مسرحية سوداء كتب عدلي صادق

فكرة القلق على الوجود، هي نبراس سياسة اسرائيل الرافضة لإنهاء آخر احتلال عسكري في التاريخ وفي العالم، والمعادية بالممارسة لفكرة السلام من حيث المبدأ. ففي استطراد لتسويق هذه الفكرة، أمام كونغرس أميركي ينظر معظم أعضائه للمنطقة العربية، بغريزته وبسطحيته؛ أراد نتنياهو استدرار العطف، فتحدث عن حرب يريد أن يتحاشاها، ولا نعلم أية حرب هذه التي يقصدها هذا الممثل الرديء الذي يقود تياراً يؤسس للكراهية وللتطرف وللحروب المديدة في المنطقة العربية؟!
يتقمص أمام الكونغرس دور الحكيم الجانح الى السلم، فيقول «ان الصفقة التي وضعت، بين مجموعة 5 زائد 1 وطهران، ستؤدي حتماً الى ايران نووية والى الحرب»، ثم يمضي قائلاً بلغة الناصحين العقلاء المعادين للحروب: «ان بديل هذه الصفقة ليس الحرب مثلما يعتقد البعض، وانما هو صفقة أفضل»!
بالطبع لن يكون من بين مؤيدي نتنياهو في الكونغرس من يشغّل عقله، لكي يختبر مدى علاقة ما يقوله نتنياهو بالمنطق. فايران لم تذهب حتى الآن الى انتاج سلاح نووي. ومجموعة الدول العظمى مع ألمانيا، عندما تتفق معها، ليست غبية ولا متعاطفة مع ايران، ولا متساهلة بخصوص أمن اسرائيل، وليس نتنياهو هو الذكي والمتطير الوحيد من نمو القوة الايرانية والحريص الوحيد على أمن اسرائيل. وفضلا عن كون هذا الكلام، يسبق الانتخابات الاسرائيلية بنحو ثلاثة أسابيع، ويريد نتنياهو أن يعزز القوة الانتخابية له وللتيار المتناغم معه؛ فانه وهو يكذب ويتشكى، يريد أن تهرول البلدان الكبرى الخمسة لاسترضائه، فيربح انتخابيا ويتبدى كجلاب مزيد من عناصر الدعم لاسرائيل لتهدئة روعها المفتعل كذباً، في الوقت الذي أحس العالم كله، أنها تسد آفاق التسوية وأنها هي سبب تهديد الاستقرار في المنطقة الأهم في العالم، وأنها تجثم على أرض شعب آخر، له حقوق ومظلوم تاريخياً. انها مسرحية سوداء لن يكلف عضو من الكونغرس نفسه، تفنيدها أو الاعتراض على حبكتها. ولنأخذها من الناحية الفنية أو الاستراتيجية أو الميدانية، ونفترض أن ايران نووية فعلاً؛ ألا يعلم هؤلاء أن ايران لن تستخدم النووي لكي تضرب أرضاً تتداخل فيها حياة المحتلين والمحتلة أراضيهم، لكي لا يبقى بشراً يسكنون أراضي فلسطين التاريخية؟ أليس هؤلاء الذين يحتلون أراضي الضفة، هم الذين يتذرعون بضيق المسافة بين الجبل والبحر؟! وكيف يصدقهم السذج عندما يتحدثون كما لو أنهم وحدهم على أرض فلسطين، وكما لو أن جوارهم العربي بعيد، بمياهه وهوائه وتجمعاته السكنية التي ستتأثر من أية قنبلة نووية؟! مرة يتذرعون بالتداخل بيننا وبينهم لكي لا يخلعوا من أرضنا، ومرة يتحدثون كما لو أنهم خائفون فعلاً من نووي يطالهم هم ولا يطالنا. فعندما ــ افتراضاً ــ تضرب ايران، وتتجاوز عن مخاطر أن تُضرب من الجميع في الغرب؛ أية قضية تكون أرادت طهران الانتصار فيها أو قضية مَن ستكون، ان كان الجميع سيتأذى؟!
ما يقوله نتنياهو كلام فارغ وبلا منطق. فلا ايران انتجت النووي، ولا هي تريد الحرب، ولا نتنياهو يكره الحرب. وليست هناك دولة في المنطقة، سوى اسرائيل، أنتجت السلاح النووي في المنطقة وسمته سلاحاً رادعاً. ولماذا تستبد بها فكرة الردع النووي؟ لأنها هي التي تناهض كل من يبتغي منع الحرب ويتوخى السلام. خطاب نتنياهو، جاء كمجرد تكثيف لخطاب التدليس والعنصرية ولمقاصد الحرص على أن تخلو المنطقة من الأقوياء، باستثناء دولة المشروع الصهيوني التي سممت المنطقة وأنفلتت عليها وأفلتت العنف وأسست لبغضاء عميقة ومديدة!

شاهد أيضاً

باريس الدور المرتقب

بقلم: أ – ناهض محمد اصليح لا تزال الجمهورية الفرنسية وفية لدورها وانطلاقاً من مبادئها …

اترك رد