برسم اجتماع المجلس المركزي كتب د. عبد المجيد سويلم

يبدو أن هناك اتفاقاً، جامعاً وشاملاً بأن الوضع الفلسطيني يمر في مرحلة فاصلة وغير اعتيادية وبصورة غير مسبوقة في التاريخ الحديث ولكامل مرحلة ما بعد انطلاق الثورة الفلسطينية.
إذا كان الأمر كذلك ـ وهو كذلك فعلاً ـ فإن المجلس المركزي لا يستطيع ولا يجب أن تكون دورة اجتماعاته دورة عادية وأن تكون توجهاته وقراراته عادية كذلك.
والمجلس المركزي بهذا المعنى وبمعان أخرى هامة وكثيرة لا يجب أن يرجئ الإجابات الممكنة على الأسئلة الملحة الراهنة.
السؤال الأول: هل ما زال حل الدولتين قائماً وممكناً ومرئياً أم أن هذا الحل في الواقع تحول إلى حل اعتراضي وليس الى هدف قابل للتحقيق؟
أقصد هل تمسكنا بمشروع الدولتين بات شعاراً نحشد من خلاله الدعم العربي والإسلامي والدولي ونحاول محاصرة السياسة الإسرائيلية من خلال هذا التمسك، أم أن الواقع وتطوراته في المدى المرئي يمكن أن تؤدي فعلاً إلى تحقيقه كهدف؟
البعض يقول إن اعتبار حل الدولتين بحكم المنتهي واقعياً لا يجب أن يمنع الفلسطينيين من التمسك به لأنه الهدف الممكن الوحيد والذي يلقى الدعم الوطني والإقليمي والدولي المطلوب، ولأن البدائل عن هذا الهدف ليست أكثر واقعية أو أقل طوباوية، إذا لم تكن تلك البدائل في الواقع القائم والمرئي أكثر خطورة وضرراً على المشروع الوطني.
لكن، مع ذلك هناك فرق ما بين أن يكون هدف حل الدولتين قد انتهى وبين أن يظل “الهدف” شعاراً اعتراضياً على سياسات الاحتلال وللإبقاء على الدعم الدولي والإقليمي لهذا الشعار.
فهل سنسمع في طيّات قرارات المجلس توجهات جديدة على هذا الصعيد؟ لماذا أقول بأننا بتنا مطالبين بالإجابة على السؤال المشروع حول حلّ الدولتين؟
الجواب بسيط وربما واضح أيضاً.
فإذا سلمنا بأن هدف إقامة الدولة الفلسطينية ـ بات متعذراً من ناحية الوقائع القائمة على الأرض ومن ناحية الموقف الإسرائيلي الرافض لقيامها ومن ناحية عجز المجتمع الدولي لإرغامها على ذلك، ومن ناحية هشاشة الوضع العربي الذي يضغط باتجاه تحقيقها، إضافة إلى حالة الانقسام والترهل التي نعيشها.. إذا سلمنا بذلك فإننا أمام عدة سيناريوهات ممكنة للمرحلة القادمة.
الأول، ربما سيكون استكمال الاستيطان بما يحول الضفة إلى ثلاثة أو أربعة منعزلات ستعتبرها إسرائيل (الأراضي الفلسطينية) القابلة للتحول إلى دولة، وبحيث سترسم إسرائيل بنفسها حدود هذه المنعزلات، وتعتبر ذلك بمثابة انسحاب من طرف واحد، وذلك حتى لا يصار إلى تطور الواقع باتجاه فرض حل الدولة الواحدة والذي يشكل فعلاً لا قولاً فقط أكبر خطر على كامل المشروع الصهيوني برمته ومن أساسه. هذا المشروع بالمناسبة يختلف عن حل أو سيناريو الدولة المؤقتة.
الثاني، مشروع الدولة المؤقتة:
هذا السيناريو حاولته إسرائيل وحاولت أن تقنع القيادة الفلسطينية به وحاولت أن تجيّر له الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ولكنها لم تنجح، كما حاولت بوساطة نظام الإخوان في مصر قبل ثورة الشعب المصري عليهم في الثلاثين من يونيو، وبذلك فقد فشلت إسرائيل هنا أيضاً، ولذلك فإن مشروع المنعزلات الثلاثة أو الأربعة هو المشروع البديل لمشروع الدولة المؤقتة.
أما الثالث، فهو السيناريو الذي لم يفصح أحد عنه وهو ما يسمى بمشروع الحل الإقليمي.
الحل الإقليمي الغامض في الكثير من تفاصيله يقوم ـ على ما يبدو ـ على الأسس التالية:
1 ـ الحل الإقليمي هو بالأساس ومن حيث الجوهر حل أمني “يؤدي” إلى نوع من الترتيبات والتدابير التدريجية السياسية التي تؤدي إلى قيام “دولة” فلسطينية لها سلطة فعلية على السكان وعلى أجزاء كبيرة من الضفة والقطاع بدون سيادة على حدود “الدولة” بحيث تكون هذه السيادة في إطار عربي دولي إسرائيلي مشترك!!؟
2 ـ تعطى “الدولة” الفلسطينية فرصاً اقتصادية عالية في هذا الإطار، ويتم استيعاب اعداد متدرجة من النازحين في إطارها وتؤهل لذلك الهدف بمساعدات دولية كبيرة وبالتعاون مع دول الإقليم.
3 ـ حتى القدس الشرقية في إطار هذا السيناريو أو الحل يتم أقلمتها وتدويلها تحت السيادة الإسرائيلية، وتعطى بعض الأحياء منها حريات بلدية مستقلة نسبياً وهذا هو العنوان الوحيد لتواجد وسلطة الفلسطينيين عليها.
4 ـ يتم تأجيل موضوع اللاجئين باعتبار أنها مسألة إقليمية ودولية ويصار إلى تشكيل هيئات وأطر وأجسام لمتابعة كيفية الحل اللاحق لهذا الموضوع.
باختصار، فإن فرض حل الدولتين معركة لا تحلّها المفاوضات ولا يحلّها الموقف الدولي أو الإقليمي، وإنما الفعل الفلسطيني الذي يحول الاحتلال إلى كلفة لا تقوى إسرائيل على تحمّلها، وفي هذا الإطار فإن موقف الإقليم والعالم يتحول إلى جزء عضوي من الكلفة.
إن المهمة الأساس لاجتماع المجلس المركزي ـ كما أرى ـ هي توجيه اللجنة التنفيذية للمنظمة وقيادة السلطة الوطنية باتجاه وضع السياسات الكفيلة بتولي هذه المهمة الوطنية الكبيرة.
أهم ما يمكن التوجيه به هو الوسائل التي تمكننا من إعادة النظر في كامل العلاقات التي تربطنا بإسرائيل على كل المستويات، وما يتطلب ذلك من إجراء تعديلات جذرية على وظائف السلطة، وإعادة تصحيح علاقتها بالمنظمة وتجديد شرعية النظام السياسي وإعادة بنائه على أسس مستقرة وديمقراطية وبما يضمن أسساً راسخة للشراكة الوطنية سياسياً واجتماعياً وكفاحياً واقتصادياً وثقافياً.
وبهذا الصدد فإن كل القوى والفصائل مطالبة بمساعدة حركة “حماس” على فك علاقة التبعية التي تربطها بالإخوان المسلمين، والتجاذب الإقليمي لهذا التنظيم، من أجل أن تنخرط في مسيرة العمل الوطني بصورة مستقلة، ومن على اساس مصالح الشعب الفلسطيني، وبدون ذلك لن يكون هناك أية إمكانية للمصالحة أو إنهاء الانقسام.
“الإخوان” ليس لديهم مشروع من أجل فلسطين، والبرنامج الوحيد لديهم هو استخدام حركة “حماس” لأهداف خارج المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني، وكل كلام عن المصالحة بدون هذا الفهم هو مجرد لغو سياسي. فقط عندما تستقل حركة حماس عن “الإخوان” سنصل معهم إلى حلول مهمة كانت صعبة لقضية الشراكة الوطنية.
على المجلس المركزي أن يحدد معالم مرحلة الصمود لأنها المرحلة التي سيؤدي النجاح بها إلى فرض حقوق الشعب الفلسطيني وأهدافه بصورة واقعية وحقيقية على الأرض الفلسطينية.

شاهد أيضاً

الأرمن في الأرض المقدسة

بقلم: د. حنا عيسى يعود وجود الأرمن في الأراضي المقدسة إلى السنوات الأولى للمسيحية، وحتى …

اترك رد

Translate »