بدو فلسطين… رحلة الشتاء والصيف قسراً وبلا تعويض!

 

بثينة حمدان

مايزال “مهباش” القهوة يدق وحوافر الخيل تنثر غبار الصحراء، تمر بين أشعة شمس القبائل البدوية الفلسطينية ومعظمها منحدرة من شبه الجزيرة العربية والأردن وسيناء ومن أشهرها؛ الترابين والتياها والعزازمة والقديرات… تاريخ مديد وحاضر يعيش النكبات؛ وباتت رحلة الشتاء والصيف التي اعتادها البدو بحثاً عن الكلأ والماء، تهجيراً قسرياً يجتاز كل الفصول من قبل قوات الاحتلال الاسرائيلي.

إلى تجمع بدو المليحات

طريق صخرية وصحراوية، مليئة بالانحدارات، والحذر الحذر أثناء القيادة ضرورة، فالمعرَّجات؛ هي طريق تؤدي إلى أريحا وبقية المحافظات، لا يفضلها الفلسطينيون لكن يضطرون لاجتيازها مع اغلاق الاحتلال لطريق أريحا-القدس، وقد تصبح الوحيدة إذا ما نفذت اسرائيل مخططها بإلغاء هذه الطريق ضمن مشروع ما تسميه “القدس الكبرى” بتوسيع مستوطناتها المحيطة بالقدس. الطريق مصنفة (ج) أي تابعة للسيطرة الاسرائيلية مع تحركات فلسطينية محدودة بموافقة اسرائيلية كالموافقة على تعبيد الطريق وبناء سياج حديدي على امتدادها لاسيما مع كثرة الحوادث. وصلنا تجمع عرب المليحات في معرجات أريحا، يقطن فيها مائتي شخص، كان أبو سلمان بانتظارنا. سرنا معه في الطريق الوعرة وصولاً إلى بيوت تسمى “برَكسات” مبنية من الزينكو.

الطفلة سيلا

في الانتظار كان عدد من أفراد عائلته، بينهم هذه الطفلة؛ ابنة أخيه، تقف حافية القدمين، شعرها قصير، ترتدي قميصاً أحمر وبنطالاً أسوداً، بشرتها سمراء، بدوية الملامح والتفاصيل، خجولة لا تحاور الغرباء، يسمح لها وهي ابنة الأربع سنوات مرافقة والدها وأن تكون مع الرجال والضيوف، بينما تختبيء النساء في مضاجعها.

سيلا تستيقظ باكراً، تسير عشرين خطوة صغيرة فتكون في روضتها وهي عبارة عن مجموعة من “البركسات” المبنية من الزينكو على شكل حرف (U)، وتشكل مدرسة وروضة التجمع. تتوسطها ساحة صغيرة، وفي ذلك الطرف مرجوحة و”سحسيلة” واحدة. أما هذا العامود الحديدي وسط الساحة فقد تعلقت به سيلا تدور وتدور… وكلما ملت سارت إلى روضتها لتلعب. سميت سيلا لتأثر والديها بالمسلسلات التركية التي يتابعونها عبر وصلة الطاقة الشمسية فلا كهرباء تصل المكان فلا يسمح الاسرائيليين بوصولها طبعاً.

محمد لا يحب الأغنام

حاولت محادثة الطفل محمد (10 سنوات) ابن عم سيلا، وقف مشيحاً بوجهه عني، وكله خجلٌ بدويٌ من النساء. لم يجب على تساؤلاتي لكنه بقي واقفاً أمامي احتراماً لرغبتي، وطاعة لأوامر عمه. وحين سألته إذا كان يرعى الأغنام مع والده أجاب باللهجة البدوية: “ما ودي” أي لا أريد. وابتعد، ثم سألته عن أحلامه المستقبلية أجاب أنه يريد أن يصبح مهندساً، وأكد لي أعمامه مشيرين إلى بيت عائلته البعيد بأنه يهرب دائماً من البيت لأنه لا يحب رعي الأغنام! وهو ما دعانا للضحك. كان محمد قد ذهب فاتكأ على كومة من الحجارة عرفنا أنها بيتهم الذي هدمه الجيش الاسرائيلي، الذي لا يريدهم أن يستقروا في المكان، وأن يبقوا تحت سقف الزينكو الذي يمكن فكه وتركيبه. حلم محمد كما أجابني من بعيد أن يصبح مهندساً ليبني بيتاً يصعب هدمه، ويقيهم حر شمس أريحا التي لا يقي منها سقف الزينكو.

المستوطن اللئيم

كان أبو سلمان مليحات (55 عاماً) وهو شيخ التجمع “طال عمره” كما يقولون، يتكيء على عكازه وساق من حديد فقد بترت ساقه برصاص الجيش وهجوم المستوطنين الذين يعتلون جبال وتلال فلسطين، بينما يعيش البدو وأغنامهم في هذه المناطق بحثاً عن الكلأ والماء ويتعرضون للنار والطرد. أخرج لنا الشبان من إحدى البركسات ثلاثة كراسي من البلاستيك يبدو أنها خصصت للضيوف بينما جلس شابان من العشيرة القرفصاء متكئين بسهولة على ساق واحدة دون تعب ودون أن يبدلوا ساقاً بساق. فهذه هي الجلسة البدوية.

وحدثنا أبو سلمان عن أحد المستوطنين من مستوطنة “رونيم” الاسرائيلية القريبة والذي يسرق بشكل مستمر أغنامه، عدا عن مهاجمة الجيش الاسرائيلي للتجمعات البدوية وهدمها وتسليم سكانها اخطارات الهدم والترحيل.

النساء لا يعرفن “المشاوير”

هربت إمرأة من عدسة كاميرا القبس، ونبح في وجهي كلاب حراسة للغنم، اسكتتهم النساء واستقبلنني، جلسنا في بركس صغير هو عبارة عن مطبخ يحتوي أبسط حاجيات المطبخ؛ سطل لغسل الصحون وفرن حطب وبعض الصحون. عرفتني معزوزة على كلاب الحراسة وأسمائهم الغريبة: روك، زازا، مراد ووردة!

تقضي النساء وقتها في حلب الأغنام واعداد لبن المخيض حيث يقمن بخضه لإخراج الزبدة منه، يشربن الكثير من اللبن والحليب لتستطيع أجسادهن مواجهة قسوة حياتهن، المشوار لديهم من المستحيلات ويقتصر على موافقة رجالهن أن يسيروا إلى التلة واستنشاق الهواء المنعش. معزوزة هي الزوجة الثانية والثالثة “في الطريق” كما قالت، سألتها عن تقبلها للأمر، فأجابت مستغربة: هذا حقه مادام الجيبة عمرانة والصحة قوية. لم أستطع إخبارهن أن النساء باتت ترفض الأمر بل وقد تشترط عدم الزواج بأخرى في عقد الزواج، وصارت المحاكم تعتبر معرفة الزوجة الأولى بالزواج الثاني شرطاً لإتمامه في المحاكم الفلسطينية.

بدوية بين أقوى امرأة عربية

عبير أبو غيث، فتاة في أواخر العشرينات، خفيفة الظل، هادئة الملامح، تشع عيونها بالأنوثة والقوة تعود لأصلها من قبيلة التياهة أكبر العشائر البدوية في فلسطين، تعيش وعائلتها في الخليل، تدير وزملائها شركة خاصة، وتنطلق يومياً إلى عملها بسيارتها متنقلة بين مدن الضفة وتشارك في فعاليات دولة. كانت عاطلة عن العمل لعامين بعد تخرجها قبل أن تحول الإحباط إلى انجاز بتوظيف معاناتها فتبتكر مشروعها الذي ساعد الشباب على إيجاد وظيفة، المشروع الذي حولته إلى شركة. عبير هي واحدة من بين أقوى مائة امرأة عربية وهو لقب من مجلة “أرابيان بزنس” في الإمارات، وحصدت جائزة أفضل مقدمة خدمات تكنولوجيا في الشرق الأوسط وأفريقيا. تتحدث دائماً عن أصلها البدوي وافتخار عشيرتها بها، متشبثة بالسمات البدوية التي تساعدها على النجاح كالشجاعة والأصالة والصبر.

الأغنام في فلسطين

تشكل عائدات الثروة الحيوانية في فلسطين نحو 40% من عائدات الزراعة معظمها غنم وماعز، وعددهم نحو مليون رأس غالبيتها في الضفة، تتركز 21% منها في الخليل. وهو عدد في تراجع مستمر نتيجة عدم توفر العلف والماء للرعي فمعظم مناطق الرعي من جبال وسهول محتلة بالاستيطان والجدار وبحجة أنها مناطق عسكرية أو مصنفة (ب، ج)، عدا عن ارتفاع سعر الأعلاف بنسبة 100%.

نصف العائلة بدوية

يجلس فارس خلف مكتبه في إذاعة راية الفلسطينية في رام الله محرراً لبرامجها ونشراتها، نحيف يحتفظ بسمرته، ينتمي لحمولة الكعابنة التي كانت تعيش قبل النكبة جنوب الخليل واليوم في الأردن وشرق رام الله. تعيش نصف عائلة فارس حياة البداوة وتتنقل مع والديه لرعاية الأغنام، أما النصف الآخر فقد تعليمه ويعيش في بيت من اسمنت ويعمل في المدينة. لكنهم جميعاً يجيدون العادات البدوية لاسيما في المناسبات فالعرس والغداء يستمر ثلاثة أيام. أما المخاتير فمازالوا موجودين بل ويقومون بالصلح العشائري بين العائلات البدوية بل والقروية والمدنية. المختار مازال مختاراً مع فرق بسيط أن الجيل البدوي الشاب يجرؤ على محاورته في قراره.

عرب الجهالين

أبو عماد الجهالين شيخ عشيرته التي تمثل أكبر التجمعات البدوية في الضفة الغربية، عرفناه كصحفيين متحدثاً باسم العشيرة ومعاناتها من الاحتلال خاصة كثرة ترحيلهم وتهديد منازلهم وحرمانهم من الكهرباء والمياه، يرتدي لباسه البدوي من جلابية وعقال، ويحتمي بجاكيت من الجلد، يقود حصانه مرة ويرعى أغنامه، وفي مرة أخرى يقود سيارته التي ينطلق بها يومياً لإيصال بعض المعلمات والطالبات إلى مدارسهن ويعيدهن ظهراً، ففي معظم التجمعات البدوية لا يوجد مواصلات وتخصص سيارتين للتجمع، وأحياناً يتوفر باص لنقل الطلبة بدعم الحكومة الفلسطينية. حدثنا عن ازدياد التعلمي بين البدو مع محدوديته للإناث، أما عملهن فهو محدود أكثر فأكثر ويقتصر على مهنة التعليم.

تقسيم البدو

كان يعيش البدو في صحراء النقب جنوب فلسطين التاريخية قبل الاحتلال، نحو 70% منهم هم لاجئين كان عددهم 80 ألفاً عام 1947 من بين مليون فلسطيني، وعددهم اليوم 245 ألف من .54 مليون فلسطيني. يعيش أكثرهم في النقب ثم شمال فلسطين، والجزء الأقل في الوسط متناثرين، ورغم ما يعرف عن البدو من حبهم للتوالد إلا أن عددهم تناقص كثيراً.

وفي الضفة يعيش 7000 من البدو في ضواحي الخليل والقدس وأريحا معظمها مناطق (ج) يمنع البناء فيها وهي مناطق نارية لمحاذاتها المستوطنات والثكنات الاسرائيلية. ومنذ عام 2008 تعرض 60% منهم للتهجير من تجمعاتهم وهدم منازلهم لصالح المستوطنات الاسرائيلية.

يعيش بدو النقب حالياً تحت السيطرة الاسرائيلية والتي حصرتهم في مثلث ضيق ما بين ديمونا وعراد وبئر السبع. وأقامت اسرائيل في النقب مستوطناتها ومحمياتها الطبيعية ومعسكراتها مصادرة أراضي البدو، ولم تعترف بهم وبالتالي يعيشون بلا خدمات.

شاهد أيضاً

Abbas speaks during a meeting of the UN Security Council in New York

ملف /// ردود الفعل على خطاب سيادة الرئيس أبو مازن في مجلس الأمن

للاطلاع على ردود الفعل على خطاب سيادة الرئيس أبو مازن في مجلس الأمن اضغط على …

اترك رد