السيسي وأردوغان وزيارة التكهنات كتب احمد البهائي

في حوار مع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية قال الرئيس السيسي ” التصريحات التركية الرسمية ضد الدولة المصرية مستمرة ولم تتوقف منذ ثورة 30 يونيو، بالمقابل لا يوجد موقف مصري مقابل؟ ألا تخشون من ضياع هيبة الدولة؟، هيبة الدول بقدرتها وقوتها، أما التلاسن والإساءة للآخرين والشعوب فليسا من قيم وشيم الدول القوية، نحن نتحدث عن علاقة مع شعبين سواء قطر أو تركيا، ونحن نؤمن بأن البقاء للعلاقات بين الشعوب، أما الإساءات والتلاسن فنحن في مصر قد تجاوزناها في علاقاتنا مع الآخرين، ومن يسيء للآخرين فهو يعبر عن نفسه ولن يقلل هذا من قدرنا وقيمتنا “.

اذا عندما استرجع تصريحات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، حول الاوضاع في مصر الحضارة ، والتي اقل ما توصف بالتصريحات الهوجاء والرعناء التي تنطوي على جهل ورعونة وعدم إدراك من جانبه لفهم حقائق الأمور بل وإصراره على العيش في أوهام مرتبطة بتغليب مواقفه الشخصية ونظرته الإيديولوجية الضيقة للأمور ، حيث لا يخلو اي حوار او لقاء او منتدي كان اردوغان حاضره ، الا وطل علينا منه بالهجوم والافتراء على مصر قيادتا وشعبا وجيشا وحضارتا ، تلك التصريحات تذكرني وقتها ما نقله لنا الرحالة البندقي فياسكونتي جانتي من مشاهدات عن احوال القاهرة قبيل دخول الغزو العثماني ، واصفا.. (في ترحالي الطويل لم أرى مدينة مكسورة كما أري الآن، أري القاهرة رجلا معصوب العينين مطروحا فوق ظهره ينتظر قدرا خفيا، وجه القاهرة غريب، أحاديث الناس تغيرت، ووجوههم مريضة توشك علي البكاء.. النساء مذعورة تخشي اغتصابها آخر الليل.. السماء مخيفة وصفاؤها به كدر مغطي بضباب قادم من بلاد بعيدة.. بيوت المدينة مغلقة ومرعوشة تهفو إلي الأمان.. كثير من الأعيان نقلوا الثمين الغالي إلي أماكن بعيدة مجهولة.. ومن الناس من سكنوا المزارات وفساقي الموت ) كذلك بعد دخول العثمانيين ، شاهدا (..ودخل العثمانيون القاهرة ولم ينقض وقت طويل حتي طاف المنادي ينادي” يا أهالي القاهرة استكينوا.. استكينوا.. ومن خالف شُنق “، ومن ورائه ثلاثة جياد سوداء يمتطي كلا منها فارس وبينها جواد أبيض يمتطيه من ياترى ؟ إنه خاير بك الجركسي.. وينادي المنادي بأمر السلطان العثماني تعيين خاير بك حاكم لمصر تحت السلطة العثمانية عندئذ ظهر خاير بك علي حقيقته اكتشف المصريون أن خاير بك هو واتباعه قضوا تلك السنوات في تجهيز مصر للغزو العثماني، ولم ينفعهم لطم الخدود فقد خدعوا أنفسهم وتغافلوا قبل أن يخدعهم هو واتباعه ) ، بالفعل يقينا هذا ما كان يحلم به اردوغان ويتمناه ويريده للقاهرة ، ولكن جاء يوم 30 يونيه ليقتل هذا الحلم الاردوغاني ، ويحوله الى كابوس مزمن يطارده اينما ذهب وحل ، ولكن هيهات هيهات لانها قاهرة المعز وهذا ما لا يدركه اردوغان .

فاردوغان لم يقرأ التاريخ جيدا بل قرأ منه سطور تستهوي غروره وحلمه الواهم ، لدرجة ايقن منها بانه الوريث الشرعي للارث العثماني ، فهو يعثقد ان اجداده حسب وصفه غزوا مصر وانتزعوها من المماليك المسلمين وفرضوا سيطرتهم عليها بالقوة العسكرية نتيجة لضغف الجيش الصري ، ولكن الحقيقة الغائبة عنه ان المماليك طغوا وتجبروا وازداد الظلم وانتشر الفقر والجهل في ايامهم الاخيرة ، وعندما استفحل الامر اجتمع العلماء والقضاة والأعيان والأشراف وأهل الرأي مع الشعب، وتباحثوا في حالهم، ثم قرروا كتابة عريضة نيابة عن الجميع، يخاطبون فيها السلطان العثماني سليم الأول ويقولون أن الشعب ضاق بالظلم المملوكي وإن حكام المماليك يخالفون الشرع ، وإن السلطان إذا قرر الزحف ، فإن الشعب سيرحب به ، وهذا ما ذكره عبدالله بن رضوان في كتابه تاريخ مصر بمكتبة بايزيد في استانبول ، ولكن الحقيقة المؤلمة التي لا ينكرها التاريخ ان العثمانيون الذين استنجد بهم المصريين كانوا اشد قسوة وظلما من الجراكسة المماليك ، فبعد دخولهم القاهرة استباحوها وفعل بها الجيش الانكشاري ما يفعله مع بلاد المفتوحة بالقوة العسكرية بل وأعظم ، حيث نهبوا كل ما أمامهم من محال وأسواق ودخلوا بيوت المماليك و بيوت المصريين على حدا سواء فسرقوا ما بها من نفائس ومجوهرات ونهبوها وسبوا النساء وطردوا من بيوت كثيرة سكانها وستولوا عليها ، ودخلوا المساجد و اعملوا بنادقهم على المصريين من مآذنها ، وعزلوا مصر عن العالم وأصبحت سلة الغذاء والمال للدولة العثمانية فغدت إتاوة مصر وحدها ما يقارب من ثلث إيراد الخزينة العثمانية ، هذا ما كان يريده اردوغان من مصر ببقاء حكم جماعة الاخوان المسلمين لتعود مصر تحت السيطرة التركية ويصبح اردوغان متوج وممهد بمصر ، فنحن نقرأ ونتعلم من التاريخ ، ولن نسمح بعودة عصر الغدر والخيانة مرة اخرى كما يمهدون .

فمصر دائما تحب من يحبها وترحب به على ارضها ، حتى ولم يكن مصريا ، فصفحات التاريح تتحدث عن ذلك ، وهذا ما لا يدركه اردوغان ، وخير مثال محمد علي باشا ، فالرجل لم يكن مصريا ولكنه احب مصر ، فاحبه المصريين وخاضوا معه الحروب من اجل مصر ، وهنا نذكر اردوغان بالحروب التي خاضها المصريين ضد اجداده العثمانيين حيث حاربوا جيوشها في الشام والأناضول، وكان النصر دائما حليف الجيوش المصرية ، وكادوا يسقطوا الدولة العثمانية ذاتها ، واخص بالذكر معركة قونية 1832م ، نسبة الى مدينة قونية التركية والتي دام القتال فيها سبع ساعات انتهت بانتصار الجيش المصري ، فهى من المعارك المدونة في التاريح لأنها فتحت أمام الجيش المصري الطريق الى الأستانة ، واحتلوا مدن تركية ” كوتاهية ومغنيسيا وأزمير” ، إذ أصبح المصريين على ابواب البوسفور ، ولولا تدخل قوى غربية لكان الجيش المصري داخل الاستانة ، كذلك نذكره بمعركة ” نسيب ” 1839م ، نسبة الى مدينة نسيب او نزيب التي تقع في جنوب تركيا حاليا ، والتي انتصر فيها الجيش المصري المصري على الجيش العثماني انتصرا مدويا ، حيث فتحت هذه المعركة أبواب الأناضول مجددا امام المصريين خلال ثماني سنوات ، ليتكرر المشهد مرة اخري ويتراجع المصريين بسبب ضغوط غربية ، ويكتفوا بالسيطرة فيها على سوريا .
فهناك من المتابعين والمحللين للامر والمجتهدين ينظرون على ان زيارة االرئيس السيسي للمملكة العربية السعودية وتزامنها مع زيارة الرئيس التركي اردوغان انها مرتبة واعد لها سلفا تمهيدا للقاء بين الرئيسين لفتح صفحة جديدة بين البلدين وطوي ما بينهم من خلاف تحت رعاية العاهل السعودي الملك سلمان ، ولكن من يتابع الامر جيدا يرى غير ذلك في المنظور القريب ، وقد يستغرق حدوث ذلك وقتا كبيرا ويمتد بعيدا ، فاردوغان هو اكثر الاشخاص بصفته الرسمية والعامة الذي وجه اكبرهجوما على مصر قيادتا وشعبا وجيشا ، دفاعا عن جماعة الاخوان المسلمين الذي هو عضوا فيها وفي تنظيمها الدولي ، واصفا الجيش المصري والشرطة بالنازية والعنصرية والفاشية ، فبعد توالي الاحداث وما يعانيه العالم من الارهاب وخاصة من ارهاب جماعات ولدت من رحم جماعة الاخوان المسلمين ، اصبحت مصر هي الاقوي ويجب ان تفرض شروطها قبل اي شئ لا ان تتقبل شروطا ، فعلى اردوغان ان يعترف بظلمه لمصر ، وان يقدم كامل الاعتذار لمصر قيادتا وشعبا وجيشا ، وان يسلم كل اعضاء الجماعة المطلوبين الهاربين والمقيمين في تركيا ليحاكموا امام المحاكم المصرية ، كذلك ان يتعهد بعدم التدخل في شئون مصر الداخلية ، وان يكف عن تصريحاته المعادية لمصر ، وبعد التأكد من ذلك يكون لكل حادث حديث .

فمصر يهمها الان في المقام الاول محاربة الارهاب الذي انتشر في المنطقة واصبح كالنار التي تأكل كل شئ حولها ، وهذا ما نجده في منطقتنا ، حيث اصبحت بلدان عربية تعاني من ضربات الارهاب الذي استوطن فيها وباتت على وشك التفكك والتقسيم بفعل يد الارهاب الذي اعد وجهز للهدف ذاته بفعل قوي اقليمية ودولية ، ولذلك فمصر تحاول جاهدة من خلال تلك الزيارة وضع نواة تشكيل تحالف عربي يرى النور بإنشاء مجلس دفاع عربي مشترك للوقوف به ضد الارهاب بمختلف انواعه الذي بات يهدد عروبتنا واسلامنا وتراثنا وحضارتنا وتاريخنا .

احمد البهائي
f.mrahi@kpnplanet.nl

شاهد أيضاً

صحة الرئيس وصحة الوطن والنظام السياسي

بقلم: طلال عوكل الرئيس مريض، الرئيس يجري فحوصاً للأذن الوسطى، كل ذلك عادي ولا يستحق …

اترك رد