زياد أبو عين الوجه الثوري للسلطة كتب د. باسل خليل خضر

في أربعينية الشهيد زياد أبو عين اكتب كلمات هذا المقال كنوع من الواجب الوطني علينا، مع أن الشهيد زياد أبو عين يستحق أكثر من ذلك بكثير وأتمنى أن يتم كتابة الكثير من الكتب لتوثق عظمة ونضال وفكر وحياة هذا القائد الوطني العظيم.

قبيل استشهاد القائد العظيم والصديق الصادق؛ ومن شدة انجذابي بأسلوبه في النضال وطريقته في الكفاح، دونت له تلك العبارة “زياد أبو عين الوجه الثوري للسلطة” فإن شهيدنا الوزير منذ بداية حياته كان مقاوما عنيداً ورجلاً صلباً لا يعرف سوى التضحية من أجل الوطن، وفي أصعب الظروف التي تمر على فلسطين كنا نبصر ذلك الرجل شامخاً مرفوع الرأس ويتفاخر بوطنه ويبعث الأمل في نفوس المواطنين، خلال حياتي ومتابعتي للمكافحين الفلسطينيين لم أتوقع أنني سوف أذهل برجل بهذا القدر؛ مع ان طبعي هو الانتقاد، فقد كنت ارصد يوميا جولات المقاومة التي كان يخوضها وكنت بعد كل معركة اشكر ذلك البطل على جهوده العظيمة التي كان يبذلها، فكنت من أشد المؤيدين والمناصرين لفكر ومنهج الوزير أبو طارق.

تربى زياد أبو عين منذ صغره على مقاومة الاحتلال، وانضم إلى صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وباشر في الكفاح المسلح للاحتلال، وحسب اعتراف العدو فإن شهيدنا قام بتنفيذ الكثير من العمليات المسلحة ضد إسرائيل وما عرف منها هو قتل اثنين من جنود الاحتلال، وتم اعتقاله في الولايات المتحدة وتسليمه إلى إسرائيل، وقضى في السجون الإسرائيلية والأمريكية قرابة الثلاثة عشر عاما، تولى الكثير من المناصب داخل حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، فكان محل ثقة الجميع، كانت أهم المناصب للشهيد وكيل وزارة الأسرى لفترة وطويلة، ورئيس هيئة مكافحة الجدار والاستيطان برتبة وزير وتم اغتياله بعد تولية هذا المنصب بعدة شهور.

فلسطين رزقت بكثرة أبطالها، ولكن ما الذي يجعل زياد أبو عين يتميز عنهم، إن المناضل الفلسطيني يبقى يكافح ضد الاحتلال حتى إذا ما تولى منصب في السلطة فيتحول عن المقاومة ويتفرغ إلى إدارة وظيفته، ولكن نحن أمام حالة تختلف عنهم، هو الوزير زياد أبو عين، فقد خرج عن العادات والعرف، فإننا كنا نفاجأ عندما يتولى منصبًا يتحول ذلك المنصب إلى ساحة مقاومة ضد الاحتلال، عندما كان وكيلا لوزارة الأسرى لم يكن ذلك المنصب عبارة عن حالة معقدة من الإدارة، وإنما جعله ساحة لمقاومة المحتل، فكان ذلك المنصب في عهد زياد أبو عين يتسم بالطابع الثوري وليس الإداري، ولذلك قام الرئيس بتعينه وزيرا لهيئة مكافحة الجدار والاستيطان، فتحولت هذه الهيئة إلى جيش عظيم يهدد المشاريع الصهيونية، وأصبحت الهيئة عبارة عن ساحة حرب مفتوحة لمواجهة الاستيطان والاحتلال، ومع العلم ان هذه الهيئة موجودة من قبل ولكن لم نسمع عنها وعن عملها إلا بعد تولي الأخ أبو طارق رئاستها.

لماذا أعجبت بالشهيد زياد أبو عين:

بإمكان أبو طارق عندما كان وكيلا لوزارة الأسرى أن يجلس في مكتبه ويقوم بتوقيع الأوراق كل يوم ويمارس الروتين اليومي لكل وكيل وزارة، ومن ثم يعود لمنزلة يستمتع بوقته وبالرفاهية التي يعيشها أمثاله، كان يمكن أن يعيش حياة بدون مشاكل وبدون عبء يتحمله يوميا، ولكنه رفض إغراء الرفاهية والراحة، وكان يحمل أمنيات الأسرى في صدره ويتحمل آلامهم ويصرخ صرخاتهم، لم يكن إنسان عادي، بل كان لا يترك مثقال ذرة من طاقة لدية إلا ويستغلها في تحقيق أهدافه التي وضعها نصب عينيه بتحرير كافة الأسرى الفلسطينيين.

أقتبس فقره نشرها الشهيد يوم 27 سبتمبر 2014 “الوطن يتطلب انتماءنا إليه، وواضح أن حالة الفعل البشري لنا كمواطنين بها قصور، نتاج تغيب ربط الذات كمصلحه بالمشروع العام فالتقدم والازدهار والرفاهية لن تتحقق الا بتحقيق الحرية والاستقلال ورحيل المحتل …توجه النداءات لأي فعل نضالي تعبيري ومن أي جهة تجد الأكبر قصورا هم أولئك المستفيدين من المشروع الوطني وظيفة ومركزًا أو خدمة” وفي هذا المنشور يعاتب المستفيدين من السلطة ولا يستمعون لنداء الوطن.

ولشدة إعجابي بشخصيته كتبت له عندما تولى منصب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان “أخ أبو طارق أنت تعلم جيدًا أنك مسؤول عن أهم عمل وطني في فلسطين وهو إزالة المستوطنات والجدار, وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا, وأنا أتوقع أن تكون إزالة الجدار والمستوطنات على يديك إن شاء الله, أتمنى التوفيق والنجاح ‏19 سبتمبر، 2014‏، الساعة ‏02:00 مساءً‏”، وبالفعل عندما تولى هذا المنصب كان ثائرًا لا يتوقف عن العمل، كان بإمكانه أن يكون مثل من سبقوه في الهيئة، فكان الإنسان الوحيد في هذا الكون الذي يعمل في وزارته على مدار الساعة في الليل والنهار فكان كل وقته في عمله، يذهب في الصباح إلى المستوطنات والأراضي المهددة، وفي الليل يكرس وقته في نشر أعمال الهيئة على مستوى عالمي، حتى أصبح يصل صوتها إلى كافة المواطنين والى أنحاء كثيرة من العالم، وأخ أبو طارق على عاتقة مسؤولية فضح ونشر جرائم الاحتلال إلى كل بقعة في العالم، وبالفعل أصبح زياد أبو عين يشكل خطر حقيقي على وجود الاحتلال، فعلا كنت أحب ذلك الرجل وأقول عنه ماكينة من الإبداع لا يمكنها التوقف عن صنع الانجازات الوطنية الفلسطينية.

كيف لا أحب ذلك الرجل الذي كان أول عمل له بعد توليه وزير الجدار والاستيطان هو ذلك المنشور “”19 سبتمبر، 2014 إلى كل الأصدقاء الذين لهم باع أو تخصص بالقانون الدولي بالعالم ويرغبون أن يساهموا بالاستشارات أو المساعدة الطوعية بالدفاع أو المقترح أو الرأي أو الاستشارة بالدفاع عن حقوق شعبنا بمواجهه الجدار والاستيطان لطفا إعلامي لنتعاون معا ونستفيد منكم بمعاركنا القادمة، أخوكم زياد أبو عين رئيس هيئه مقاومه الجدار والاستيطان”” هل هناك وزير يطلب المساعدة والنصيحة من العامة في أول عمل له في وزارته نعم انه الوزير أبو طارق، وبالفعل قدم الكثير من الأشخاص النصيحة والإرشادات والمقترحات، وتقدم مرة أخرى بطلب المساعدة “19 سبتمبر، 2014 أهلنا وأصدقائي بالقدس الحبيب وفق قاعدة الشراكة بالرأي والفكر والعمل أتقدم منكم للاستنارة والمساعدة بهموم الاستيطان الجدار مقاومته فكركم رأيكم وما الممكن مساندته لصمودنا وتعزيز فلسطينية عاصمتنا” فكتب له الجميع ان هذه الخطوة هي دليل الإنسان الناجح والذي يسعى لتحقيق أهدافه وفعلا أصبح الوزير الأكثر نجاحا في فلسطين.

زياد أبو عين كان الأكثر حفاظا على وصية الشهيد أبو عمار، فبعد أن خاضت حركة فتح الكثير من الحروب المسلحة وصلت إلى نتيجة أن الوقت غير مناسب للمقاومة المسلحة، فاتخذت حركة فتح بقيادة الشهيد الرئيس الراحل أبو عمار القرار المهم في تاريخ الحركة وهو خيار المقاومة السلمية كخيار استراتيجي مؤقت، وعندما تم هذا القرار ظن الكثير أن المقاومة توقفت وخلدوا إلى النوم والراحة أو الانشغال بالسلطة وإدارتها، ولكن زياد أبو عين لم يكن يؤمن بالنوم والراحة، وأخذ بوصية الشهيد أبو عمار بان المقاومة بدأت ولم تتوقف، وكان يعتقد أن المقاومة السلمية أصعب بكثير من المقاومة المسلحة، وأننا يجب أن نعمل بكل جهد لتحقيق أهداف المقاومة السلمية لقد اخذ بوصية أبو عمار وحول المواجهة السلمية إلى مقاومة حقيقية.

من كان يقترب من الشهيد زياد أبو عين كان يؤمن أن هذا الشخص يحمل بداخلة مكونات إنسان عظيم، لم يكن يعرف اليأس، رغم كل ما تعانيه فلسطين من مصائب كان يؤمن بأن هذه المصائب زائلة وان الفرج قريب، فمنذ اليوم الأول لحرب غزة 2014 كان يقول لي بأنها قريبًا سوف تنتهي واستمر يردد هذه المقولة طوال الحرب، فكان متفائلًا بالنصر والحرية والوحدة، كانت آخر كلمة قالها لي قبل استشهاده بأنه بإذن الله قريبا سوف ننتصر ونحقق الدولة.

وبعد أيام من هذه الكلمة وصلتني رسالة لوكالة أخبار على الهاتف مكتوب بها اغتيال الوزير زياد أبو عين، لم أصدق ما في الرسالة، وقلت لنفسي أكيد هو جريح أو لم يتم إصابته من الأصل، ورجعت مسرعا إلى المنزل كي أتأكد من الخبر، ورغم أن الكهرباء كانت مفصولة تدبرت أمري من خلال بطارية لتشغيل الانترنت، وبحثت عن الخبر واذا صدمني مقطع فيديو يوثق عملية الاغتيال، فكانت جريمة على مرأى ومسمع العالم كله، كان زياد ابو عين في ذلك اليوم ذاهبًا لزراعة أشجار الزيتون في أراض مهددة بالاستيطان، ليثبت حقنا في هذه الأرض، وكنت أنتظر يومها بفارغ الصبر أن يعود الوزير من قرية ترمسعيا وينشر إنجازاته لهذا اليوم ويوثق ذلك بالصور كما كان يفعل بعد كل معركة.

فمنذ أن تولى منصب رئاسة هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أخذ بتكرار المعارك في الأراضي المهددة بالاستيطان وتوثيق ذلك، وكان يذهب بنفسه إلى ساحة المواجهة، لم يكن يؤمن بأنه يمكن إدارة الثورة من المكتب، فكان يتقدم الناس قبل دعوتهم لأي فعالية، وهو من يواجه الجنود والمستوطنين بصدره العاري، كان يحرج إسرائيل بنشاطاته المميزة التي كانت تهدف لفضح جرائمهم وإرهابهم، حتى أنه يوم استشهاده أقسم لأحد الصحفيين أنه اليوم سوف يحرج إسرائيل.

كانت اخر كلمة له قبل لحظات من اغتياله قال هذا جيش إرهابي يقوم بالاعتداء علينا ونحن جئنا لزراعة الزيتون ولا نحمل سلاحًا ولا نعتدي عليهم.

أي إنسان كان يعرف الشهيد أبو طارق حقاً وعن قرب كان لا بد أن يبكي على استشهاده، فبعد أن تأكدت من خبر استشهاده شعرت ذلك الشعور عندما استشهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وامتلأ قلبي بالحزن وأخذت أعبر عن مشاعري الحزينة في ذلك اليوم وكان أهم ما كتبت في ذلك اليوم هو قصيدة رثاء للشهيد زياد أبو عين مع أنني لست بشاعر ولكن حجم الحزن كان لا يطاق وهذه هي القصيدة:

أتقدم لروح الشهيد القائد زياد ابو عين بهذه القصيدة:

كـــــلــــنــــــا زيــــاد

حـــــــــمــــلـــت فــــيـــنـا حــــــلــم الـــوطــــــن يا زيــــاد …. ولــــــــقــــنــــتـــنـــا حــــــب الأرض فــــي كـــل مــــيــعــاد

طـــــاردت بــني صـــهيون بـــسلاح الأجداد …. وجــــعــــــلــــــت فـــــي الـــــــــســــلام وجـــــعـــاً للأوغـــــــــــاد

أســــروك ثــلاثة عــشر عــاماً كــلها أمــجاد …. ومـــــــــا اســـــتطاعـــوا اخـــــضاعــك يا قــلب العناد

أكـــــمــلــت مـــــشـوارك وحـــبـك للــوطــن ازداد …. فأنت خير من ضحى للوطن وأكثر من جاد

في كل منصب بالنضال (أبو عين) عاد …. مــــــــــــــواجــــــهــــة ومــــــــطـــــاردة وحــــــــــــسن إعداد

كـــــنــــت بـــيــنــهــم بطلاً مهما كثرت الاعداد …. وصـــــــــنـــعـــــت فــــــلــــســفـــة الــــمواجــــهة بـــلا فساد

فــــيــا عـــيــن لا تــبـــكي عـلى مــن بالدم جاد …. شـــــــــهــــــيـــــــدا ســــــكـــــــن الـــــوجــــدان بـــحـــب ووداد

قـــــتــــلــوك وانـــــت تــــــــزرع زيــــــــتـــــــون الـــــــــبـــلاد…. فــــــــكـــــــان الـــــــــــرد الـــــثـــوري كـــــــــــلــــنــــا زيـــــــــــــــــــــــــــــاد

شاهد أيضاً

رسائل الجماهير المحتشدة .. فتح ما زالت بخير

بقلم: الكاتب الباحث/ ناهض زقوت لقد اكدت الجماهير المحتشدة في ساحة السرايا والشوارع المحيطة بها …

اترك رد

Translate »