عند حسن الظن..! كتب أحمد دحبور

بسعادة غامرة تلامس دمعة الفرح، تلقيت نبأ فوز د. عاطف ابي سيف بجائزة البوكر العالمية الادبية، عن روايته «حياة معلقة»، وعاطف هو الشاب اليافاوي الذي عرفته قبل بضع سنوات في غزة، ومن المفارق ان ما جمع بيننا كان طرفة من «الشجار» العارض، انتهت الى صداقة حميمة، فهذا العاطف الصدوق هو احد اولئك البشر الذين ما ان تعرفهم حتى يصبحوا من اصدقاء العمر، فهو ذو ذهن لا يكف عن الاسئلة، وذو روح قلقة مزودة باعصاب متحفزة، وذو قابلية نادرة للمعرفة، ولعله – حين حصل على اجازة في الادب الانجليزي – كان اصغر شاب فلسطيني ينال تلك الشهادة، كنت اقول باستمرار: سيطلع من هذا الشاب شيء .. وبالفعل، كان عند حسن الظن.
كان طبيعيا ان اول ما افكر، هو الحصول على نسخة من رواية عاطف، وآمل ان أتمكن من ذلك بأقل قدر من العقبات، مع ان العقبة الاولى قد صنعتها حكومة غزة التي لم تسمح للدكتور الشاب بالسفر ليتناول جائزته – جائزة فلسطين، وآمل ألا نصطدم بعقبة ثانية عندما نرجو ان يعاد طبع روايته هذه لتكون بمتناول المثقفين والباحثين الفلسطينيين.
ومن الآن الى ان أسعد برؤية د. عاطف أبي سيف، سأظل أداعبه عن بعد متسائلا عن الروائي الذي كان مخبأ فيه، ذلك انه كان يبدو لي مشروع ناقد أدبي نظراً لما أذكره عنه من دقة الملاحظة، وذكاء التقاط الفكرة، الى جانب دأبه المضني على القراءة.
ولعلي أسأل نفسي مستغربا: فيم العجب؟ ألأني أعرفه منذ حداثة سنه النسبية؟ ولكن الكبار جميعا، كانوا صغار السن ثم شبوا او اكتهلوا، بل ألم يكن العجوز جورج برناردشو فتى في مقتبل الشباب يوما؟ انها الحياة ولسنا الا من بعض ابنائها ..
والمفارقة الأليمة في حكايتي مع د. عاطف، أني على مبعدة بعض ساعة منه ولكن وصول أحدنا الى الآخر، يذكرني باحدى روميات أبي فراس الذي خاطب ابن عمه سيف الدولة يشكو له واقع الحال:
وقد كنت أشكو البعد منك وبيننا
بلاد اذا امتدت يقرّبها الوجد
فكيف وفيما بيننا ملك قيصر
ولا أمل يحيي النفوس ولا وعد؟
على ان المضحك المبكي في هذه المشاجاة، ان الاحتلال قد خلق لنا مأساة تشبه النكتة، فمن يصدق ان غزة التي أموت شوقا اليها، تصل اليها السيارة المعافاة خلال خمس واربعين دقيقة لا أكثر؟ .. لكنه الاحتلال، ولأن الشجى يبعث الشجى، فاني أتذكر أياما عبثية قضيتها فتى في سجن حمص المركزي، وكنا «نحن المساجين» عندما نتذمر من وضعنا البائس، نسمع الجملة المهيبة الجاهزة: لا تنسوا انكم في السجن ..! وها أنذا في سجن الابتعاد، حتى ليصعب علي ان أهنئ نفسي بفوز صديق، ولكن هل هذا هو الأمر الوحيد الذي يحرمنا اياه الاحتلال؟ الا ان هذا موضوع آخر ..!
أما الموضوع الأول، فهو ان عاطفا كتب رواية ذات عنوان شعري جارح: حياة معلقة، وليس في هذا زخرف لغوي او تنهيدة وجودية، بل هو عنوان يقول بكلمتين مأساة شعب كامل عنيد عصيّ على الموت .. أليس من علامات الحياة فينا اننا ما زلنا نكتب ونشطب ونفوز بالجوائز حتى، وظل العسكري المحتل يحجب عنا الشمس كما حجب ظل الاسكندر المقدوني ظل الشمس عن نظر ديوجين؟ أمن العدل اننا ما ان نشعر بفرح ما، حتى نتذكر الاحتلال بكل ما يأتيه من منغصات واغلاق لباب الشمس! ولكن لم لا نحاول ان نرى الوجه المشرق للمشهد فقد فزنا بجائزة، وهو ما ليس بجديد علينا، فنحن في آخر حساب من شعب ظهر فيه محمود درويش وسميح القاسم واميل حبيبي ويوسف الخطيب ود. احسان عباس ود. محمد يوسف نجم ولو استرسلت في ذكر أسماء المبدعين الفلسطينيين لما ظل متسع في هذه الزاوية المتواضعة ..
ومع ذلك لا نزال ينقصنا الكثير، وهل ثمة ما هو أكثر من الاستقلال الحقيقي؟ وهل يمكن ان نتخلص من نكد عجائز الفرح الذين ما ان يسعدهم أمر حتى يتذكروا المنغصات فتراهم يبكون من لحظة واقعة في برزخ بين السعادة والأسى ..
ولهذا أستأذن في ان نطرح الأسى جانبا، او نؤجله على الأقل، لنلتفت الى الصديق العزيز، ابن يافا، د. عاطف أبي سيف، فنهنئه على الهناءة التي أوجدها لدى المثقفين العرب، اثر فوزه بهذه الجائزة العالمية الثمينة التي يستحقها عن جدارة ..
ومنها الى ما هو أكثر منها .. ونحن في الطريق، تغبطنا الوعود والآمال الكبيرة ..
وبعد ..، هل استطيع ان أتوقف قبل تجديد التهنئة لهذا المبدع الفلسطيني النضر؟ .. مبروك أيها اليافاوي الغزاوي الفلسطيني .. مبروك لفلسطين انك منها واليها .. ظنت بك خيراً، وكنت عند حسن الظن ..
وبعد هذه الزفة الاحتفالية، راحت السكرة وجاءت الفكرة، فكيف أوصل هذه الكلمات الى عاطف أبي سيف؟ وكيف يوصل اليّ تلك «الحياة المعلّقة»؟ ..

مواضيع ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

فتح ميديا أوروبا