داعش والربيع العربي ( الحلقة الثانية )

الحلقة (2): الموجة الثانية للثورة في مصر وتونس
«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي» (2 – 9)

* كان الهتاف بـ«إسقاط المرشد أو إسقاط النظام» في مصر وتونس باكورة الموجة الثانية من الثورات

* عادت مظاهرات ودعوات تدعو لعودة العسكر إنقاذا للبلاد وترسيم خطة انتقالية جديدة

* واستمرت احتجاجات ومظاهرات أعضاء النيابة العامة في مصر اعتراضا على تعيين السلطة التنفيذية للنائب العام الجديد مصرة على إسقاطه

تواصل «الشرق الأوسط» نشر حلقات من فصول كتاب «من بوعزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي»، من تأليف الكاتب والباحث السياسي المصري هاني نسيره الذي يعمل حاليا مديرا لمعهد العربية للدراسات بقناة «العربية» بدولة الإمارات. ورصد المؤلف في كتابه الصادر عن «وكالة الأهرام للصحافة» – والتي حصلت «الشرق الأوسط» على حق نشر حلقات من فصوله – سنوات الثورات العربية الأربع وتابع الكاتب تشابهاتها واختلافاتها، وحاول تفسير أسباب تعثر ثورات ونجاح أخرى في إسقاط من ثارت بوجهه، حين اشتعلت من جسد بوعزيزي بتونس ومن أشباهه في مصر، إلى الانتقال من دعوى الربيع العربي ووعده وأمنياته إلى حقيقة «داعش» الداهمة.

وفيما يلي الحلقة الثانية من الكتاب:

* بداية مشتعلة

* كانت تونس باكورة الموجة الأولى من الثورات العربية عام 2011، واستلهمتها مصر في نفس العام سريعا، وبمقابل ذلك كانت ثورة 30 يونيو سنة 2013 المصرية التي أسقطت وأنهت حكم الإخوان المسلمين بالكامل، باكورة موجتها الثانية فاستلهمتها تونس التي شهدت في يونيو ويوليو سنة 2013 مظاهرات شبيهة بمظاهراتها تنادي بنهاية حكم الإسلاميين. وكما كانت أحداث الاتحادية في مصر زخما أودى بجلاديه كان مقتل محمد البراهمي بـ14 رصاصة أمام منزله على يد متطرفين زخما أودى بحكومة النهضة!

هذا بينما انتظر الليبيون كذلك انتهاء فترة المؤتمر الوطني العام الذي سيطر عليه هؤلاء ليثوروا في وجوههم من جديد، وأكد ثورتهم فوز القوى المدنية بانتخابات البرلمان الليبي التي عقدت في يونيو سنة 2014، ولكن ما هي الأزمات التي صنعها الإسلاميون وهم في الحكم أو الحكومة وسقطت بعد ذلك بهم؟ فكانت سببا في إنتاج هذه الموجة الثانية؟

في الشهور الأربعة الأولى من عصر مرسي، صدر عن منظمة حقوقية مصرية، معتمدا على وثائق وشهادات حية، تقرير بعنوان «القتل مستمر» يمتد رصده من بداية يوليو 2012 وحتى نهاية أكتوبر من العام نفسه. وقد وقعت الحالات الموثقة في هذا التقرير على نطاق 11 محافظة، وكانت حصيلة تلك الحالات التي تم رصدها، والتي لا تمثل إلا عينة من الانتهاكات المستمرة بشكل يومي على يد الشرطة: مقتل 11 شخصا عن طريق الاستخدام غير القانوني للقوة أو الإطلاق العشوائي للرصاص في المجال العام، وتعذيب ثلاثة أشخاص آخرين حتى الموت داخل أقسام الشرطة، بالإضافة إلى العديد من حالات التعذيب وسوء المعاملة في الأقسام وأماكن الاحتجاز الأخرى التابعة للشرطة، كما يضم التقرير قائمة بسبع حالات أخرى وقعت خلال الفترة المذكورة لوفيات داخل السجون وأقسام الشرطة توجد بها شبهة تعذيب أدى إلى الوفاة، وهذا مثال لا حصر من واقع المشهد في مصر، وهذا خلال الشهور التالية من حكم مرسي التي وصلت في نوفمبر وديسمبر عام 2012 لقمة تأزيماتها واستمرت طوال الشهور الثلاثة الأولى من عام 2013.

لذا من المهم ألا يمر عبورا ما شهدته مصر في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير سنة 2013 الماضي وقبلها، والتي هتف الكثيرون بإسقاط النظام والرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين بقوة فيها، وانتفضت أغلب محافظات مصر ضد نظام الرئيس محمد مرسي، وهو ما اعتبره العديد من المراقبين – مؤيدين ومعارضين – محاولة أو مخاض ثورة ثانية تولد في الذكرى الثانية لثورة 25 يناير سنة 2011

وكذلك ينبغي ألا يمر عبورا إقدام شاب تونسي على حرق نفسه في 12 مارس سنة 2013 والذي توفي بعدها بيوم في نفس المشفى الذي قضى فيه بوعزيزي، في محاولة بوعزيزية جديدة ضد حكم النهضة، قامت على أثرها تظاهرات في شارع الحبيب بورقيبة والقصبة، وعاد الهتاف من جديد وعاد الغضب والاحتقان والعنف الناتج عن توالد الأزمات ولكن هل يمكن تكرار نفس التجربة حرفيا كما كان في موجة الثورات الأولى سنة 2011.

كان الهتاف بـ«إسقاط المرشد أو إسقاط النظام» في مصر وتونس باكورتي ما يسمى الربيع العربي، باكورة الموجة الثانية من الثورات، كانت أولى علامات نجاحها سقوط طلاب الإخوان والنهضة في الانتخابات الطلابية في مارس سنة 2013، ثم في عدد من النقابات، التي سيطروا عليها لأكثر من عقد، وهو ما فسر استمرار نزيف المصداقية الذي أصاب جماعة الرئيس المعزول والكثير من الإسلاميين منذ مشاركاتهم في البرلمان المنحل في يونيو سنة 2014، حتى توليهم الرئاسة، ففي عهدهم لم تكن تخلو أي مدينة يزورها مسؤول من حكومتيهما من مظاهرة ضده بل عادت تظاهرات ودعوات تدعو لعودة العسكر إنقاذا للبلد وترسيم خطة انتقالية جديدة كما شاهدت مصر في مظاهرات يوم الجمعة 15 مارس سنة 2013، ولكن حاول الجيش والقوات المسلحة التوسط في الحوار بعد أحداث الاتحادية في ديسمبر سنة 2013 ولكن رفضت رئاسة الإخوان توسطه بينها وبين القوى المدنية التي رفضت الحوار معها.

* أولا: أزمات الدولة الأصولية بين مصر وتونس:

* كما هي الأصولية منظومة وعد! تستند للماضي المثالي وتبني باسترجاعه ما تراه مستقبلا مأمولا، كانت دولتها كذلك دولة وعود، ولم تكن دولة واقع اصطدمت به واصطدم بها، كادت تسقطه فأسقطها..

شهد العام الأول من حكم الإخوان في مصر أو النهضة في تونس أزمات هددت المجتمع المصري والتونسي واصطدمت بمفهوم الدولة المعاصرة ومؤسساتها، قضاء وإعلاما ومكونات اجتماعية وسياسية، رأت المجتمع والدولة مجتمع دعوة بالمعنى الديني ومعارضة غير مقبولة بالمعنى السياسي.

بدأت الأزمة مصريا مع الإعلان الدستوري الذي حصن قرارات مرسي في 21 نوفمبر الماضي، وما ترتب عليها من إجراءات، رغم العنف في الخطاب ولغة التخوين الوطني والتفكير الديني السائدة، وكذلك مع مشاهد الحضور المسلح والأزمة التشريعية والدستورية والاقتصادية والاجتماعية في مصر ومعها أزمة مختلف مؤسسات الدولة دون حل أو رؤية قادرة على الحل، يؤثر البعض معها البحث عن المجهول أو البحث بعيدا عن الأنقاض!

واشتعلت الأزمة أكثر مصريا مع الذكرى الثانية للثورة المصرية في 25 يناير سنة 2013، وللثورات ذكريات ونفحات تنشط فيها دائما، سواء في الموجة الأولى أو الموجة الثانية، ربما باستثناء ما تحول منها لما يشبه الحرب الأهلية سوريا وليبيا ويمنيا.

دفعت الذكرى الثانية للثورة المصرية المعارضين في الداخل، والمراقبين في الخارج، للحديث عن أزمة انهيار دولة القانون، بما فيهم وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي – الذي أصبح الرئيس المنتخب فيما بعد – في تصريحه المنشور في 29 يناير الماضي الذي أكد فيه نصا أن «الصراع السياسي في البلاد قد يؤدي إلى انهيار الدولة» ثم ازدادت الأحداث احتداما وصراعا وسقط عشرات القتلى في الذكرى الثانية للثورة وكذلك الذكرى الثانية لمذبحة بورسعيد التي راح ضحيتها في فبراير سنة 2012 سبعون شهيدا، مما يجعل الأزمة المصرية أكثر عمقا من مجرد الأزمة السياسية والدستورية والتشريعية، الماثلة في قرارات غير توافقية للرئيس المعزول الذي حصن قراراته في إعلانه الدستوري في 21 نوفمبر الماضي، وحصن معه التأسيسية المطعون في دستوريتها – وما نتج عنها – وتم تأجيل الحكم إلى جلسة 3 مارس سنة 2013، وكذلك استحواذ النظام الجديد على بنى الدولة وهياكلها واستهدافه لاستقلال القضاء والتشريع ومحاصرة أنصاره للهيئات القضائية مرات عديدة، بما فيها المحكمة الدستورية العليا، وهجومها على مقار لأحزاب وقوى المعارضة..

وبينما كان التوريث على سبيل المثال واحدا من أبرز تهم ومبررات الإسقاط لمبارك خصوصا وكذلك بن علي والقذافي وعلي عبد الله صالح، فقد استبدلت بالتوريث وشائج قرابات السلطة الجديدة ومصالحها، كما لم تحدث تحولات ملحوظة في مسارات ومستويات التنمية، وقد ارتفعت ديون مصر لأعلى مستوى لها على مدار تاريخها وهو 1.6 تريليون جنيه، و«وصل احتياطي النقد الأجنبي خلال شهر فبراير (شباط) عام 2013 إلى 13.5 مليار دولار، وهو ما يكفي بالكاد لتغطية واردات مصر لمدة ثلاثة أشهر» ويتراوح الاحتياطي السائل بالفعل بين ستة وسبعة مليارات دولار فقط، مما زاد صعوبة الحصول على الواردات بما فيها المواد الخام التي يحتاجها المصنعون المصريون، وشهدت البورصة المصرية تراجعا بنسبة 5 في المائة بداية مارس سنة 2013، مستشعرة خطرا يلوح في الأفق، وما يفعله الرئيس محمد مرسي لوقف هذا التراجع ليس بالكثير. وظل مرسي مترددا لمدة عام في التفاوض على حزمة إنقاذ قدرها 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، وهو مبلغ تحتاجه مصر بشدة، ويماطل مرسي لقلقه من الغضب الشعبي تجاه الإصلاحات التي يريدها صندوق النقد الدولي ومنها خفض الدعم، الذي يستنفذ 25 في المائة من ميزانية الدولة، وتذهب 50 في المائة من الميزانية لدفع فوائد الديون ورواتب العاملين في القطاع العام.

كما امتدت هذه الأزمة فكريا مع صعود فتاوى القتل وبعض وجوه العنف الديني في مصر وتونس، وانتشار الاحتجاجات وموجات العصيان المدني في بعض المناطق وقطاعات مهمة كالشرطة ورجال الأمن، وتهديد الأمن القومي الحدودي أو المصالح الحيوية كالموانئ والقناة، فضلا عن استمرار الأزمة السياسية والدستورية بعد إقرار الدستور الجديد أواخر شهر ديسمبر سنة 2012 رغم كونه أكثر اعتدالا. كذلك كان الصعود السلفي الجهادي الذي حاول أن يفرض أحكامه على الشارع في ظل حكم الإخوان والنهضة! ويمكننا التدليل على الأزمة العميقة للتسلطية الناشئة بأزمة الحكم في مصر مع مؤسستي القضاء والإعلام وكذلك مع قضية المدنية والمواطنة.

* معارك مع القضاء والإعلام:

* يبدو أن التسلطية الناشئة، بنظامها الآيديولوجي والتنظيمي، تخشى بشكل رئيسي القضاء كسلطة دستورية حاكمة وضابطة والإعلام كسلطة شعبية، ولا تريدهما إلا متحيزة لها ولمصالحها وممارستها بشكل رئيسي، ورغم أن القضاء هو من أشرف على كل الانتخابات التي فاز فيها الإسلاميون قبل الثورة مثل انتخابات 2005 أو الانتخابات النقابية، وكذلك على أربع اختيارات شعبية كبيرة منذ ثورة 25 يناير في مصر، بدءا من الاستفتاء على التعديلات الدستورية حتى الانتخابات الرئاسية، إلا أنه منذ حكم المحكمة الدستورية العليا بحل البرلمان في 14 يونيو تعالت نوبات التشنج والاتهام للقضاء من قبل الإسلاميين سلطة وقوى في الآن نفسه، وبدأوا يتلبسون قميص المحاكمات الثورية واتهامات المؤسسات القضائية على طريقة شباب الثورة في اتهام المؤسسة القضائية ورجالاتها وأنهم من بقايا النظام السابق، رغم أنهم من كانوا يرفضون ذلك أثناء انعقاد جلسات البرلمان المنحل!

ورغم أن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي أتى لناخبيه محمولا على وعود إنقاذ الثورة والفصل بين السلطات واحترام أحكام القضاء، واحترام الدستور، إلا أن أول قراراته كان لصالح جماعته أو عشيرته – التعبير الأثير لديه – في 8 يوليو معبرا عن ذلك ومصطدما بالمحكمة الدستورية العليا التي أقسم أمام جمعيتها العمومية على احترام الدستور، حيث أصدر القرار رقم 11 لسنة 2012 بعودة مجلس الشعب ويلغي قرار حله ويدعوه للانعقاد وأيده فيه عدد من المثقفين الذين عارضوه فيما بعد، وخاصة بعد الأزمة الدستورية، ولكنه تراجع عن هذا القرار يوم 11 يوليو.

ولكنه عاد لنفس المنطقة ثانية وبنفس التوجه مراوغا في 11 أكتوبر حيث أصدر قرارا بتعيين النائب العام عبد المجيد محمود سفيرا لمصر في الفاتيكان، والقضاة (النادي والمجلس الأعلى للقضاء) والنائب العام يرفضون، وأزمة تصر على تراجع الرئيس، واعتبر صدور القرار يوما أسود في تاريخ القضاء المصري.

ولكن بعد ذلك بيومين فقط 13 أكتوبر تراجع مرسي ثانية عن قراره واستقبله مع وفد من القضاء بحجة سوء الفهم، بعد ثورة وخضة كبيرة في أوساط القضاء، بشكل عنيف قادها نادي قضاة مصر وعدد كبير من ممثلي استقلال القضاء وانضم لهم بعض رموز القضاء مثل المستشار طارق البشري.

ثم أعاد الكرة ثالثة بإعلانه الدستوري الجديد في 21 نوفمبر سنة 2012 والذي أقال فيه النائب العام عبد المجيد محمود وحصن فيه قراراته السابقة واللاحقة وأصدر الرئيس محمد مرسي إعلانا دستوريا تضمن عدة مواد أهمها إعادة التحقيق في كافة قضايا القتل للمتظاهرين والتعذيب وإعادة التحقيق والمحاكمات في جرائم قتل الثوار وفقًا لقانون حماية الثورة، وهو ما يستحيل حدوثه ما لم تتوفر أدلة جديدة، كما اتضح في مادته الرابعة تمرير مشروع الدستور استعجالا حيث عدل وفقه المادة 60 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس سنة 2011 لتكون مدته ستة شهور من تاريخ تشكيل التأسيسية وليس ثمانية شهور كما كان ينص الإعلان الدستوري المشار إليه.

وقد جاءت المادة الخامسة من هذا القرار تغولا وإلغاء واضحا لدور القضاء واستقلاله، حيث تنص تنصيصا على أنه «لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور». كما صدر قرار من الرئاسة نشر في الجريدة الرسمية بتعيين نائب عام جديد بديلا للنائب العام السابق، وقرار آخر بمنع معاشات استثنائية لأسر الشهداء، وهو ما أتى متأخرا بمثابة لذة آخر الطعام الدسم، الذي تفجرت بسببه أزمات القضاء، وهو ما أعقبه عمومية طارئة للقضاء يوم 23 نوفمبر، وأخرى للصحافيين ومليونية واعتصام في التحرير، وتعليق محكمة النقض لعملها يوم 29 نوفمبر، وعمت المظاهرات ميادين مصر وتمت اشتباكات الاتحادية الأولى، واستقال على أثرها عشرة مستشارين من مستشاري الرئيس، وغيرها من الأحداث كان من أبرزها تعليق محكمة النقض لعملها في 29 نوفمبر الماضي بأغلبية 231 عضوا من أعضائها ومعارضة 19 عضوا فقط.

واستمرت احتجاجات وتظاهرات أعضاء النيابة العامة في مصر اعتراضا على تعيين السلطة التنفيذية للنائب العام الجديد مستمرة ومصرة على إسقاطه، رغم محاولات وزير العدل غير الناجعة لإيجاد مخرج آمن للمشكلة، رميا للكرة في ملعب المجلس الأعلى للقضاء والعكس، وقد أعلن نادي القضاة رفضه الإشراف على الاستفتاء على الدستور وهو ما التزم به غالبية القضاء الجالس أو العالي، بما يوازي 14 ألف قاض من بين 16500 قاض كثير منهم من معاوني النيابة المعينين حديثا، المهددين في وظائفهم حال لم يستجيبوا للإشراف.

وتونسيا نشب في ديسمبر سنة 2012 خلاف حاد في المجلس التأسيسي ضد ما أراده أعضاء حركة النهضة في المجلس التأسيسي من أنه لا يجب على هذه الهيئة أن تكون مستقلة، ويرى العديد من المراقبين أنه كان ثمة سعي جاد من النهضة للسيطرة على القضاة وإرهابهم في ظل عدم وجود هيئة لتسيير القضاء، ما برحت تعتمد سياسة «العصا والجزرة» مع القضاة، فإما «الإقصاء والعزل» وإما «إطاعة الأمر» وقد حاول إلغاء صفة الاستقلال عن الهيئة العدلية التي تماثل المجلس الأعلى للقضاء في مصر، مؤكدين أن هذه الهيئة يجب أن تكون تابعة للسلطة التنفيذية مباشرة، لكن رفض نواب المجلس التأسيسي المدنيون هذه التبعية المدعاة وحافظوا على استقلال القضاء في مسودة الدستور. وقد استمر النزاع بين النهضة الأكثر مرونة من الإخوان والقوى المدنية الأخرى خاصة مع صعود الإرهاب في جبل الشعانبي وعمليات أنصار الشريعة في عدد من الأماكن وانتهى بخروج ناعم للنهضة من الحكومة وتشكيل حكومة تكنوقراط بقيادة مهدي جمعة في 10 يناير سنة 2014 رغم ما أبدوه من عدم رغبة في ذلك طوال الفترة السابقة.

ولكن لا بد أن نشير إلى أن النهضة وحكومتها في تونس كانت أكثر مرونة وأقل قدرة ووطأة – إن لم تكن أقل رغبة – على حسم الأمور في تونس التي تقوى قواها المدنية ووعيها المدني الشعبي، قياسا لحكم الإخوان ومرسي في مصر الذي نجح سريعا في حرق المراحل، وتجاوزها رغم اعتراضات المعارضة وتحفظات مؤسسات رقابية وقضائية أخرى على ما خطه من مسار ومرجعية دستورية، فتونسيا وتحديدا في مارس 2012 تخلت النهضة عن مطلب بالتنصيص ضمن الدستور الجديد الذي يعكف على صياغته المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) وهو ما أصاب التيارات الإسلامية بخيبة أمل كبيرة بعد تخلي النهضة عن مطلبها، وموافقتها على مقترحات المعارضة بالإبقاء على الفصل الأول من دستور 1959 الذي يقول إن «تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها»، كذلك تراجعت النهضة مرة أخرى في أغسطس (آب) 2012 وتحديدا «لجنة الحريات والحقوق» بالمجلس التأسيسي، تحت ضغوط واحتجاجات وتظاهرات المعارضة العلمانية ومنظمات المجتمع المدني، عن اعتماد مشروع قانون تقدمت به حركة النهضة وينص على مبدأ «التكامل» بين الرجل والمرأة عوضا عن «المساواة»، ورأى المحتجون أن عبارة «تكامل» قابلة لأكثر من تأويل وقد تكون مدخلا لضرب المكاسب الحداثية للمرأة التونسية التي تحظى بوضع حقوقي فريد من نوعه في العالم العربي بفضل مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي حكم البلاد من 1956 إلى 1987. وقد دعت «هيئة التنسيق والصياغة» المكلفة بمراجعة ما يتم تضمينه في الدستور من مشاريع قوانين قبل أن يعتمدها المجلس، أن ينص الفصل 28 من باب الحقوق والحريات على «مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، والمحافظة على تكافؤ الفرص، مع اعتماد معيار الكفاءة»، إضافة إلى «تجريم العنف ضد المرأة».

وفي 17 أكتوبر 2012 أعلنت حكومة الجبالي (التي استقالت على وقع اغتيال شكري بلعيد في 19 فبراير سنة 2013) موافقتها على مطالب الصحافيين الذين نفذوا، في اليوم المشار إليه، إضرابا عاما هو الأول في تاريخ الصحافة التونسية، لتطبيق المرسومين 115 و116 اللذين ينظمان قطاع الصحافة والإعلام، بعد أن رفضت تطبيقهما المرسومين، رغم أنهما نشرا في الجريدة الرسمية بعدما صادقت عليهما الحكومة السابقة برئاسة الباجي قايد السبسي في نوفمبر 2011، وقال مراقبون إن الحكومة تعمدت عدم تطبيق المرسومين حتى يتسنى لها تعيين مقربين منها على رأس وسائل الإعلام العمومية «خدمة لأجنداتها السياسية والانتخابية». وينظم المرسوم 115 «حرية الصحافة والطباعة والنشر» فيما ينص المرسوم 116 على «إحداث الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري»، وهي هيئة «تعديلية» تتولى تعيين مسؤولي المؤسسات السمعية والبصرية العمومية وتحمي استقلاليتها إزاء السلطات.

ويرى محللون أن النهضة أخطأت التقدير عندما اعتقدت أنها تستطيع فرض مواقفها ومشاريعها على بقية الطبقة السياسية والمجتمع المدني في تونس بحجة امتلاكها «شرعية» انتخابات 23 أكتوبر 2011.، لذا تغبط النهضة حكم مرسي في مصر الذي استطاع فرض ما أراد وتحصين ما أراد من قرارات وجمع كل الصلاحيات بيده فترة طويلة من الوقت.

كذلك زادت حدة القمع للإعلام والمؤسسات الإعلامية، قبل نجاح الموجة الثانية من الثورات، تجاه حريات الرأي والتعبير، مثالا دالا على ذلك ما حدث في مصر فجر يوم التاسع من مارس سنة 2013 من هجوم جماعة «حازمون» على إحدى صحف المعارضة (جريدة الوطن) أو مقر جريدة «الوفد» وحزبها، الأقدم والأكثر عراقة في تاريخ مصر الحزبي الحديث، يوم 15 ديسمبر سنة 2012، أو حصار مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية الذي بدأ قبل ذلك بأسبوع في 7 ديسمبر من نفس العام.

وهو ما نراه يقف وراء نفس الذهنية التي هاجمت قناة «نسمة» التونسية في 10 أكتوبر سنة 2011 أو اقتحمت قناة «العاصمة» الليبية في 8 مارس 2013، وتعدت على مراسل إحدى القنوات، واحتجبت صحف ليبية في 9 مارس اعتراضا على هذا الحادث، كما لا يمكن فصل هذه الحوادث عن نحو مائة قضية حرية رأي وتعبير في بلد كمصر بعد الثورة، ما بين حجب وحظر وقتل وتعد وغلق قناة أو صحيفة واحتجاب 11 صحيفة مستقلة وحزبية يوم 4 ديسمبر سنة 2012 اعتراضا على الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي في 21 نوفمبر وتداعياته حتى حصار المحكمة الدستورية العليا قبل ذلك بيومين وفي مارس تم الاعتداء على الصحافيين أثناء تغطيتهم للتظاهرات أمام مكتب الإرشاد في 16 مارس سنة 2013 وهو ما توالت حلقاته ولا تزال في مصر.

وفي نفس السياق لم تختلف أزمة الإعلام التونسي كثيرا عن أزمة الإعلام المصري، فحسب مركز تونس لحرية الصحافة تعرض 36 صحافيا لانتهاكات خلال شهر ديسمبر 2012، وأكثر من 50 صحافيا تعرضوا لانتهاكات مماثلة في شهر يناير الماضي، سواء عبر إحالتهم للقضاء، أو الاعتداء عليهم. كما تزايد عدد الدعاوى القانونية، المرفوعة ضد الصحافيين بتهمة «انتهاك القيم الإسلامية»، كما تمت محاكمة 6 صحافيين في شهر ديسمبر 2013 أي بمعدل محاكمة كل 6 أيام، وهو ما لم يحدث في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وفيما يتعلق بالقنوات التلفزيونية، تعرضت قناة «الحوار» الخاصة التي يملكها الناشط الحقوقي الطاهر بن حسين، والتي تنتقد بشدة سياسة حركة النهضة لمضايقات مختلفة.

وفي السادس من فبراير عام 2013 قتل المناضل والناشط السياسي المعارض لحكومة النهضة في تونس شكري بلعيد برصاصتين غادرتين أمام منزله، وفق فتاوى لتيارات سلفية صاعدة تستحل دمه، أعطتها سلطة الإسلاميين مساحات حاضنة ومتفاعلة معها، وأكدت المعارضة على أن من فتح قصر قرطاج لأمثال هؤلاء هو المسؤول عن اغتيال بلعيد، الذي يعد الثاني في تاريخ تونس بعد الاستقلال، ثم اغتيل بعده محمد البراهمي في 25 يوليو سنة 2013 وهو ما فتح الباب بقوة نحو التغيير ونحو خروج ناعم للنهضة من الحكم..

* ذكورية وتمييز معاد للمرأة والأقليات:

* ورغم أن المرأة كانت فاعلا في الثورات، وبرزت وجوهها في كل منها مصريا وتونسيا ويمنيا وسوريا وليبيا، فإن وضعية المرأة بعد الثورات لا تعبر ولا تترجم هذا الاستحقاق الواجب، أو الحق الطبيعي، فتم تهميشها في القوائم الحزبية للإسلاميين في مصر، لم تتجاوز نسبة مشاركتها في البرلمان المنحل قبل تولي الرئيس المعزول 2 في المائة حيث حصلت على 8 مقاعد فقط من أصل 498 مقعدا، كما غابت عن تشكيلة الحكومة الأولى لمرسي، وتعاطى معها الدستور تعاطيا ذكوريا وبطركيا مثاليا..

بينما نجدها في تونس رغم إقرار قاعدة التناصف في انتخابات المجلس التأسيسي، تعاني من التشدد السلفي، ومن إصرار النهضة على إقرار تعدد الزوجات كما حدث في ليبيا من أول يوم لتحريرها من نظام القذافي، كما يعارض الكثير من الإسلاميين في تونس – المعتدلين وغير المعتدلين – الحفاظ على المكاسب التي حققتها المرأة في العصر البورقيبي وفي مقدمتها مجلة الأحوال الشخصية.

وكذلك يمكن الحديث عن الطوائف أو الأقليات الدينية أو المذهبية كالشيعة والبهائيين – لم يعترف الدستور المصري بهما بعد الثورة – كان آخرها مشهد السحل الطائفي في مايو سنة 2013 لبعض المتشيعين المصريين في محافظة الجيزة.

نتجت الموجة الثانية من الثورات من أسباب عامة صنعت حالة احتقان شعبي، مسيس في بعض أجزائه، بمعنى انتمائه لرؤى وقوى سياسية معينة شأن جبهة الإنقاذ أو المعارضة التونسية، ولكن كانت في غالبيتها غير مسيسة تدفعها أسبابها الاقتصادية وأزمتها المعيشية بشكل رئيسي، وفي مقدمتها مشهد انهيار الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة القضائية مع عدم احترام السلطة التنفيذية ممثلة في رئيس الدولة لأحكامها أو نظامها العريق، وكيل الاتهامات لقضاتها متى أتت الاتهامات بغير ما تود السلطة وحلفاؤها، أو قطاع الشرطة.. الذي يرفض أن يكون طرفا في الصراع السياسي بين السلطة والمعارضة، وقبل ذلك وبعده عدم وضوح أي توجه تصالحي أو ديمقراطي جاد لدى السلطة التي بدا أنها تشتهي التسلطية التي كانت ضحيتها في عهود سابقة.

داعش والربيع العربي ( الحلقة الأولي )

(يتبع غدا بالحلقة الثالثة)

جريدة «الشرق الأوسط»

شاهد أيضاً

مصرع 36 سائحا صينيا في حادث سير في كوريا الشمالية

أعلنت وزارة الخارجية الصينية، اليوم الإثنين، إن 32 مواطنا صينيا على الأقل، وأربعة كوريين شماليين، …

اترك رد