التفكير الفلسفي علم الكليات والمحاكمات العقلية كتب د. حنا عيسى

التفكير ليس خاصية للفلسفة وخاص بها وحدها. إنما التفكير خاص بمن يفكر وبكيفيّة التفكير، وبحكم أن الانسان كائن يفكر فإنّ التفكير ظاهرة عامة خاصة بالإنسان فحسب. فلا يمكن اعتبار الحضارات التي عاصرت الحضارة الهلينيّة (الاغريق) انها لم يسبق لها التفكير كالحضارة الفرعونيّة والتي سبقتها كالحضارات الشرقية والهندية منها. وتعتبر الحضارة الهيلينيّة لأن هي تحديداً الحضارة الوحيدة التي أنتجت نوعاً متميّزا من التفكير الذي لم يسبقها فيها أية حضارة أخرى، وأسست له في القرن السادس ما قبل الميلاد. وهذا النوع من التفكير هو التفكير الفلسفي.

والفلسفة في الأصل هي البحث عن الحكمة، وعرفها سقراط بأنها البحث العقلي عن حقائق الأشياء المؤدي إلى الخير. ولكن واقع الفلسفة هو الخوض في علم الكلام، وتحكيم العقل في العقائد ومنها الإلهيات والنبوات والغيبيات وغيرها.

وتشهد الفلسفة المعاصرة نشاطاً مخصوصاً في مساءلاتها وتفكراتها ومساراتها، هذه المخصوصية تتأتى من التحولات التي مسّت نماذج الفهم ومقولات التفكير، بخاصة تلك التي صاغتها عقلانية الحداثة الفلسفية مع لحظة التأسيس الذاتي الديكارتية وتوابعها المعرفية والتاريخية: الإصلاح الديني والثورة العلمية والثورة السياسية وعصر النهضة وعصر الأنوار وصولا إلى الإغلاق الفلسفي مع هيجل Hegel، إنه إغلاق لأنه رفع هذه المعقولية بمحدداتها المشهورة: الحق في النقد، الحرية، استقلال العمل، المنزع المثالي في الفلسفة، رفعها إلى مرتبة الوعي المطلق بالذات، هذا الوعي تعد الحرية ملمحا جوهريا عليه في عناصر الثقافة الغربية المختلفة: السياسة، القانون، الأخلاق، الفلسفة، الدين.

*خصائص التفكير الفلسفي
نقدي: لكون أن التفكير يقوم على الشك المنهجيّ أو التعليميّ التفكير لا يكون تفكيرا إلا إذا كان نقديا .و لأن التفكير لا يبدأ إلا إذا كان الشك فإن كلّ أنواع التفكير سيكون بالضرورة نقدياّ. فلفظة الاغريقية الفرنسية ذات أصل إغريقي تعني الفرز و الاستيعاب . فالشك ليس هو النفي و لا الرفض و لا الانكار و إنما هو تعليق الحكم و التريث في إصدار الحكم إلى حين . إلى حين التحقق و التمحيص و النظر . فيكون إعادة نظر من أجل المعرفة الحقة التي سنصل إليه بتفكيرنا الخاص . إنّه بذلك خطوة منهجية لبلوغ الحقيقة و ليس رفضا لها و استبعاد لإمكانية الوصول إليها كما هو الحال بالنسبة للتشككيّين . إن شك التشككيّين شك هدّام و شك الفلاسفة شكّ بنّاء . إن التفكير النقدي يمنح الفكر فرصة معرفة الحقيقة و الوصول إليها و يستبعد عنه شبح التعصّب و الدغمائيّة أو الدغماتيّة التي تحوّل ما أنتجه الفكر الانساني إلى مقدسات و أصنام يوجب عبادته و لا يمكن للفكر إعادة النظر فيها. و لهذا التفكير يضمن للفكر استقلاليته و لا تكون له عليه سلطة إلاّ سلطة الحقيقة.

تجريدي: ينزع التفكير الفلسفي إلى دراسة مفاهيم تتميّز بأنها عامة ومجردة . ليس موضوعه الواقع المحسوس والأشياء العينيّة. لذلك الأحكام الفلسفية أحكام وجوبيّة وليس أحكام وجوديّة. يختلف في ذلك عن التفكير العلميّ الذي هو طبيعة ماديّة.

كليّ: لكون التفكير الفلسفي لا يدرس الواقع المحسوس وإنما مفاهيم عامة ومجردة فهو يدرس الوجود ككل و ليس أجزاء. و لهذا يرى “أرسطو” : إنّه ” لا علم إلأّ بالكليات” أي معان عامة ومجردة. فإذا كان موضوعه الانسان فهو لا يفكر فيه ككاائن بيولوجي قابلة للملاحظة والاختبار التجريبي ولا يدرسه ككائن اجتماعي أو تاريخي أو نفسيّ وإنما يدرس من حيث مفاهيم كالكينونة والماهية و الجوهر.

نسقي: باعتبار أنّ موضوع التفكير الفلسفي هو مفاهيم عامة ومجردة فإن التفكير الفلسفيّ بالتفكير يهتم بشكل المحاكمات العقلية و ليس من حيث مضامينها أي من حيث موافقتها للعقل وتطابق العقل فيها مع نفسه. لذلك تجد الفلسفة فلسفات من حيث أن المنطلقات ليست واحدة ولهذا تجد أن نتائج التفكير ليست واحدة ومع ذلك لا تفقد مصدقيتها أمام العقل. و من هنا تجد نفسك أمام نتاج يظهر في شكل أنساق أو منظومات فكريّة متباينة أو متعارضة، المعوّل في المنظومة فيه ليس الصدق وإنما الانسجام المنطقي بين المنطلقات والنتائج.

الشمولية: والمراد بها دراسة الكليات لا الجزئيات، أي الاهتمام بما هو شمولي عام والابتعاد عن الحالات الفردية المعزولة في الزمان والمكان، فإذا كان الجيولوجي يبحث في أصل تكون جبل أو نهر ما فإن الفيلسوف يبحث في أصل الكون ككل لا في أصل جزء منه.

الصرامة المنطقية: وتتمثل في التدرج في عرض الأفكار على شكل سلسلة مترابطة الحلقات يتم فيها الانتقال من البسيط إلى المركب ومن السهل إلى الصعب ومن المعلوم إلى المجهول، ثم استخلاص النتائج المترتبة عنها وتبريرها منطقا بأن يكون الحجاج المقدم عنها حجاجا عقليا مقبولا ومقنعا.

الاهتمام بقضايا الإنسان: وذلك بالبحث فيه من حيث أصله وطبيعته ووظيفته ومصيره ومختلف علاقاته مع نفسه والآخرين ومع الطبيعة ومع الله، ولهذا كانت رسالة الفلسفة هي الحرص على قيمة الإنسان كل إنسان أيا كان. وفي هذا يقول هيجل “إن الدفاع عن الفلسفة هو دفاع عن الإنسان”.

د. حنا عيسى – استاذ القانون الدولي

شاهد أيضاً

 “من يحكم غزة”

بقلم: كمال الرواغ لقد استطاعت الصواريخ الاسرائيلية، ان تهدم سجن غزة المركزي في ساحة السرايا …

اترك رد