أبو ماجد والزمن الجميل كتب أحمد دحبور

كان من ابرز شخصيات مخيمنا، رجل طريف، ذلق اللسان، هو ابو ماجد.. وكان مغرما بالجدال والاستفسار حتى ليحقق في البيضة ومن باضها، والدجاجة ومن انجبها!! فتح عينيه على السياسة مبكرا، لكنه كان قلقا لا يكتفي بالاجوبة السهلة، الى ان وجد ضالته في المقاومة، فكان اول من انتسب الى «فتح» في مخيمنا الصغير، واستطاع مع مجموعة محدودة من شباب تلك الايام، ان يؤسس حالة من الحراك الشعبي العفوي، مشفوعة بالاسئلة وتقصي الحقائق، حتى اطلق عليه ظرفاء المخيم لقب سقراط.. ولا يزال سقراطنا هذا – مد الله في عمره – على عهده بالجدال والدفاع الدؤوب عن المقاومة الى يومنا هذا.

على ان ذلك السقراط لم يكن مجرد متكلم، بل كان ملتزما بما يذهب اليه حتى انه دفع ذويه الى الالتزام، فاستشهد ابن احد اقربائه، ووصل هو بدوره الى موقع تنظيمي لا يستهان به في الحركة، محتفظا ببساطته وتلقائيته وحماسته العفوية للاستدلال على اصل البيضة وسلالة الدجاجة!!
وابو ماجد الذي لا يعرف سبيلا الى المزايدة او المناقصة، يتميز بافتخاره الجهوري بمخيمنا المتواضع في اواسط سورية، وحين استشهد احمد شريح، اول شهداء مخيمنا، سئل ابو ماجد عما قدمه هو، فكان ابنه واتراب ابنه جاهزين للعطاء وما بدلوا تبديلا.. اما ابو ماجد نفسه فكان في حل من الانخراط الجسدي في العمل الفدائي بعد ان وصل الى مطالع العقد التاسع من العمر..
اما ما الذي احضره الى ذهني وذاكرتي الآن، فهو انه لم يغب عنهما لحظة، ولا يزال علامة فارقة في وعي جيل فلسطيني، يشرفني انني احد ابنائه.

كان الدرس الاول الذي يحرص ابو ماجد على تلقيننا اياه، هو عدم ازدواجية الولاء، واذا كنا سابقا منتمين الى احزاب او اتجاهات مختلفة، فلا بأس.. على ان نضع التزاماتنا السابقة عند الباب، ونقول: نحن ابناء اليوم.

والى ذلك، لم يكن يكف عن التنديد بما يسميه «التجنح» فأبناء التنظيم هم جسد جمعي واحد، ولا متسع للانحيازات الكبيرة او الصغيرة، فنحن – حسب تعبيره – منحازون الى كلمة واحدة: فلسطين.. ولكن عندما وقع ما لا بد منه، وهو انبثاق عدد من الفصائل الفلسطينية، فالخيرة فيما اختار الله، على اساس فكرة يد الله مع الجماعة، حيث لا متسع للتعصب او الانشداد الى تحزبات سابقة، مع القبول بالرأي الآخر، حتى ان ابا ماجد كان – ولا يزال – في طليعة المهنئين او المعزين او المتضامنين مع بقية الفصائل.. وكان لا يعمل بمبدأ: انصر اخاك ظالما او مظلوما الا من حيث التفسير النبوي الذي يقول انك تنصر اخاك الظالم بأن تردعه عن ظلمه.. وما عدا ذلك فقد كان لسان حاله المستدام: انا ابن فتح ما هتفت لغيرها.

كان ابو ماجد في مطلع شبابه رفيقا في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان قرينه في ذلك الحزب، شقيقي الاكبر الذي وجد نفسه معه بعد ذلك في التنظيم الفلسطيني الاكبر..
وكان – ربما لتأكيد الانسلاخ عن الماضي – متشددا في رفض التذكير بتلك التجربة او الحنين اليها.. ولكنه في عهد الشيخوخة الجميل، اصبح يشيد بذلك الانضباط الحزبي الفريد!! ويعزي نفسه بأن الحركة لا تتمتع بمثل ذلك الانضباط، لسبب بسيط: انها حركة وليست حزبا.

وكنت بدوري من «ضحايا» ابي ماجد الدائمين في الحركة، فهو متشدد الى درجة ستالينية ضد التحزب او التجنح، فإما ان تكون ابن فتح – حسب تعبيره – او ابحث عن عمل آخر.

وكان ابو ماجد وزميله الاستاذ قاسم يشكلان مصنعا للرجال في الحركة، فما من شاب فلسطيني في ذلك المخيم، الا ومر بمرحلة ابي ماجد والاستاذ قاسم لكن على غير تعصب بالمطلق، فشهداء الجبهات والصاعقة كانوا عندهما بمنزلة شهداء فتح وكان ولا يزال من اللافت في هذا المخيم الصغير الجميل، ان الفصائل جميعا، من غير استثناء، كانت تشارك في تشييع الشهداء جميعا بغض النظر عن الفصيل الذي ينتمي اليه الشهيد، وانه لمما يبعث على الفخر ويثير الحمية ان هذا التقليد الجميل اصبح تقليدا فلسطينيا عاما تجده في مختلف مناطق تواجد ابناء هذا الشعب الواحد.

وقد يسألني من يسأل عما دعا ابو ماجد ليجعلني من ضحاياه؟ والجواب ببساطة انه مسكون بعفريت اسمه الماضي الحزبي، على ثقتي بأنه لا يعرف لي ماضيا خاصا، فنحن من جيلين مختلفين حتى ليكبرني باثني عشر عاما، ولكن لما كان في السابق يشترك مع اخي الاكبر في عضوية حزب معروف، فقد كان موقفه ضدي ضروريا من وجهة نظره لتأكيد براءته من الماضي، مع انني لم اؤمن ثانية واحدة بحزبه السابق.. ربما اشفق على ذلك الحزب لانه تلقى ضربات مؤلمة، ولا ازال اذكر ما عانيناه، كأسرة صغيرة، يوم تم اعتقال اخي، ثم تشرده في ارض الله الواسعة بسبب انتمائه الى ذلك الحزب المحظور، وان كنت اقدّر عناده ووفاءه لتلك الفترة من عمره، حتى اذا دارت الدنيا وانقضى اجل ذلك الحزب، وجدت نفسي الى جانب اخي، في صفوف الحركة الاكبر داخل المشروع الوطني الفلسطيني.

لكنني اخص بحديثي تجربة ابي ماجد، لا تجربتي الشخصية، محتفظا بصورة «سقراط» الذي لا يترك مركبا عائما، الا بعد ان يتقصى اخبار الخشبة التي اقتطع منها، ونسبة الملوحة او العذوبة في الماء الذي يحمله، ولعلي ابتسم حين اتذكر وقفاته الاستثنائية الاستفزازية عند كل كلمة تقال، كأنه موكل بكلام الناس جميعا.. زد على ذلك ان ابا ماجد هذا، اصبح من اشد المتعصبين للحركة حتى يكاد لا يحتمل ملاحظة عليها من احد، حتى لو كان ابو عمار شخصيا وراء تلك الملاحظة.

والغريب الطريف الى هذا، انه كان يحترم الرأي الآخر، ولا يصادر على احد حقه في التعبير عن نفسه، واذا كان يحرجه تنكره لماضيه الحزبي فيما كان اخي وفيا لتلك الذكرى، فإنه – بعد ان تقدم به العمر – اصبح يشير لماما الى ذلك الماضي الحزبي، ويؤكد – حين يضيق به الافق – ان رجال ذلك الزمن كانوا رجالا حقا، حتى اذا اجبناه بأن هذا الزمن فيه رجال ايضا، تنهد وقال: اسأل الله حسن الختام.

على ان الختام الحسن تبشر به البداية الطبيعية فقد بدأ هذا الرجل واستمر من غير ان يتناقض او ينكص على اعقابه، ولعل التزامه الحديدي في حزبه السابق هو ما اورثه هذا الصمود النوعي في مواقفه السياسية وهو يناطح اعوامه الثمانين او تزيد.

هي مناسبة للتساؤل عن فكرة الوفاء في حياتنا اليومية ونظرتنا الموضوعية، أليس من حق ابي ماجد وكل ابي ماجد، بعض ما يستحقون من الاعتراف والتكريم في هذا الزمان الذي ان لم يكن جاحدا فهو على الاقل ضعيف الذاكرة؟ والآن، الا اعد نفسي بارسال هذه المادة بعد نشرها الى ابي ماجد؟ ربما لاقول له ان جيلنا لا يزال على بعض الوفاء.

شاهد أيضاً

بدون مؤاخذة- إسرائيل تقونن حقيقتها

بقلم: جميل السلحوت لا جديد في قانون “القومية” الذي صوّت عليه الكنيست الإسرائيلي، فهذه هي …

اترك رد