الرئيسيةأخباراسرائيلية«هآرتس» :أهلاً بكم في دولة المكعّبات الإسمنتية!

«هآرتس» :أهلاً بكم في دولة المكعّبات الإسمنتية!

خلال الاسابيع الأخيرة، أنهض يوميا مصابا بالصداع، وأشعر وكأن شيئا تجمد لي في دماغي، احتجتُ بعض الوقت إلى أن أدركت أن شخصا ما على ما يبدو زرع كتلة خرسانة صغيرة هناك، وأنه قد فعل ذلك لصالحي، حتى لا استغرق في التفكير، وحتى لا اتدخل في الشؤون الداخلية لدولة اسرائيل – ما هو جيد لنتنياهو هو بالضرورة جيد للمواطنين الذين ادركوا سلفا بأنه لن يكون هنا أمن وسلام، ولكن يوجد حماية.

حدث هذا ذات مرة مع أقنعة الغاز. خلال ثلاث سنوات قام رئيس الحكومة بطحننا عبر التهديد الإيراني، خلال هذه الفترة تعفنت الاقنعة التي وزعت علينا في الزوايا المهجورة، وتولدت الحاجة الفورية لإخافتنا من جديد وفورا، لكن هذه المرة بمنتوج بشع آخر – مكعبات الخرسانة.

في هذه الأيام الربيعية التي حلت في منتصف الشتاء، سافر يهودي ما نحو الشمال المخضر كي يتزلج على الثلوج الشحيحة لجبل الشيخ، ومشاهدة شقائق النعمان تزهر. أول ما اصطدم به كانت مكعبات الاسمنت الكبيرة، والتي لم يفهم بالضبط ما هي وظيفتها الاجتماعية، لكنه مع ذلك التقط سيلفي (صورة ذاتية) مع مكعب أو اثنين.

مرة في الاسبوع أقوم بزيارة ابنتي الصغيرة في القدس حيث تدرس، وهناك رأيت للمرة الاولى مكعبات الباطون في محطة القطار الخفيف وفي اماكن اخرى. صحيح أن المدينة جمعت سويا بغراء تم تصنيعه من الحصى والرمل والماء، والآن بات واضحا للجمهور، انه سيأتي يوم نوزع فيه مكعبات الخرسانة، لكننا أبدا لن نوزع (نقسم) القدس.

قبل شهرين، وفي اعقاب الاحداث المؤلمة التي جرت في مدينة الاسمنت المسلح، قال نفتالي بينت (والذي يشبه تماما مكعبا اسمنتيا، أصلع ومبتسم): «لا يوجد حق في البقاء لحكومة تختبئ خلف مكعبات الاسمنت! على «المخربين» الاختباء خلف مكعبات الاسمنت». «البيت اليهودي» هو مكعب اسمنتي.

عندما كنت ولدا في الموشاف، غنيت بحماس مع كل اصدقائي في المدرسة أغنية الوطن والتي أحببناها دون شروط «بسرور بالأغنية وبالتعب». وجميعنا صرخنا: «سنكسوك بفستان الباطون والإسمنت/ ونفرد لك سجاد الحقول/ على ترابك وحقولك ….. الخ».

مع مرور الايام تم استرداد حقول العرب، والتي انغرست فيها مثل العظمة في الحلق سجادات حقول المستوطنين. الباطون الذي كان يوما رمزا للطلائعية وللثورة، تحول إلى إجابة تامة في يد القيادة تتعامل به مع كل حدث بشع للحرب، والتي لن نوقفها من خلال فكرة اساسية أو مبادرة جديدة وشجاعة، فقط نقوم برصف ارضنا بالمكعبات الاسمنتية البشعة على طول الحدود المتخيلة من قبلنا، في الدولة الوحيدة في العالم التي ما زالت تحتفظ بالمستعمرات وتخفيها بالمكعبات الاسمنتية.

حتى في معركة الانتخابات، مع كامل التحصينات الغريبة فيها، ليس من الصدفة أن اليسار واليمين على حد سواء يطلقون على أنفسهم كلمة «كتلة» – ذلك أن كلا المعسكرين، المتشابهين إلى حد بعيد، ملتصق بكتل من إسمنت المصطلحات الفارغة. بأحزاب ليست اكثر من مكعبات اسمنتية وظيفتها طشطشة الناخب وايقافه عن التفكير حول من ينتخب، عليه فقط ان يدخل إلى قاعة التصويت ويضع شيئا في الصندوق بسرعة، لأن الوضع صعب والبيت يشتعل. «اسرائيل بيتنا» هي مجرد مكعب اسمنتي.

كان لجيشنا ذات مرة القليل من المنطق والاخلاق، اليوم هو جيش الدفاع عن المكعبات الاسمنتية. فقط رأس من الباطون يستطيع أن يقرر شهرين قبل الانتخابات، أن يقتل جنرالا ايرانيا ويتلقى الرد المتوقع: هجوم «حزب الله»، وجنودنا يقتلون ويجرحون. بعدها يوصي رؤوس الباطون بالتهدئة.

دون ان يفسروا لماذا كان مهما إلى هذا الحد تصفية الجنرال الإيراني وفي حال لم تنجح التهدئة، وزير الباطون (تحوير لكلمة بيطاحون التي تعني الأمن في اللغة العبرية – المحرر) يهدد بأننا مستعدون كما كنا دائما لعملية عسكرية أخرى توحدنا جميعا، على طريقتنا، بإخلاص والتصاق، وأصحاب الزوايا في التلفاز سيصرفون الانتباه عن احزان سلاسل العنف التي سوف تلصق الشعب في اسمنت الخوف والموت. روني دانيال هو الآخر مكعب اسمنت.

قبل اسبوع حولت الادارة المدنية لشركة تطوير شمال الضفة مساحات واسعة من اراضي المناطق المحتلة بقيمة ملايين الشواكل. بدون مزاد وبما يخالف التعليمات، بهدف تشغيل العمال الفلسطينيين ذوي الاجر الزهيد. لا شك أن هذه المبادرة الاقتصادية سوف تغرقنا بموجات جديدة من دوامات العنف والاصابات، لكننا دائما نستطيع النجاة منها والدفاع عن أنفسنا – هل تعلمون كم مكعبا اسمنتيا يمكن وضعها في ارض مساحتها 2400 دونم؟

تغلغل الباطون في كافة أرجاء هذه المدينة. لو أن احدا ما يفحص جسديا نائب رئيس الشرطة الذي تحرش جنسيا بتسع شرطيات، سيكتشف على الفور مكعبا اسمنتيا صغيرا في لباسه الداخلي السفلي، ما الذي يأكلونه في الشرطة هناك حتى يجعل كل هذا العدد من الشرطة متحرشين نظاميين؟ شكشوكة بيض وباطون وفياغرا، ما يحولهم من حماة القانون لمجرمين ومنحرفين؟

حيثما تنظر – سوف ترى مكعبات اسمنتية. الاعلام لا يشتغل برئيس الوزراء المستعاد عديم النظر، ولكنهم يشتغلون بنقود استعادة الزجاجات المستهلكة ونفقات زوجته. سارة هي مكعب بيبي الاسمنتي.

حيثما تذهب ستصطدم بمكعب اسمنتي يمنعك من الوصول إلى اي حل في الشرق الاوسط، ولهذا حسب رأيي، يجب ان نستبدل صيغة وثيقة الاستقلال الجميلة إلى صيغة جديدة وصحيحة: «ولذلك اجتمعنا نحن اعضاء مجلس الشعب وممثلي الاستيطان العبري، ونعلن بذلك على اقامة مكعب اسمنتي يهودي في أرض اسرائيل – دولة الباطون».

«هآرتس» – يونتان جيفن

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا