أولويات الطرفين، فالولايات المتحدة ترى أن أهم أولوياتها يكمن فيما يُسمَّى بـ”الحرب على الإرهاب” من خلال القضاء على التنظيمات الجهادية المتشددة، وعلى رأسها داعش أو ما يُدعى “بالدولة الإسلامية”، بينما ترى دول الخليج أن الأولوية ينبغي أن تُولى للقضاء على المُسببات التي أدت إلى ظهور تلك التنظيمات. وبعبارةٍ أخرى، القضاء على الأنظمة الديكتاتورية التي تقمع الحريات في الوطن العربي، وتُقصِي بعضًا من مكوّنات نسيجها المجتمعي وفقًا لحسابات طائفيةٍ مقيتة كما يحدث في سوريا والعراق مثلًا.

الخليج والتحديات الأمنية المتعاظمة

تواجه دول الخليج العربية تحدياتٍ أمنية عديدة في الوقت الراهن، يمكن إجمالها فيما يلي:
• الدور الإيراني المتصاعد في إذكاء الصراع الطائفي في المنطقة، لاسيما في كلٍّ من العراق وسوريا واليمن، وكذلك محاولاتها إشاعة حالة من عدم الاستقرار في عددٍ من المناطق في بعض دول الخليج التي يتواجد فيها شريحة من المُكوّن الشيعي.
• التنظيمات الجهادية المتشددة، وعلى رأسها تنظيم داعش أو ما يُدعى “بالدولة الإسلامية” في كلٍّ من العراق وسوريا شمالًا، وخطر انتقاله إلى العمق الخليجي.
• الوضع الأمني المنفلت في اليمن جنوب شبه الجزيرة العربية، والاضطرار لانخراط دول الخليج في حربٍ مفتوحة على جماعة الحوثي والميليشيات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح بعد استيلائها على مؤسسات الدولة اليمنية، وتشكيلها تهديدًا مباشرًا على أمن المملكة العربية السعودية ودول الجوار الإقليمي.
• مستقبل التوازنات في المنطقة بعد توقيع اتفاق باتت معالمه تلوح في الأفق بين مجموعة 5+1 من جهة وإيران من جهةٍ أخرى، والخشية من أن يؤدي ذلك الاتفاق إلى ترجيح كفّة إيران على حساب كفة دول الخليج العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.
انطلاقًا من هذه التحديات، يبدو أن دول الخليج العربية تسعى ككتلة واحدة إلى المفاضلة بين مفهومي “المبادئ والمصالح”؛ لتحقيق أمنها وضمان استقرارها. فكفّة أيٍّ من المفهومين سترجّح: المبادئ أم المصالح؟
لا شك أن العلاقة التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة الأميركية هي علاقة استراتيجية تمتد لعقود طويلة(5)، ويمكن عدّها كواحدةٍ من أهم “المبادئ” الحاكمة التي تؤسِّس عليها الدول الخليجية استقرارَها وحفظ أمنها وضمان وحدتها وسيادة دولها.
ولكن تبقى المتغيرات الجيوسياسية على الأرض عاملًا رئيسيًّا في تفعيل مفهوم “المصالح” الذي تَبني عليه الدول -أيضًا- لتحقيق أمنها واستقرارها، وهذا ما يمكن رصده مؤخرًا من خلال تحركات المملكة العربية السعودية شرقًا نحو روسيا وشمالًا نحو فرنسا، دون أن يعني ذلك بأية حالٍ من الأحوال أن العلاقة مع الولايات المتحدة تحت خطر التهديد، وإنما يؤشِّر ذلك إلى أن لدول الخليج خياراتٍ أخرى يمكن أن تلجأ إليها في حال شعرت بأن فراغًا سيحلّ أو أن ترجيحًا لإحدى كفّتي الميزان سيتم على حسابها(6). بكلماتٍ أخرى، فإن تلك التحركات تؤشِّر على أن الدول الخليجية قادرة على بناء تحالفاتٍ -ولو مؤقتة- قائمة على تحقيق مصالحها فيما لو شعرت بأن اضطرابًا يمسّ علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية القائمة على مفهوم المبادئ.

بيئة إقليمية غير مواتية
شهدت المنطقة في السنوات الأخيرة، لاسيما منذ الاحتلال الأميركي للعراق في ربيع عام 2003، أجواءً طائفيةً محتقنة، وقد ازدادت هذه الأجواء احتقانًا بعد انفجار بركان ثورات الربيع العربي في عدد من الدول مطلع العام 2011، لاسيما في سوريا وكذلك في العراق الذي طالته مطالب شريحة واسعة من أبناء شعبه السُّنَّة بضرورة إحداث تغييرٍ وإصلاح وعدم إقصاء واحدٍ من أوسع مكوّناته الرئيسية.
وكانت إيران -ولا تزال- وراء إذكاء الفتن الطائفية في المنطقة، والعمل على تأجيج الصراعات والاقتتال بين المكوّن السني والمكوّن الشيعي في عددٍ من الدول العربية، وذلك باعتمادها أسلوب “الحرب بالوكالة” من خلال وكلائها المتمثلين بالميليشيات الشيعية التي تقاتل لحسابها في العراق وسوريا واليمن(7)، وكذلك من خلال بعض المجموعات التي تدعمها في عدد من دول الخليج العربية.
كما رافق ذلك، توفر بيئة غير مستقرة وغير آمنة نتيجة ظلم واستبداد الأنظمة الحاكمة في عدد من الدول العربية، ما وفّر بيئةً خصبة لنشوء جماعات جهادية متطرفة استطاعت أن تجد لها حاضنة شعبية في عددٍ من المناطق التي سيطرت عليها.
عليه، سيكون من الصعب -إنْ لم نقُلْ: من المستحيل- أن يتمكن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وتشارك فيه دول الخليج العربية تحت مسمى “الحرب على الإرهاب”، من تحقيق هدفه في القضاء على التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم “داعش”، لاسيما في كلٍّ من العراق وسوريا، في حال استمراره الاعتماد فقط على القصف الجوي لمواقع تلك التنظيمات؛ حيث لا ينبغي إغفال الحاضنة الشعبية التي استطاعت تلك التنظيمات تكوينها وكسب ولائها في عددٍ ليس باليسير من المناطق التي تسيطر عليها(8)، وبالتالي فإنَّ القضاء على عددٍ من الأفراد المنتسبين لتلك التنظيمات من خلال القصف جوًّا سيولد أعدادًا أخرى مُضاعفةً منبثقةً من الحواضن المجتمعية لتلك التنظيمات على الأرض.
من هنا تكمن أولوية القضاء على المسبِّبات التي أدت إلى نشوء تلك التنظيمات، والتي يمكن إجمالها في ثلاثيّة: “الظلم والاستبداد والإقصاء” التي مارستها -ولا تزال- بعض الأنظمة العربية على شعوبها؛ ما أدى إلى حالة احتقان في بعض المجتمعات تطورت لأنْ تصبح حالةً من الغلو والتشدد نتج عنها تلك التنظيمات المتطرفة التي نجحت -نسبيًّا- في إقناع شريحة من المجتمعات العربية بأنها “البديل والمخلِّص”. وهنا تجدر الإشارة إلى ما جاء في الرسالة التي وجّهها أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما في المقال الذي نشره في صحيفة New York Times قبل يومٍ من لقائهما في البيت الأبيض في 24 فبراير/شباط 2015، حيث جاء فيها: “إن معالجة الأسباب الجذرية للإرهاب تتطلب نهجًا أعمق وأكثر استراتيجية على المدى البعيد؛ للتعاطي مع هذه المشكلة. كما تتطلب -أيضًا- أن يتحلى القادة السياسيون بالشجاعة الكافية للتفاوض حول حلول تعددية وشاملة للنزاعات الإقليمية، ناهيك عن تقديم الطغاة للمحاسبة”.

دول الخليج واستراتيجية التوازن الإقليمي
تسعى دول الخليج العربية لتحقيق توازنات جيوسياسية واستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي الخليج بشكلٍ خاص؛ من أجل ضمان سيادتها واستقلال أراضيها وسلامة دولها. من أجل ذلك، فإنّ النِّديّة والتكافؤ مع القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة -وعلى رأسها إيران- هما هدفان رئيسيان لتلك الدول. عليه، فإذا ما أُجيز لإيران أن تمتلك الحقَّ في امتلاك القدرات النووية لأغراض سلميّة بموجب اتفاق يبدو أن الاحتفال بتوقيعه سيكون قريبًا، فلدول الخليج كل الحقّ بأن تسعى لامتلاك القدرات النووية لأغراضٍ سلميّة أيضًا؛ حتى يحدث التوازن المطلوب.
من هنا يمكن قراءة نتائج الزيارة التي قام بها مؤخرًا الأمير محمد بن سلمان، الرجل الثالث في هرم السلطة السعودية، وليّ ولي العهد ووزير الدفاع السعودي إلى روسيا، ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي، وتوقيع ست اتفاقيات استراتيجية، أهمها: التعاون في مجال الطاقة النووية وبناء 16 مفاعلًا نوويًّا للأغراض السلميّة في المملكة العربية السعودية، وتفعيل اللجنة المشتركة للتعاون العسكري بين البلدين، والتعاون في مجال الفضاء، والإسكان، والطاقة، وأخيرًا التعاون في الفرص الاستثمارية.
من الواضح أن المملكة العربية السعودية، ومنذ وصول جيل الشباب -أحفاد الملك المؤسِّس عبد العزيز آل سعود- إلى الصفوف الأولى في هرم السلطة، أصبحت تنهج دبلوماسيةً استباقيةً أكثر مبادرةً وانفتاحًا عمّا كانت عليه خلال العقد الأخير. وأصبح صانع القرار السعودي يميل إلى خيار تعدُّد التحالفات مع القوى الدولية والإقليمية وعدم حصرها أو اختزالها في تحالفٍ استراتيجي تقليدي واحد مع الولايات المتحدة الأميركية. وهذا يساعد في رصد مفهوم “المصالح” الذي تسعى السعودية وجيرانها من دول الخليج العربية إلى تطبيقه، والسعي إلى الوصول إليه من أجل حفظ أمنها وضمان استقرارها.
إنَّ ما دفع دول الخليج العربية إلى تفعيل مفهوم “المصالح”، أحد المفاهيم الحاكمة في العلاقات الدولية، وربما ترجيحه في المرحلة الحالية على مفهوم “المبادئ”، هو شعورها -وربما تأكُّدها- من أن الولايات المتحدة الأميركية باتت تسلك مسارًا تفضيليًّا يصبّ في مصلحة طرفٍ على حساب طرفٍ آخر، وذلك من خلال سعيها الحثيث وسباقها للزمن من أجل إبرام اتفاق نووي مع طهران قبل انقضاء ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما الثانية؛ ما سيؤدي في نهاية المطاف إلى ترجيح كفّة النِّدّ الإيراني على حساب كفة القوى الخليجية مجتمعة، الأمر الذي سينتج عنه -في حال حدوثه- هيمنة إيرانية في منطقةٍ تعجّ بالمتغيرات وعدم الاستقرار، وهذا ما لا يمكن أن تقبله دول الخليج. من هنا يبدو أن الرهان على تغيير مواقف وسياسات الإدارة الأميركية الحالية تجاه المنطقة، هو رهان في حكم الخاسر ما لم تعِ تلك الإدارة خطورة المسار الذي تسلكه.
ليس هناك أدنى شك من أن صانع القرار الأميركي يعلم أنّ حلفاءه الخليجيين ممتعضون من السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة في المنطقة منذ أكثر من عقدٍ من الزمن، وقد فاقم الفجوةَ بين الطرفين اختلافُ أولويات كلٍّ منهما منذ أن اندلعت شرارة الثورات العربية مطلع العقد الجاري، ومنذ أن بدأت واشنطن مفاوضاتها مع طهران بشأن الملف النووي لهذه الأخيرة، دون إشراك دول الخليج العربية التي تعتبر طرفًا رئيسيًّا في معادلة التوازنات في المنطقة. وعليه، فمن المنطقي أن يتم ردم تلك الفجوة التي قد تتركها الولايات المتحدة في المنطقة من خلال قوى دولية أخرى قادمة من الشرق أو من الشمال، وهي لا تزال في طور التشكُّل خلال هذه المرحلة التي تتصدر فيها المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج العربية الأخرى موقع الصدارة فيما يتعلق بمعالجة عددٍ من الملفات الإقليمية في المنطقة، لاسيما منذ الإعلان عن إطلاق عملية “عاصفة الحزم” في 26 مارس/آذار 2015.

مخارج الأزمة
بناء على ما تقدَّم، يبدو أن ثمة أزمة ثقة عميقة بين دول الخليج من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهةٍ أخرى، لاسيما على خلفية المفاوضات الجارية بين إيران ومجموعة دول “5+1” بشأن ملف طهران النووي.

قد يكون من الممكن تخطِّي هذه الأزمة وتضييق الهوّة بين الطرفين في حال توصَّلا إلى التالي:
• عقد اتفاقية دفاع شاملة “مكتوبة” بين دول الخليج ككتلة واحدة ممثلةً بمنظومة مجلس التعاون الخليجي من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، على أن تضمن هذه الاتفاقية الدفاعية مساندة الولايات المتحدة لدول الخليج في حال حدوث أي تهديد يمسّ سيادتها أو استقلاها أو سلامة أراضيها.
• عقد اتفاقية أمنية شاملة “مكتوبة” بين الطرفين تضمن تقديم الدعم الفعّال لدول الخليج في حال حدوث أي أزمة داخلية في إحدى دول المنظومة، يكون أحد التنظيمات المتطرفة طرفًا فيها.
• تعزيز الكفاءة الذاتية والقدرة النوعية لقوات دفاع دول الخليج العربية.
• تعزيز تعاون دول الخليج العربية مع حلف الناتو، وتفعيل علاقة الطرفين وَفْق آليةٍ تتخطى حدود مبادرة إسطنبول.

معادلة التسوية ورهاناتها
ينبغي التسليم بأن إيران هي جزء من إشكالية التوترات في المنطقة العربية، من لبنان وسوريا شمالًا إلى اليمن جنوبًا، مرورًا بالعراق، وبحكم الجغرافيا السياسية فإنه لن يكون مرجّحًا التوصُّل إلى حلول دبلوماسية وسياسية في مناطق التوترات والصراعات في المنطقة، دون أن تكون إيران طرفًا في معادلة التسوية.
عليه، يمكن تصور أحد السيناريوهين التاليين:

السيناريو الأول: يقوم على فكرة أن يدخل كلٌّ من إيران ودول الخليج مجتمعةً في حوارٍ مباشر لمناقشة قضايا المنطقة، ومحاولة التوصل إلى حلول وتسويات تُرضي جميع الأطراف دون ترجيح كفة طرف على حساب الطرف الآخر.
ولا يختلف اثنان على أن إيران أصبحت فاعلًا رئيسيًّا في كلٍّ من لبنان وسوريا والعراق واليمن، وبالتالي سيكون ضروريًّا أخذ تلك المعطيات بعين الاعتبار والتسليم بأن حلًّا دبلوماسيًّا لن يتحقق دون إشراك إيران بالعملية السياسية. قد يكون هذا السيناريو مستبعد الحدوث في الوقت الراهن؛ نظرًا لأنّ البيئة والمناخ غير موائمين بالنظر إلى حالة الاحتقان التي تسود الأجواء في المرحلة الحالية، وصعوبة قبول بعض الأطراف الخليجية -وربما إيران أيضًا- فكرة الجلوس على طاولةٍ مستديرةٍ واحدة لمناقشة أزمات المنطقة وجهًا لوجه.

السيناريو الثاني: يكمن بأن تلعب الولايات المتحدة الأميركية دور “العرّاب” من خلال استخدام بطاقات الأزمات في دول المنطقة، لاسيما في سوريا والعراق واليمن؛ للضغط على إيران في مفاوضات ملفها النووي.
بكلماتٍ أخرى، يمكن أن تضغط الولايات المتحدة على إيران؛ من أجل أن تعمل الأخيرة على التوصل إلى حلول سياسية في مناطق الأزمات -التي أتينا على ذكرها- قبل التوصُّل إلى توقيع الاتفاق النووي المتوقَّع في أواخر شهر يونيو/حزيران 2015. وهذا السيناريو -الممكن ترجيحه- يمكن حدوثه في حال أرادت إدارة الرئيس أوباما تحقيق تقدُّم حقيقي في مسار إحلال الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

دول الخليج والنووي الايراني

 

 

 

 

 

لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا

(مركز الجزيرة للدراسات)

_____________________________________________________________________
* د. جمال عبد الله: باحث مختص بالشؤون الخليجية.

الهوامش والمصادر

1. عبدالله، جمال، “السياسة الخارجية القطرية: من الحياد إلى التأثير”، (في) محمد بدري عيد و جمال عبدالله (محرران)، الخليج في سياق استراتيجي متغير، (مركز الجزيرة للدراسات و الدار العربية للعلوم ناشرون، الدوحة و بيروت، يناير/ كانون الثاني 2014)، ص 95.

2. عبدالله، جمال، “السياق الجيوسياسي لعاصفة الحزم ومواقف الدول الخليجية منها”، مركز الجزيرة للدراسات، 9 أبريل/ نيسان 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://studies.aljazeera.net/reports/2015/04/201549105225602952.ht

3. Abdullah, Jamal, “What Gulf Countries expect from Obama”, Al Jazeera English Website, 12 May 2015, (visited on 28 June 2015): http://www.aljazeera.com/news/2015/05/150512062229232.html

4. درغام، راغدة، “حزم في الموقف الخليجي وعزم على علاقة استراتيجية مع واشنطن”، صحيفة الحياة اللندنية، 15 مايو/ أيار 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://alhayat.com/Opinion/Raghida-Dergham/9177206/%D8%AD%D8%B2%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D9%88%D8%B9%D8%B2%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D8%B4%D9%86%D8%B7%D9%86

5. آل شافي، خالد، “العلاقات الخليجية الأميركية.. الواقع والتحديات”، صحيفة الشرق القطرية، 27 مايو/ أيار 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://www.al-sharq.com/news/details/340900#.VY_FCL7fp9A

6. خير الله، خير الله، “تحريك سعودي للمياه الراكدة الروسية”، صحيفة العرب اللندنية، 21 يونيو/ حزيران، 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://www.alarab.co.uk/?id=55250

7. فاينانشال تايمز، “حرب بالوكالة بين السعودية وإيران بالعراق”، BBC Website، 26 يونيو/ حزيران، 2014، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://www.bbc.com/arabic/inthepress/2014/06/140625_press_review_thursday

8. الإبراهيم، بدر، “حاضنة داعش الشعبية”، صحيفة العربي الجديد، 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://www.alaraby.co.uk/opinion/2014/11/17 /حاضنة-داعش-الشعبية

9. Al Thani, Tamim, “Qatar’s Message to Obama”, New Yotk Times, 24 February 2015, (visited on 27 June 2015):: http://www.nytimes.com/2015/02/24/opinion/qatars-message-to-obama.html?_r=0

10. عبدالله، جمال، “آمال وتطلعات دول الخليج من قمة كامب ديفيد”، مركز الجزيرة للدراسات، 12 مايو/ أيار 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://studies.aljazeera.net/reports/2015/05/201551294925541574.htm

11. قناة العربية، “السعودية وروسيا: 16 مفاعلًا نوويًا و 6 اتفاقيات”، Alarabiya Website، 18 يونيو/ حزيران 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://www.alarabiya.net/ar/saudi-today/2015/06/18/%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A8%D9%86-%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D8%B5%D9%84-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%83%D9%88-.html

12. الذيابي، جميل، “دبلوماسية الإختراق السعودية.. فرنسا بعد روسيا”، صحيفة الحياة اللندنية، 23 يونيو/ حزيران 2015، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/ حزيران 2015): http://alhayat.com/Opinion/Jameel-Al-Doiabi/9617540/%D8%AF%D9%8A%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9—%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7

شاهد أيضاً

المؤتمر الصحفي لنتائج مؤتمر القمة الإسلامية في اسطنبول

المؤتمر الصحفي لنتائج مؤتمر القمة الإسلامية في اسطنبول

اترك رد

Translate »