المعابر والقانون الدولي كتب د. حنا عيسى

بعد أن احتلت “إسرائيل” الضفة الغربية وغزّة، أخذت تتحكم بحرية الفلسطينيين في الحركة والتنقل الخارجي إلى الدول العربية المجاورة التي كانت مفتوحة لحركة فلسطينيي الضفة الغربية إلى الأردن ومنه إلى الأقطار العربية وغيرها، ولحركة فلسطينيي غزّة إلى مصر ومنها إلى الأقطار العربية وغيرها، ولم يقتصر في ذلك فقط، إنما تحكمت في الحركة الداخلية للفلسطينيين أيضاً؛ سواء بين غزة والضفة الغربية أو بينهما وبين باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة. اضافة للتحكم بحرية حركة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية بين المدينة والأخرى وبين القرية والمدينة وبين القرية والقرية، بل التحكم بين أجزاء المدينة الواحدة نفسها بالحواجز العسكرية. فأنشأت “إسرائيل” بعد احتلالها للضفة وغزة معبراً إلى الأردن هو ما يعرف بـ “جسر الملك حسين” أو “جسر اللنبي” أو “معبر الكرامة”، ثم أضافت إليه معبرا آخر هو جسر “الشيخ حسين” أو “جسر دامية” كمعبر تجاري في حين خصص الأول معبر للركاب، وفي السنوات الأخيرة خصص جسر دامية لغير الفلسطينين. أما على الحدود المصرية فقد تأخر افتتاح المعابر إلى ما بعد كامب ديفيد حيث أنشأت معبرين إلى مصر مشابهين لمعبري الضفة إلى الأردن عام 1982 أحدهما للمسافرين هو معبر “رفح” والآخر للبضائع هو معبر “العوجا”. أما المعابر إلى إسرائيل فقد كانت مفتوحة للعمال والزوار للاستفادة من الأيدي العاملة الفلسطينية الرخيصة في الصناعة والبناء، ولإلحاق الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي.

والحاجز لغة هو المانع، وحجز الشيء أو الشخص منعه من الوصول إلى غايته، وتستعمل الحواجز كأداة للعقاب الجماعي من خلال الدور أو الوظائف المنوطة بالحاجز، تتوزع الحواجز على شبكة الطرق الفلسطينية، والحواجز هي مواقع عسكرية تتخذ صفة الديمومة النسبية، فقد يستمر الحاجز سنيناً طويلة كالكثير من الحواجز التي أقيمت قبل الانتفاضة، وقد يدوم الحاجز سنة أو أقل أو أكثر ثم يزال، ولما كان غرض هذه الحواجز السيطرة على الطرق التي يستعملها الفلسطينيون في حركة نقلهم في الأراضي المحتلة أو إلى داخل الخط الأخضر أو إلى الأردن، فإنها توضع في الأماكن التالية:

1- على الطرق المؤدية إلى إسرائيل.

2- على تقاطعات الطرق في الأراضي المحتلة.

3- الحواجز حول مدينة القدس.

4- الحواجز في محيط المدن الفلسطينية.

5- الحواجز على الطرق الرئيسية.

6- الحواجز في الأغوار.

يبلغ عدد المعابر على طول الجدار العازل وحول القدس المحتلة 14 معبراً وهي على النحو التالي ( حاجز جيلو 300 , حاجز الانفاق ” بيت جالا ” , حاجز الولجة , حاجز مزورية ” بيت ساحور ” , حاجز الشيخ سعد , حاجز السواحرة الشرقية , حاجز الزيتونة ” العيزرية ” , حاجز الزعيم ” عدد 2 ” , حاجز شعفاط , حاجز قلنديا , حاجز عوفر , حاجز بيتونيا , حاجز الطيرة وحاجز بيت اكسا )، كما توجد عشرات الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش الأخرى على مداخل القرى والمدن الفلسطينية. أقيمت على هذه المعابر ممرات للسيارات التي تحمل تصاريح عبور خاصة تمت الموافقة الإسرائيلية عليها مسبقا، كما خصصت للمشاة ممرات ضيقة يسيرون من خلالها عبر بوابات وأجهزة فحص إلكترونية. ومن اشهرها “معبر الكرامة” وهو أحد نوافذ الضفة الغربية من وإلى الأردن، معبر “قلنديا” بين القدس ورام الله. أما غزة فقد اعتبرتها «إسرائيل» «قطاعا عسكريا» منذ احتلالها العام 1967 ومن هنا اكتسبت اسم القطاع، وظلت تتحكم فيه عسكريا وإداريا حتى العام 2005، حيث انسحبت «إسرائيل» من جانب واحد لكنها أبقت 17 في المئة من مساحة القطاع مناطق أمنية لم تنسحب منها. ووقعت مع السلطة الفلسطينية اتفاقا عرف باسم “اتفاق المعابر” في الخامس عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2005 وضع معايير وشروطا لتنظيم حركة المرور من وإلى هذه المعابر، منها معبر “رفح”، ومعبر كرم أبوسالم (كيرم شالوم)، ومعبر بيت حانون (إيريز)، ومعبر المنطار (كارني(.

وعملية اغلاق المعابر الفلسطينية نتج عنها حصار شديد وقاسي للأراضي الفلسطينية المحتلة ومآسٍ إنسانية جسيمة، حيث عمدت سلطات الاحتلال الاسرائيلي الى اغلاق المعابر والحواجز ومنع دخول المواد الغذائية والطبية اضافة لمواد البناء ما شكل تحديا جديدا للفلسطينيين في ظل الاحتلال الغاشم.

البعد القانوني:

اتفاق المعابر مكّن «إسرائيل» من التعرف على بيانات كل مسافر خلال هذه المعابر، والاطلاع كذلك بدقة على ما بحوزته، بل إنه يشترط على السلطة الفلسطينية إبلاغ «إسرائيل» بأسماء كل من يريد استخدام المعبر قبل 48 ساعة لتقرر ما إذا كانت ستسمح له بالعبور أو تمنعه بحجج أمنية. ويجوز للفلسطينيين وفقا لنص اتفاق المعابر 2005 استخدام المعبر في تصدير البضائع الفلسطينية، لكن «إسرائيل» دائما ما ترفض، وهو ما يكبد الاقتصاد الفلسطيني خسائر تزيد عن مليون دولار يوميا، وهذه الخسائر دعت بعض الحقوقيين الفلسطينيين إلى الاستعداد لمقاضاة «إسرائيل» ومطالبتها بدفع تعويضات مالية. اما بما يتعلق بمعبر رفح الذي فقد بدأ يعمل وفقا لاتفاق المعابر وبشكل اعتيادي في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، لكن الوضع اختلف منذ اختطاف الجندي جلعاد شاليط في 25 يونيو/ تموز 2006، وخلال هذه الفترة (7 أشهر) مر زهاء 280 ألف فلسطيني بمعدل يقرب من 1300 شخص يوميا. لكن منذ الاختطاف وحتى 12 ديسمبر/ كانون الأول 2006 – ووفقا لإحصاءات معهد الأبحاث التطبيقية في القدس (أريج) 2007 – لم يفتح المعبر سوى 24 يوما فقط من أصل 168 يوما كان من المفترض أن يفتح فيها. على رغم أن الاتفاق لم يمنح «إسرائيل» حق إغلاق المعابر من طرف واحد فهي تتحايل على ذلك باستخدام نص يلزم الطرفين بعدم فتح المعابر إلا بحضور مراقبي الاتحاد الأوروبي، وهي بدورها تمنعهم بذرائع أمنية؛ ما خلق أوضاعا إنسانية صعبة نجمت عن الحصار. وبالتالي اعتبر خبراء القانون الدولي إغلاق المعابر عقاب جماعي لسكان مدنيين؛ ما يرفعه إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي لا تسقط بالتقادم.

وتضمن اتفاق باريس أو ما يعرف ببروتوكول باريس الاقتصادي 1994 الذي يحكم التجارة الفلسطينية مع إسرائيل والعالم الخارجي الغلاف الجمركي لغزة، ويعتبر هذا الاتفاق أحد ملاحق اتفاق القاهرة الانتقالي بين الجانبين وينص على أن الأراضي الفلسطينية وإسرائيل تقع ضمن غلاف جمركي واحد، باستثناء قوائم سلعية يسمح للسلطة الفلسطينية باستيرادها من مصر والأردن وغيرها من الدول العربية خارج إطار التعريفة الجمركية والمواصفات الإسرائيلية، وفي حصص محدودة يعاد النظر فيها كل ستة أشهر وفقاً لاحتياجات السوق الفلسطينية، وترفض إسرائيل إعادة النظر فيها ويعتبر مستقبل الغلاف الجمركي لغزة ورقة المساومة الأساسية لإسرائيل حيال السلطة الفلسطينية، حيث تخشى السلطة الفلسطينية والأسرة الدولية من إخراج غزة من التوحيد الجمركي، وهكذا تفصل غزة عن الاقتصاد في الضفة الغربية. وقد مورست على إسرائيل ضغوط دولية لعدم تفكيك الغلاف الجمركي لعدم المساس بالاقتصاد في غزة، إلا أن إسرائيل تستغل ذلك للحفاظ على الرقابة الأمنية على الدخول إلى غزة وتهدد إسرائيل بإخراج غزة من الغلاف الجمركي المشترك إذا ما عارض الفلسطينيون والمصريون تحويل معبر(كيرم شالوم) ليحل محل المعبر القائم في رفح.

ويعتبر ربط سلطات الاحتلال فتح المعابر واغلاقها بأي تطور سياسي أو أمني، غير قانوني ويتناقض مع الاتفاقيات الدولية واتفاقية جنيف الرابعة التي تؤكد على حرية الحركة والتنقل ووصول المستلزمات في الأوقات كافة.

تأثر الوضع الاجتماعي والثقافي والصحي والتربوي الفلسطيني من جراء عدم التواصل والاتصال بين الضفة وغزة، لصعوبة تعقيد الإجراءات الإسرائيلية التي تتمثل في التنقل فقط من والى غزة لحملة الهوية الفلسطينية والشخصيات الهامة والمسئولين وصعوبة استلام البطاقات والحصول على بطاقة الممر الآمن سواء بإصدارها أو تجديدها ومتابعة المفقود منها، وتنقل الممنوعين أمنياً وتنقل من يحملون تصاريح زيارة من الخارج إلى غزة والتنسيق مع المكاتب اللوائية فيما يتعلق بتنقل المواطنين من والى غزة والعلاقة مع الأجهزة الفلسطينية (الفحص الأمني)، وإغلاق الطرق والحصار المشدد وارتفاع تكاليف المحروقات، ارتفاع تكاليف النقل والشحن.

كما تستخدم إسرائيل هذه المعابر في تطبيق سياسات العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين عبر منع دخول متطلبات الحياة الأساسية لسكان غزة مثل الدقيق و مشتقات البترول والغاز وبعد فترات الإغلاق الطويلة للمعابر تعاني أسواق غزة من نقص حاد في مختلف المواد والبضائع ويصل الأمر لحد المأساة عندما يمس النقص بالأدوية وحليب الأطفال.

المعابر والقانون الدولي..

تعد الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في فلسطين، أراض محتلة من وجهة نظر القانون الدولي، لمخالفة المبادئ العامة والقواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز حتى الاتفاق علي مخالفتها بذلك يكون الأساس القانوني الذي قام عليه ما يطلقون عليه (الدولة العبرية أو اليهودية أو الإسرائيلية) باطل طبقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي ،أهمها تحريم الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة، لذلك وطبقا للقاعدة الآمرة في القانون التي تنص علي (ما بني علي الباطل فهو باطل) فقيام دولة خلاف الدولة الفلسطينية علي الأراضي الفلسطينية باطل طبقا للقانون الدولي. بالتالي تنطبق علي الأراضي الفلسطينية أحكام لائحة اتفاقية لاهاي لعام 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، لذلك يظل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولاً مسؤولية كاملة عن حفظ الأمن والنظام داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بصفتها قوة احتلال لا تزال تسيطر على المناطق التي تتم إدارتها مدنياً من قبل السلطة، دون أن يعفي الاحتلال الإسرائيلي من مسئوليتها القانونية طبقا للقانون الدولي.

وبما أن المعابر تقع علي الحدود الدولية بين الدول، لذلك فإدارتها والإشراف عليها جزء من ممارسة الدولة لسيادتها علي إقليمها، فالاعتداء علي هذه المعابر أو والتحكم فيها بالإدارة أو الإشراف بدون حق، يعتبر اعتداء علي سيادة الدولة، ولا يجوز التفريط إدارة ولأشراف على المعابر أو التفريط في الدفاع عنها، وتطبيقاً وترتيباً علي ما سلف واعتبار إسرائيل قوة احتلال في الأراضي الفلسطينية، فأنها تكون قوة احتلال في الضفة الغربية وغزة، وطبقا للقاعدة القانونية الآمرة في القانون الدولي التي تنص علي أن (الاحتلال لا ينقل السيادة علي الأراضي المحتلة)، وبما أن إدارة والإشراف على المعابر يعتبر جزء أصيلاً من السيادة، بذلك كافة اتفاقيات المعابر بين مصر والسلطة الفلسطينية وإسرائيل باطلة طبقاً لما سلف وإضافة لقانون المعاهدات الدولية لعام 1969م، لأنها فيها تنازلات إقليمية عن جزء من سيادة الدول، كما أنها تمت تحت استخدام السلاح والتهديد به، وقد نص القانون السابق على بطلان معاهدات الصلح التي تؤدي إلى تنازلات إقليمية في المادة (52) منه التي تنص على (تعتبر المعاهدة باطلة بطلاناً مطلقاً إذا تم إبرامها نتيجة التهديد باستعمال القوة واستخدامها بالمخالفة لمبادئ القانون الدولي الواردة في ميثاق الأمم المتحدة)، ومما لا شك فيه أن معاهدات الصلح بين العرب إسرائيل واتفاقيات المعابر تدخل في دائرة البطلان المطلق المنصوص عليه في هذه المادة لأنها تبرم تحت تهديد باستخدام القوة مخالفة بذلك المبادئ العامة في القانون الدولي أي القواعد الآمرة في القانون الدولي العام، وكذلك مبادئ وأحكام ميثاق الأمم المتحدة وهذا ما نصت عليه المادة (53) من قانون المعاهدات والتي تنص على أنه:

(تعتبر المعاهدة باطلة بطلاناً مطلقاً إذا كانت وقت إبرامها تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، وتعتبر قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام كل قاعدة مقبولة ومعترف بها من الجماعة الدولية كقاعدة لا يجوز الإخلال بها ولا يمكن تغييرها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها ذات الصلة)، وتطبيقا لهذه المادة فإن كل معاهدات الصلح واتفاقيات المعابر المبرمة بين مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل تعتبر باطلة طبقا لهذه المادة.

د. حنا عيسى – استاذ القانون الدولي

شاهد أيضاً

الأرمن في الأرض المقدسة

بقلم: د. حنا عيسى يعود وجود الأرمن في الأراضي المقدسة إلى السنوات الأولى للمسيحية، وحتى …

اترك رد

Translate »