الشهيد يوسف نزال كتب عيسى عبد الحفيظ

ابن بلدة قباطية التي قدمت العديد من الشهداء، والتي احتضنت حصة الاسد من قيادات الثورة، وخاصة القائد الشهيد ياسر عرفات الذي جعل منها قاعدة رئيسة لاعادة التنظيم والتدريب والتقليل ما امكن من آثار هزيمة حزيران 1967.

كان لا بد من ارسال أحد القادة للحركة الناشئة والتي لم يمض على انطلاقتها اكثر من عامين، فطلب ياسر عرفات ان يكون هو المكلف باجتياز النهر والوصول إلى الضفة المحتلة حديثا لترتيب الوضع الجديد الذي برز بعد الهزيمة، وللاستفادة القصوى مما تبقى من السلاح الذي ترك، والاهم من كل ذلك هو اعادة الأمل الى الجماهير التي كانت تنتظر العودة الى الديار التاريخية في فلسطين، فاذا بها تبكي ما تبقى من الارض.

لذا، تقدم ياسر عرفات الصف وقطع النهر ووصل الى الضفة الغربية وكانت رام الله اول المحطات ثم القدس ثم جنين ونابلس، وكانت قباطية احدى المحطات التي استوقفته، فأخرج قصاصة الورق من جيبه وطلب الاجتماع مع ابو عبد الله كميل.

كانت الاسماء بحوزة ياسر عرفات في كل مدينة وقرية، تلك الاسماء المشهود لها في تاريخ النضال الفلسطيني بالامانة الوطنية والسجل الحافل بالعطاء.

لم يطل الحديث الا دقائق معدودة حتى مد ابو عبد الله يده وصافح ياسر عرفات معاهدا اياه على السير معه حتى النهاية, الشاعر والزجال يمتشق البارودة التي ما فتئ يغني لها في قصائده ومواويله هنا اكتملت الصورة بين النظرية والتطبيق وبين القول والفعل وبين الصورة والرسام.

صال ابو عمار وجال في معظم نواحي الضفة الغربية التي سقطت تحت براثن الاحتلال البغيض ذهب الى القدس برفقة المناضل ابو فراس محافظ رام الله والبيرة سابقا والذي كان سائقا في وكالة الغوث الدولية – عفاه الله وشفاه – والمقيم حاليا في عمان، وهناك حدثت مفارقة غريبة ونادرة، اذ تعطلت السيارة التي كان يقودها ابو فراس وادت إلى حدوث ازمة في السيرة، فقام الاثنان بدفعها وجاء جندي اسرائيلي وساهم في دفع السيارة وهو لا يعلم ان الذي بجانبه سيقود اصعب واعقد ثورة في القرن العشرين؟

تحرك ابو عبد الله كميل للعمل فورا، فقام بتنظيم عدد من المجموعات القتالية، وارسلهم الى الاردن لتلقي التدريبات العسكرية اللازمة، وليشكلوا نواة تدريب للآخرين فيما بعد في محيط المنطقة التي تواجدوا فيها.

كانت المجموعة الاولى التي توجهت الى الاردن تضم ثلة من المناضلين: يوسف نزال، هشام كميل، رضا محمد، محمد قاسم، واحمد خالد نزال.

عاد يوسف بعد التدريب الى قباطية للبدء في الفعل المسلح ومقاومة الاحتلال، لكن دوريته اصطدمت بكمين للجيش الاسرائيلي، فاستشهد البعض وسقط هو في الاسر، ليبدأ مرحلة نضالية جديدة في مواجهة السجان في سجن عسقلان السيئ الذكر حين كان المعتقلون يتعرضون لابشع اصناف التعذيب والقهر منها على سبيل المثال لا الحصر ان تبقى رؤوسهم منحنية الى الاسفل طيلة وقت الوقوف في الطابور في محاولة نفسية بائسة لاشعارهم بالدونية امام بطش الجلاد.

كان في سجن عسقلان الشهيد ابو علي شاهين والذي سجل اروع اشكال الصمود والثبات داخل المعتقلات، احتل يوسف موقعا متقدما في الخلية الاولى التي انشأها ابو علي شاهين للمحافظة على معنويات المعتقلين امام البطش وامام السجان الذي كان يتفنن في اساليب الاذلال، وقام بانشاء اول مدرسة تنظيمية داخل المعتقل.

عام 1985 اطلق سراح يوسف نزال في عملية التبادل الشهيرة، فانخرط فورا في القوات العسكرية في عمان، ثم ما لبث ان التحق بالقوات في معسكر السارة في الصحراء الليبية تنفيذا لقرار القيادة، واستلم مهام المفوض السياسي للقوات، متحديا حرارة الصحراء الكبرى التي تتعدى في الصيف الخمسين درجة مئوية، لكن ذلك لم يمنع الشباب من التعايش بل وزراعة الارض الصحراوية، واقامة المنازل من الرمل والحصى، ذاك هو الانسان الفلسطيني الذي يتحدى الواقع الجغرافي كما يتحدى الواقع السياسي. يسجل حضوره في كل مكان يذهب اليه، حضاريا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

عاد نزال الى ارض الوطن والى قباطية التي افتقدته سنين طوالا، واستمر في العطاء للوطن حتى وافته المنية ليدفن في قباطية التي لم تغب عن ذاكرته أبدا.

ملحوظة: كان للكتاب الذي أصدره الصديق محمد البيروتي والصديق حافظ أبو عباية بعنوان (نصب تذكاري) الدور الأساس الذي استقيت منه كثيرا من المعلومات فلهما أقدم شكري الخالص.

شاهد أيضاً

الرئيس أبو مازن داهية العرب

بقلم: د. رمزي النجار لم يعد للمزاودين والمشككين في سياسة الرئيس ابو مازن أي مبرر …

اترك رد

Translate »