الرئيسيةمختاراتمقالاتمحمود عيسى نعراني،،، وداعاً كتب عيسى عبد الحفيظ

محمود عيسى نعراني،،، وداعاً كتب عيسى عبد الحفيظ

قبل بضعة ايام غادرنا الشهيد محمود عيسى ابن قرية طبعون قضاء حيفا عام 1943، ذاق مرارة النكبة حين هاجر الى مخيم البداوي شمال لبنان على كتف والدته وعمره لا يتجاوز السنوات الخمس، الى المنافي البعيدة عن مسقط الجسد والروح قرية طبعون في قضاء حيفا عروس البحر وحارسها الكرمل. يبدو أن ذاكرة الطفولة لعبت دورها في تشكيل شخصية ذاك الطفل ابن النكبة فانتمى الى حركة القوميين العرب عام 1958 وهو في سن المراهقة. كأي طفل أو فتى فلسطيني، كانت ذاكرة الوطن ما زالت ماثلة في مخيلته، ورائحة البيادر وتطاير العصافير في الحقول بين اشجار الزيتون، والخير العميم يصاحب مواسم الحصاد، وخابية جدته التي تطفح بالزيت، ومواعين الفخار الممتلئة بالعسل والسمن طارت كلها دفعة واحدة لكنها بقيت بالذكراة، ذاكرة الصبية التي تلازم صاحبها حتى الشيخوخة. هناك أحداث لا يستطيع الانسان نسيانها حتى لو أراد ذلك، فما بالك بمن يصر على الاحتفاظ بها في بؤبؤ العين وتلافيف الذاكرة واعماق القلب. هي التي تجعل لحياته معنى وقيمة والا لما امتشق سلاح المقاومة، وشد بكل احاسيسه على مخزون الذاكرة العصية على مرض النسيان.
من هنا، انطلق الشهيد وعمره خمسة عشر عاماً في حركة القوميين العرب، لأنها كانت تنادي بتحرير فلسطين، ورفع راية التحدي ضد الاحتواء والتركيع وسياسة الامر الواقع حينما رفع علم فلسطين في معهد سبلين التابع لوكالة الغوث الدولية اثناء زيارة وفد الامم المتحدة تلك كانت بمثابة الجريمة التي تستحق أشد انواع العقاب فتم فصله وابعاده الى مصر!
كانت فرصة اخرى أتيحت للانخراط في دورة عسكرية مكثفة هناك ثم عاد الى الساحة اللبنانية بعد تسوية وضعه مع أجهزة الأمن. كانت حركة القوميين العرب قد تحولت الى العمل النضالي فانطلقت من رحمها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة المناضل الفقيد جورج حبش، الذي تبنى العنف الثوري، خاصة بعد نكسة حزيران 1967، فما كان من الشهيد الا أن انخرط بكامل طاقته في هذا الخضم الصعب والذي سيدفع ثمنه غالياً فيما بعد.
وتم تعيينه نائباً لمسؤول أمن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. انتقل الى حركة فتح عام 1975، وعمل مع الشهيد ابو الهول في الامن المركزي لحركة فتح، ثم مديراً لارشيف مركز الابحاث الفلسطينية، ثم مع الشهيد هواري في جهاز الامن الخاص.
انتقل الى تونس بعد الاجتياح، وفي عام 1985 هاجت به العاطفة فقرر زيارة ابنته المقيمة في كندا، حيث تم التحفظ عليه أمنياً، وسجلت محاكمته رقماً قياسياً اذ استمرت سبعة وعشرين عاماً، كان الشهيد خلالها قيد الاقامة الجبرية فيما كانت سلطات تل ابيب تطالب بتسليمه، واخيراً افرجت عنه السلطات الكندية وتم ترحيله الى لبنان عام 2013. ويبدو أنهم قد وصلوا إليه عن طريق حقنة أو قرص دواء أو غذاء فما أن وصل الى لبنان حتى بدأ يشكو من ظواهر مرضية حادة، وانهيار في بنى واجهزة الجسد، ولم تستطع التحاليل الطبية والفحوصات تشخيص السبب الذي أودى أخيراً بحياته بعد معاناة مريرة استمرت فترة زمنية قصيرة. رحم الله محمود النعراني واسكنه فسيح جناته.

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا