مراكز صنع القرار الأمريكي.. عقول صهيونية وأدور مشبوهة

لا جدال في كون العناصر اليهودية المتطرفة، قد اتخذت منذ زمن موقعها المتقدم داخل الإدارة الأمريكية، وفي قلب عملية صنع القرار الأمريكي، بما يحقق مصالح الطرفين، على حساب مصلحة الوطن العربي والسلم العالمي في آن واحد.

وليس بجديد أن نذكّر بتلك الحقيقة، لكن اللافت هو افتقاد كثير ممن يخوضون هذا الغمار إلى المعلومات، وهو ما نسعى لتقديم بعضًا منها عند تناولنا لأهم ثلاثة مراكز في عملية صنع القرار الأمريكي، وما يتعلق بعمليات التمويل، وطبيعة مجالس الإدارات، وتوجهات وخلفيات الباحثين،

مع الإشارة إلى عناصر وجماعات عربية، قد انخرطت في العلاقات مع هذه المراكز بالصورة التي أحالتها إلى طابور خامس داخل مجتمعاتها، موقنين أن العداء للحقوق المشروعة للشعوب والتآمر على أمنها وسلامتها، ليس حكرًا على ديانة أو قومية، وإنما يتسع ليشمل أفراد وجماعات من خلفيات مختلفة.

ويعد التعرف على توجهات هذه المراكز، وطبيعة وأفكار قادتها، أمر مفيد إلى حد بعيد للصحافة العربية، التي صارت تتعامل بكل انفتاح وترحيب مع هذا الصنف من الدراسات المشبوهة الصادرة عن تلك المراكز، التي تحقق مصالح مموليها وتعكس وجهات نظر قادتها، بلا أي قدر من الموضوعية أو الانحياز للحقيقة.

إن الدول الغربية عامةً، قد أولت اهتماماً كبيراً بالمراكز البحثية. ففي الولايات المتحدة فقط ١٨١٦ مركز دراسات، وفي بريطانيا ٢٧٨، وفي أوروبا الغربية مجتمعة ١٢٢٢.

أما في «إسرائيل»، فيوجد ٥٤ مركزاً، وفي الدول العربية مصر ذات الرقم الأعلى؛ فلديها ٣٤ مركزاً للدراسات.

بالنظر إلى الولايات المتحدة فإن أهم ثلاثة مراكز دراسات ـ بناءً على تقويم دولي يجري سنوياً ـ هي معهد بروكنجز Brookings Institution، مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations، ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي Carnegie Endowment for International Peace.

وسنعرض في السطور التالية طبيعة وتوجهات قادة هذه المراكز الثلاثة، ومدى النفوذ الصهيوني في مجالس إدارتها:

أولًا.. معهد بروكنجز:

يعد من أقدم وأعرق مراكز الدراسات (تأسس منذ ١٩١٦) في الولايات المتحدة. له عدة فروع، منها مركز بروكنجز الدوحة Brookings Doha Center ومركز سابان لسياسة الشرق الأوسط الذي دعم تأسيسه حاييم سابان بـ١٣ مليون دولار، و”سابان” يهودي مصري سكندري المولد، “اسرئيلي” الجنسية، يلعب دورًا بارزًا في دعم العلاقات الخارجية للكيان الصهيوني، حيث يحرص إلى جانب أنشطة عدة على تنظيم مؤتمر دولي كل عام، يدعو إليه عدداً كبير من الدوائر السياسية والعسكرية من إسرائيل ومختلف دول العالم، لمناقشة العلاقات المشتركة بين تل أبيب وواشنطن.

وبحسب صحيفة معاريف العبرية، فإن المليارير الصهيوني يقدم دعمًا ماديًا منتظمًا للحزب الديمقراطي الأمريكي الذي ينتمي إليه الرئيس الأمريكي الحالي، باراك أوباما.

ولـ”سابان” تصريحات متطرفة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث هدد في غمرة انفعاله، بتمويل قصف إيران في حال وصولها إلى اتفاق مع مجموعة (الخمس + واحد) بشأن برنامجها النووي.

ويدير مركز سابان Ken Pollack، وهو يهودي، وكان يعمل في وقت سابق لحساب مجلس الأمن القومي والاستخبارات الأمريكية CIA.

كما يضم المركز عدداً كبيراً من الخبراء اليهود، من أهمهم “مارتن أنديك”، وهو سفير سابق للولايات المتحدة في “إسرائيل” ومدير سابق للأبحاث السابق في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية AIPAC؛ وكذلك “جابي أشكنازي”، وهو رئيس سابق للأركان في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وتجدر الإشارة إلى أن معهد سابان قد استضاف في يونيو ٢٠١٣، الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسيّة، وألقى الغنوشي خطابه في المركز محاطًا بترحيب حار من الحضور، خاصة ” مارتن انديك”, السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل, وأحد زعماء الحركة الصهيونية!.

علاوة على ذلك، أقام مركز (سابان) لسياسات الشرق الأوسط التابع لمعهد (بروكنجز) بذات العام في واشنطن حفل تكريم للشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطريّ السابق، بمناسبة مرور عشرة أعوام على عضويته في مركز بروكنجنز!.

ويُذكر أيضًا أن “سابان” كان ولا يزال من أبرز المتبرعين لدعم أنشطة إسرائيل السياسية والاستيطانية والعسكرية، والحملات الانتخابية للكثير من المرشحين لمناصب مختلفة، خاصة منصب رئيس الحكومة، وقّدم الكثير من التبرعات لدعم مؤسسات إسرائيلية مثل جامعة تل أبيب، ومستشفيات عامة.

بالنسبة إلى الشأن الفلسطيني، بحسب ما تقول نسيمة أيوب، في مقالها المنشور بموقع العودة الفلسطيني، “تتجه كتابات مركز بروكنجز ودراساته نحو تحقيق سلام “يرضي” كافة الأطراف. وقد تبدو بعض هذه الكتابات محايدة، إلا أنها في الواقع قلما تهاجم “إسرائيل”.

وهي ترى في معظم الخطوات الإسرائيلية أمراً مسلّماً به قد يحتاج إلى بعض التعديلات هنا وهناك”. وتكمل أيوب: “يرتضي كتّاب معهد بروكنجز وباحثوه إطلاق تسمية “الدولة” اليهودية” على “إسرائيل”، وهو أمر يعبّر عن سياسة تحيّز مسبقة وعنصرية فاضحة.

ولا يوجد تسليط ضوء حقيقي على معاناة الفلسطينيين في الداخل واللاجئين في الخارج”.

ثانيًا.. مجلس العلاقات الخارجية:

بالانتقال إلى ثاني مركز الدراسات الأمريكية الأكثر تأثيرًا وأهمية، نجد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية الذي تأسس عام ،١٩٢١ له مجلة شهيرة هي “Foreign Policy”.

ويعد بحسب كثيرين الأقوى تأثيراً على السياسة الخارجية الأمريكية. وقد أنشأه أكبر رجلي أعمال في التاريخ، ج ب مورجان وجون روكفلر، كقناة اتصال وتنسيق بين قطاع الأعمال (أي رؤوس الأموال) والحكومة الأمريكية.!

وبالتعرض لأعضائه وهيئته الإدارية، يتبين لنا مدى تغلغل اللوبي الإسرائيلي في المؤسسة. في البداية نجد “ريتشارد هاس”، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية ، مولود لأب وأم يهوديان، بحسب موقع “ويكيبديا”، ويشغل المنصب منذ يوليو ٢٠٠٣،

وقد كان سابقاً مديراً لتخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، حيث كان مستشاراً أول لوزير الخارجية “كولن باول” في مجال واسع من اهتمامات السياسة الخارجية.

كما عمل منسقاً للسياسة الأمريكية فيما يتعلق بمستقبل أفغانستان، كما كان نائب رئيس قسم دراسات السياسات الخارجية في معهد بروكنجز ومديره، وزميلاً أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، وكان قد عمل في السابق في مختلف المواقع في وزارة الخارجية (١٩٨١-١٩٨٥)، ووزارة الدفاع (١٩٧٩-١٩٨٠).

ويذكر أن جريدة “الشروق” المصرية، والتي تواجه اتهامات بالانحياز غير المباشر لجماعة الإخوان، قد دأبت على نشر مقالات “هاس” وتحليلاته للشأن العربي والمصري، في الفترة ما بين ٢٠٠٩ حتى يوليو ٢٠١١، باعتباره كاتب بمجلة نيوزويك، دون الإشارة لديانته، أو عمله كرئيس رئيس مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية، أو أعماله السابقة في الإدارة الأمريكية، بين وزارة الدفاع والخارجية!.

بالتعرض لمجلس الإدارة، فيتبين أن نحو ٢٦ عضواً من أصل ٤٠ هم يهود أو أزواج ليهود، وبالتالي ٦٥% من مجلس الإدارة “يهودي” صهيوني. وبحسب ما يعطينا موقع المجلس الرسمي، فإن اسم الثري الصهيوني المعرف “بيتر آكرمان”، هو من بين أسماء المديرين و”آكرمان” كما هو معلوم له دور بارز في تمويل مؤسسة “ألبرت اينشتاين” التي يديرها “جين شارب”، مبتكر أسلوب التغيير اللاعنيف،

وهو الأسلوب الذي اعتمدته منظمة “كانفاس” و”اوتبور” الصربية للحشد بهدف إسقاط نظام “سلوبودان ميلوسوفيتش” الذي كان يتبنى نظامه سياسات خارجية معادية للهيمنة الأوروبية والأمريكية على أوروبا الشرقية، وقد سقط النظام بالفعل عام ٢٠٠٠ بعد طلعات جوية مكثفة لطائرات الناتو، ما كان لها أن تنجح لولا خدمات “اتبور”.

ويذكر بالمناسبة أن تقارير صحفية أمريكية تحدثت عن تمويل تلقته المنظمات الصربية، مابين ١٩٩٨وعام ٢٠٠٠، من منظمة المنح الديمقراطية التي تأسست عام ١٩٨٩، كما يذكر أن عدد من شباب الساسة المصريين كانوا قد اعترفوا بتلقيهم تدريب على أيدي قادة المنظمات الصربية، المرتبطة بأجهزة مخابرات غربية!. بالعودة إلى مجلس العلاقات الأمريكية،

نجد من أبرز أعضائه، الملياردير الصهيوني، “جورج سورس” الممول لمجموعة الأزمات الدولية، ومادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأمريكية سابقًا، وصاحبة الجذور اليهودية، وكذلك كولن باول مهندس عملية احتلال العراق، أثناء توليه لمنصبه كوزير للخارجية الأمريكية في الفترة مابين يناير ٢٠٠١ حتى يناير ٢٠٠٥. بالإضافة إلى ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي من ٢٠٠١ إلى ٢٠٠٩ في فترة حكم جورج بوش، وجيمي كارتر، وكندليزا رايس، وهنري كسينجر

وهناك أيضًا هنري زيغمان اليهودي، والذي يعتبر بحسب محللين وخبراء، عرَاَب العلاقات السعودية الإسرائيلية!. ومن بين المؤسسات “التجارية والصناعية” العضوة في المجلس، والتي تتولى جانبًا من التمويل: ( بيبسي – كوكاولا – جوجل – هاينز – موتورولا – ماستر كارد – فيزا…).

وجدير بالذكر أن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي قد أصدر بيانات في وقت سابق تفيد بـ”تحفظه” على اختيار السيسي لفايزة أبوالنجا كمستشارة للأمن القومي، قائلا “إن السيسي اختار من يؤمنون بالقمع وتجريم الدعوة لحقوق الإنسان، لقد لعبت فايزة أبو النجا دورا رئيسيا في إفساد العلاقات المصرية الأمريكية في السنوات الأخيرة”!.

وهو ما يعد تدخلًا غير مقبول في السياسة الداخلية للدولة المصرية، ويعكس انحيازًا مسبق للمجلس ضد مسئولين مصريين كان لهم دور سابق في كشف حجم التمويلات الخارجية التي يتم تمرريرها بصور غير قانونية لمراكز بحثية وحقوقية داخل مصر، بالشكل الذي يهدد الأمن القومي للبلد.

كما اتهم المجلس النظام المصري بأنه لا يقمع جماعة الإخوان أو المتشددين في سيناء فحسب، بل يقمع أي شخص يوجه الانتقادات لنظامه، والعديد من منتقديه علمانيون ومعتدلون ويمثلون التيارات الديمقراطية!.

وقد لاقت هذه التصريحات ترحيبًا ملحوظًا في المواقع الإليكترونية المناصرة لجماعة الإخوان من بينها (المصريون، والشعب)، واعتبرتها نصرًا مرحليًا للجماعة، وهو ما يعكس تماهيًا من نوع ما بين توجهات الجماعة وتوجهات هذا الصنف من المراكز الدولية!.

ثالثًا.. معهد كارنيغي:

بحسب ما هو منشور على موقعها الرسمي، فهي مؤسسة خاصة غير ربحية مكرسة لتعزيز التعاون بين الدول وترويج التزام الولايات المتّحدة الفاعل على الساحة الدولية.

أسّسها أندرو كارنغي عام ١٩١٠ ، ولديها أربعة فروع: في واشنطن وموسكو وبيروت وبروكسل. رئيسة المؤسسة هي “جيسيكا ماثيوز” يهودية الديانة، وقد لعبت المؤسسة عبر باحثيها في الشرق الأوسط، دورًا فيما سُمي بعملية التغيير الديمقراطي، ومن أكثر باحثي “كارنيجي”، شهرة في الوسط الإعلامي المصري، عمرو حمزاوي.

وكان لـ”كارنيجي” دور ملحوظ في العراق وأفغانستان ما بعد الاحتلال الأمريكي، وللمؤسسة مشروع خاص بالشرق الأوسط تأسس في عام ٢٠٠٢ من أجل تقديم وجهات نظر تحليلية وفهم مقارن واسع لكيفية حدوث التحولات السياسية وخبرة إقليمية عميقة للتأثير على مسألة التطور السياسي في العالم العربي!.

وتتميز الأبحاث المقدمة عبر مؤسسة “كارنيجي”، بالانحياز المسبق ضد ثلاثة أنظمة عربية بالأساس سوريا ومصر “ما بعد ٣٠ يونيو”، والجزائر، وتروج المؤسسة لمزاعم حول انتهاكات حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية، في حين تتجاهل غياب الديمقراطية والحريات في دول إقليمية أخرى.

وقد أولى باحثو المركز أهمية خاصة بالعلاقات المصرية الروسية أخيرًا، حيث سعوا بأكثر من وسيلة للتشكيك في قدرة مصر على الخروج من خندق التبعية لأمريكا، ومن جهة أخرى حاول باحثون محسوبون على تيار الإسلام السياسي تصوير الدور الإقليمي الذي تلعبه مصر حاليًا على أنه لا يزيد عن محاولة تصدير المشكلات الداخلية للخارج.

وتعتبر كارنيجي، واحدة من المؤسسات المانحة لمجموعة الأزمات الدولية، والتي كان محمد البرادعي رئيس حزب الدستور الشرفي، وجورج سورس الملياردير الصهيوني، صاحب الدور البارز فيما يعرف بـ”هندسة دول الشرق الأوسط على الطريقة الأمريكية”، عضوان بها حتى وقت قريب.

أما عن تمويل “كارنيجي”، فإن يأتي عبر أموال وقفية عن طريق بيت الحرية Freedom house ذات الصلة الوثيقة بجهاز المخابرات الأمريكية CIA ، والتي كانت تتلقى دعما بشكل مباشرًا من الرئيس الأمريكي الراحل”فرانكلين روزفلت”، وكانت زوجته رئيسة شرفية لها، وبحسب مراقبون للشأن الأمريكي، فإن “فريدوم هاس” محسوبة على التيار الصهيومسيحي “المحافظين الجدد”، ومن أبرز أعضاء مجلس أمانتها، “برجينيكسي” و”دونالد رامسفيلد”.

وتعمل كارنيجي للسلام على سياسة الاحتواء التي ورثتها من ربيبتها منظمة فريدوم هاوس، حيث دعمت مشروع مارشال الذي تبنته أمريكا لتعويض الدول الأوربية “الغربية” عن خسائرها في الحرب العالمية الثانية، غير أنها بعد أحداث ١١ سمبتمبر اهتمت بدراسة تيارات الإسلام السياسي، شأنها في ذلك شأن مركز “راند”، الذي كان قد أوصى الإدارة الأمريكية منذ منتصف العقد الماضي بضرورة فتح علاقات جادة ومعلنة مع التيارات الإسلامية “المعتدلة” وفي مقدمتها جماعة الإخوان، و”راند” مركز بحثي أسسته وزارة الدفاع الأمريكية عقب الحرب العالمية الثانية، بإشراف سلاح الجو الأمريكي عام ١٩٤٦م!.

كتب: السيد شبل

شاهد أيضاً

مصر والاردن تعدان لمؤتمر دولي دعما للأونروا

صرح الأمين العام لجامعة الدول العربية احمد أبو الغيظ، بأن كلا من الأردن ومصر تعدان …

اترك رد