خمسة وأربعون عاماً مرّت على معرفتي بالسجون كتب عبد الناصر عوني فروانة

مخطئة دولة الاحتلال الإسرائيلي إن اعتقدت أن تحقيق أمن واستقرار حدودها وسلامة مواطنيها سوف يتأتى عبر استهدافها للأطفال الفلسطينيين واعتقالهم والزج بهم في سجونها ومعتقلاتها سيئة الصيت والسمعة، أو من خلال التضييق عليهم وحرمانهم من حنان آبائهم وأمهاتهم القابعين في سجونها أو منعهم من التواصل معهم. كما ولا يمكن لها أن تحقق السلام المنشود والمستقبل الهادئ في ظل استمرار إجراءاتها القمعية بحق الأطفال الفلسطينيين.
ومما لا شك فيه فان للاعتقال والسجن تأثيرات فظيعة على الصحة النفسية للأطفال وتكوين شخصياتهم وسماتهم النفسية وخصائصهم بدرجة أعلى من البالغين، سواء أكانوا أولئك الذين مرّوا بتجربة الاعتقال والسجن بشكل مباشر، أم من أولئك الأطفال الذين عُذبوا وعانوا من تداعيات اعتقال أحد الوالدين أو كليهما. فيما اللافت والمؤكد أن اعتقالاتها للأطفال لم تقضِ على ما في نفوسهم من كراهية لاحتلالها لأرض آبائهم وأجدادهم، وأن إجراءاتها القمعية بحقهم وبحق آبائهم المعتقلين لم تستأصل من أعماقهم شعور الانتقام ممن اعتقلهم وعذبهم وحرمهم من تحقيق طموحاتهم وأحلامهم التي رسموها في طفولتهم، ومن سلوكها تجاه اسرهم، وأن كل محاولات الخداع والتضليل لا يمكن أن تزيل بشاعة وآثار الصور العالقة في أذهانهم. بمعنى لا يمكن لإسرائيل أن تضمن أمنها وتحقق سلام بطريقتها دون أن تحترم حقوق الأطفال الفلسطينيين وأن تكف عن ملاحقة واعتقال آبائهم وأمهاتهم واشقائهم، والأهم أن تنهي احتلالها للأراضي الفلسطينية.

خمسة وأربعون عاماً مضت على ذاك اليوم الذي اعتقل فيه والدي. ولا زالت الصورة تلازمني، والحدث بتفاصيله لا يزال عالقاً في ذهني و أمام ناظري. على الرغم أنني كنت صغيراً جداً حينذاك ولم يكن عمري قد تجاوز الثلاث سنوات.
وكنت حينها أهجي حروف اللغة العربية، ولم أكن قد تعلمت بعد أبجديات الاحتلال. لكن هذا المشهد وما أعقبه، دفع بي لأن أحفظ مفردات السجن والاعتقال قبل أن أتعلم حروف اللغة مما دفعني للالتحاق مبكرا في مقاومة الاحتلال الظالم.

ففي مثل هذا اليوم الثالث من مارس/آذار عام 1970 وقبل خمسة وأربعين عاما بدأت فصول حكايتي مع الاعتقال ومعرفتي بالسجون الإسرائيلية، حينما اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي والدي “أبو العبد” – أدام الله له الصحة والعافية وأطال عمره – ، بتهمة الانتماء لـ “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” ومقاومة الاحتلال، وزجت به في سجونها لأكثر من خمسة عشر عاماً متواصلة قبل أن يتحرر دون أن يكمل مدة محكوميته، وذلك ضمن صفقة التبادل الشهيرة عام 1985. تلك الصفقة التي تُعتبر الأكثر زخماً في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، و الأكثر روعة من بين عشرات عمليات التبادل التي نفذت على الصعيدين العربي والفلسطيني. وإذا كان التاريخ الفلسطيني يحفظ ذاك تاريخ اتمام الصفقة بفخر وعزة، وهذا ما يجب أنه يؤرخه المؤرخون، فإن الذاكرة الشخصية تحفظه بسعادة منقطعة النظير، كيف لا ووالدي كان واحد من أولئك المحررين في تلك الصفقة التي مكنتني من احتضانه وللمرة الأولى في حياتي دون قيود ومراقبة الجنود في لقاء مفتوح دون تحديد للوقت أو الزمن.

وعلى الرغم من مرور خمسة وأربعين عاما على اعتقال والدي، وصغر سني حينذاك، إلا أنني لا زلت أذكر المشهد وأروي تفاصيله وطريقة اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي المدججين بالسلاح لبيتنا الصغير الواقع في حي بني عامر بمحلة الدرج بغزة، في ليلة الثالث من مارس عام 1970، والعبث بمحتوياته، وركلهم لنا ونحن نياما بأقدامهم وأعقاب بنادقهم، على الرغم من أن قوات الاحتلال كانت قد اعتقلت والدي من مكان عمله في حي التفاح شرق مدينة غزة في وقت سابق من نهار ذاك اليوم.
هذا المشهد لا يزال ماثلا في ذهني، ولم تستطع الأيام والعقود محوه أو إزالته، وهو ذاته وما أضيف له من مشاهد لاحقا جراء السجن والاعتقال، هو ما يدفعنا للالتصاق طواعية أكثر فأكثر بمقاومتنا المشروعة للاحتلال وقضايا الأسرى العادلة.
فيما الذاكرة لم تسعفني يوماً في استحضار الفترة التي سبقت اعتقاله، أو حتى استحضار دقائق معدودة وهو يداعبني خلالها، أو حتى لحظات محدودة وأنا في حضنه وهو يقود دراجته النارية التي نفذ من خلالها عملياته ضد جنود الاحتلال. بل وأستجدي الذاكرة لاستحضار مجرد مشهد أو صورة واحدة لا غير وهو يقبلني في طفولتي. ولكن شيئا مما تمنيناه لم يحدث ! .

فطفولتنا بدأت بمشهد اقتحام وتنكيل، واعتدنا على طريق المحاكم العسكرية قبل أن نعرف لرياض الأطفال طريقاً، وترددنا على السجون وحفظنا أسماءها قبل أن نحفظ أسماء مدارسنا، وجلسنا على شبك الزيارة قبل أن نجلس على مقاعد الدراسة، وحفظنا مفردات السجن والاعتقال قبل أن نتعلم حروف اللغة العربية، فأي مستقبل لطفولة كهذه يمكن أن تكون خارج نطاق الأسرى وقضاياهم العادلة ؟.

فكبرت وكبرت بداخلي قضية الأسرى، قبل أن أكبر وأتحول أنا الآخر بدوري إلى أسير، لم يحدث لي ذلك فقط، ولم يحدث لأبي فحسب، بل حدث مثل ذلك لأخي الأصغر والوحيد جمال -الذي أبصر النور بعد اعتقال والدي ببضعة شهور- حين اعتُقل وهو في سن الطفولة وكان طالب في الصف العاشر لسنوات خمس متواصلة، قبل أن يتحرر ويُعاد اعتقاله للمرة الثانية ويمضى سنتين إضافيتين.
لقد اعتُقلنا سويا، وفي سجون متباعدة المسافة، ولسنوات طويلة، ولأي من القراء أن يتصور مدى معاناتنا ومعاناة والدينا، فبعدما كنا نتنقل برفقة الوالدة، لزيارة الوالد في هذا السجن أو ذاك، أصبحت الوالدة تتنقل بصحبة زوجها (والدنا) لزيارتي في هذا السجن تارة، وزيارة أخي في ذاك السجن تارة أخرى. فالأمور تغيرت وانقلب الحال، فالوالد الأسير أصبح زائراً، والصغار كبروا وأصبحوا أسرى، والسجون بقيت على حالها، والوالدة -أطال الله في عمرها- باتت تحفظ أسماء السجون ومواقعها. وكانت زائرة دائمة التردد على السجون طوال ربع قرن دون انقطاع.

وصدقاً وبدون مبالغة، كلما كتبت شيئاً عن الأسرى ومعاناتهم وأبنائهم، كلما تذكرت تجربتي الشخصية، وحكاية عائلتي مع السجون، والتي تتشابك مع تجارب وحكايات مئات الآلاف من الفلسطينيين، والتي قد تكون أقل مرارة عشرات المرات من حكاية الآخرين، لهذا تجدني أشعر بالألم، وكلما شعرت بالألم ازددت إصراراً على المضي قدماً بالعمل والعطاء من أجل الأسرى وقضاياهم العادلة، فحياتنا يجب أن تُكرس لأجل حريتهم وسعادة أطفالهم، والسعادة لا تتوفر إلا في الحرية، والحرية تُنتزع ولا تُستجدى.

هكذا هي دولة الاحتلال تخشى الأطفال الفلسطينيين وتخطئ السلوك في التعامل معهم، فلا هي نجحت في القضاء على كرههم لها واستئصال روح المقاومة لاحتلالها، ولا هي حافظت على أمنها من خطر ما بعد بلوغهم. فلا أمن للاحتلال ولا حياة في ظل الاحتلال.

شاهد أيضاً

 “من يحكم غزة”

بقلم: كمال الرواغ لقد استطاعت الصواريخ الاسرائيلية، ان تهدم سجن غزة المركزي في ساحة السرايا …

اترك رد