لا تقل لي أني لم أُعذب في سجون الاحتلال ..! كتب عبد الناصر فروانة

إن كافة الشواهد والشهادات الحية تؤكد بان كل من مرّ بتجربة الاعتقال في السجون الإسرائيلية وبغض النظر عن جنسه وعمره ووضعه الصحي ، أو طبيعة عمله ومكانته الاجتماعية والأكاديمية والسياسية ، قد تعرض للتعذيب وفقاً لما عرفته الاتفاقيات والمواثيق الدولية كافة لا سيما ” اتفاقية مناهضة التعذيب ” التي صدرت في العاشر من كانون أول / ديسمبر عام 1984 ، ودخلت حيز التنفيذ الفعلي في السادس والعشرون من حزيران/ يونيه 1987 .

بمعنى هناك تلازماً مابين الاعتقال والتعذيب الجسدي أو النفسي أو الإيذاء المعنوي ، وأن 100% ممن تعرضوا للاعتقال قد تعرضوا لشكل أو أكثر من أشكال التعذيب التي تجاوزت الثمانين شكلاً كالمعاملة المهينة واللا إنسانية أو الحاطة بالكرامة ، وتكبيل الأيدي وعصب الأعين ، والضرب والصفع والتنكيل ، الشبح والهز العنيف والعزل الانفرادي ، الحرمان من النوم والضغط على الخصيتين والخنق بالماء ، الابتزاز والتحرش الجنسي أو التهديد بالاغتصاب أو التعرض للصعق الكهربائي ..الخ .

فيما أكثر من 90 % من الأطفال المعتقلين قد عُوملوا بطريقة عنيفة ، بينما وصلت محاولات تهديدهم جنسيا إلى ما نسبته 18 % من مجموع حالات اعتقال الأطفال خلال الثماني سنوات الأخيرة .

و” إسرائيل ” تمارس التعذيب في سجونها ومعتقلاتها ليس من أجل القضاء على ” القنابل الموقوتة ” وانتزاع المعلومات والاعترافات حسبما تدعي أجهزتها الأمنية فحسب ، وإنما بهدف تدمير الإنسان جسدياً ومعنوياً، وتحطيم شخصيته وتغيير سلوكه ونمط تفكيره وحياته وآرائه ومعتقداته السياسية .

والأخطر أنها تُمارس التعذيب تحت غطاء قانوني ، وشرعية برلمانية ، و حصانة قضائية منذ ما يزيد عن ربع قرن حينما وضعت لجنة ” موشي لنداو ” الأساس لشرعنة التعذيب عام 1987، لتسجل بذلك سابقة خطيرة هي الأولى في العالم في اقتراف جرائم التعذيب سراً وعلانية ، وقضاءً ، أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع ، وتتصدر ” إسرائيل ” أيضاً الدول المنتجة والمصدرة لأدوات التعذيب .

وأضحى التعذيب جزءاً أساسياً من معاملة المعتقلين الفلسطينيين والعرب اليومية ، وشكَّل نهجاً أساسياً وثابتاً وممارسةً مؤسسيةً يشارك فيها كل من يعمل في المؤسسة الأمنية .

ولكن ليس كل من تَعرض للتعذيب في السجون الإسرائيلية نجا من الموت ليروي لنا ما تعرض له ، وليس كل من نجا امتلك جرأة الحديث والتعبير عن ما تعرض له ، ومع ذلك هناك الكثيرين مِمَن نَجوا تحدثوا وبجرأة مصحوبة بالألم والحزن والمرارة عما تعرضوا له خلال فترات اعتقالهم ، وهناك من لا زالوا متأثرين بما تعرضوا له بالرغم من مرور سنوات طوال على تحررهم ، فما من جانب من جوانب حياتهم إلا وتأثر بتلك التجربة المريرة.

نحن ندرك أننا لم نكن وحدنا ضحايا هذه الجريمة ، بل ان عائلاتنا ، أسرنا ، أهلنا ، أصدقائنا ، جيراننا ومجتمعاتنا هم ضحايا أيضاً .

وإذا كان من الواجب مساندة ضحايا التعذيب في السجون الإسرائيلية ، فمن الضروري مساندة الدوائر الاجتماعية المحيطة بالمُعذبين .

وضحايا التعذيب يعيشون حياة مأساوية خلال فترات التحقيق وما بعدها ، داخل السجون الإسرائيلية وخارجها ، وآثاره الجسدية والنفسية تبقى تلاحق المُعذبين إلى ما بعد التحرر .

وكثيرون هم الذين رحلوا جراء ذلك ، وآلاف لا زالوا يعانون من أمراض مختلفة وإعاقات مستديمة وأمراض نفسية ورثوها عن السجون والتعذيب .

والتعذيب يُعتبر انتهاكا أساسيا وخطيراً لحقوق الإنسان، وجرم فظيع وبشع يرتكب بحق الإنسانية، و استمراره يعتبر بمثابة وصمة قبيحة تندس ضمير الإنسانية، ووصمة عار على جبين الحضارة العصرية والديمقراطية المنشودة والسلام المأمول .

وللتعذيب ذكريات أليمة ومريرة ، ومن التجارب المؤلمة والقاسية التي تبقى راسخة في حياة الإنسان وشريط ذكرياته ، تلاحقه أينما ذهب وتبقى حاضرة ترفض الرحيل والانفصال أو الطلاق ، وكلما استحضرها ازداد ألما وحزناً .

فأيام وشهور وسنين الأسر، لا يمكن أن تمر دون أن تترك آثارها النفسية والجسدية على الأسرى وذويهم ، وكيف يمكن أن تمر والنماذج القاسية منتشرة أمامنا وبيننا ومن حولنا بالآلاف ..؟

وفي الثاني عشر من شهر ديسمبر من عام1997 ، أقرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة السادس والعشرين من شهر حزيران يوما عالميا لمساندة ضحايا التعذيب ، تحييه وتحتفل به سنوياً ومعها كافة المنظمات والمؤسسات الناشطة في مجال حقوق الإنسان في العالم، باعتباره يوما لتفعيل اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي بدأت بالنفاذ الفعلي بتاريخ 26 حزيران عام 1987م.

و على كافة المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية تجاه ما يجري في السجون والمعتقلات الإسرائيلية من تعذيب بشع ومميت ، والارتقاء بمستوى فعلها وآدائها لمساندة ضحاياه ورعايتهم وتعويضهم بما يوازي معاناتهم وحجم الأضرار التي لحقت بهم ، وبما يساهم في توفير احتياجاتهم وضمان حياة كريمة لهم ولعائلاتهم .

فما أقساك يا سجن وما أسوأ التعذيب بين جدرانك ، عشنا بداخلك ولا زلت تعيش بداخلنا ترفض فراقنا ، ومشاهد وصور ما تعرضنا له من تعذيب جسدي ونفسي بقيت مائلة أمامنا لم تغب عن أعيننا، تلاحقنا وترافقنا أينما ذهبنا ، تدفعنا للاستحضار الاضطراري لتجاربنا الشخصية التي تتشابك مع التجارب الجماعية .

لتذكرنا بماضي أليم ، وحاضر قاسي ، ومستقبل مجهول وغامض لآلاف لا يزالوا يُعذبون في السجون الإسرائيلية أمام مرأى ومسمع من العالم أجمع ، وآلاف آخرون خرجوا من السجون يبحثون عن مَن ينصفهم ويستأصل آثار التعذيب وذكرياته المريرة من داخلهم ، ويقدم لهم الدعم والمساندة ليحيوا بعزة وكرامة .

فلا تقل لي أني لم أُعذب في سجون الاحتلال الإسرائيلي .. أو أن آثار التعذيب قد فارقتني طوعاً ورحلت دون رجعة .. !

تنويه/ لقد سبق ونشرنا هذا المقال عام 2013 . فاقتضى التنويه

عبد الناصر فروانة
أسير محرر ، و مختص في شؤون الأسرى
مدير دائرة الإحصاء بهيئة شؤون الأسرى والمحررين
عضو اللجنة المكلفة بادارة مكتبها بقطاع غزة

شاهد أيضاً

القدس: قوات الاحتلال تعتقل أربعة مقدسيين بينهم 3 أطفال من البلدة القديمة

اعتقلت قوات الاحتلال فجر اليوم الخميس، أربعة مواطنين بينهم ثلاثة أطفال، بعد دهم منازلهم في …

اترك رد

Translate »