الشاويش ناصر

رشا حرزالله – من وراء زجاج غرفة الزيارة في سجن مجدو، مد الأسير ناصر العورتاني يده في صدره، وأخرج سلسلة صنعها من الخيطان الصوفية وعلقها في عنقه، حمل وجهها الأول اسم أمه، والوجه الأخر اسمه، قال، ‘أترون؟ لا أنساها، هي دائما معي، قولوا لها أنني دائم التفكير بها’.

كَبُرَ ناصر الذي دخل السجن طفلا قبل أحد عشر عاما، وصار اليوم شاويشا، يمثل زملاءه الأسرى أمام السجان، وينقل مطالبهم إلى إدارة السجن، ويرعى أمورهم بالقدر الممنوح لهم، وقدر الأسرى ضيق ومحدود.

‘سلامي للوالدة’ يكررها ناصر الذي صار شابا في السادسة والعشرين من العمر، كثيرا كأنه كبر فجأة في عتمة السجن، مودعا الطفولة وأحلامها، كيف أبحر بسنّي عمره إلى شاطئ الرجولة المبكرة؟ تراه أمه قد كبر فجأة، مع أنه سافر إلى شبابه على أقل من مهله، فأيام السجن أطول مما يعيشها الناس في بيوتهم.

‘ليلة الخامس والعشرين من آذار عام 2004، حاصرت القوات الإسرائيلية منزلنا في مدينة نابلس، وانتزعت ناصر الصغير ابن الصف العاشر من حضن عائلته’، تقطع والدته إخلاص حديثها فجأة، كأنها تذكرت شيء مهم، تغيب لحظة قبل أن تعود بورقة ‘هذه آخر شهادة حصل عليها بمعدل جيد جدا، احتفظت بها في أحد الأدراج المخصصة لأغراضه’.

أقفل الاحتلال باب السجن على ناصر عندما كان طفلا في الخامسة عشرة من عمره، حينما أصدرت المحكمة الإسرائيلية حكمها عام 2005 بحبسه لمدة 20 عاما، وهي أطول فترة يُحكم بها من كان أصغر طفل فلسطيني داخل السجن في ذلك الوقت.

إسرائيل تعتقل الأطفال الفلسطينيين بشكل صادم؛ ففي عام 2014 سجل نادي الأسير اعتقال 1600 طفل من الضفة الغربية، 900 منهم من القدس المحتلة، ويقبع الآن أكثر من 250 طفل في ثلاثة سجون هي: ‘مجدو’، و’عوفر’، و’هشارون’، في ظروف لا إنسانية ومخالفة للأعراف والقوانين الدولية.

في السجن لا يمل ناصر من أن يرسل لوالدته التي لا يسمح لها الاحتلال زيارته سوى مرة كل عام، كومة الحب والاشتياق مع الأهالي: ‘سلمولي عليها، طمنوها عني’، أخبرنا ناصر أن أمله بالحرية لا يفارقه.

43 يوما أمضاها في التحقيق في ما يعرف بمركز ‘بتاح تيكفا’ لا يعلم شيئاً عن العالم الخارجي، لقي خلالها أصنافا مختلفة من التعذيب، فمن تقييده بالكرسي ساعات طويله إلى الشبح والضرب على أماكن حساسة من جسده، والعزل في الزنازين جعلته يفقد الكثير من وزنه، قبل أن ينقل إلى قسم الأشبال في سجن تلموند.

وفي تقرير لها، أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة ‘اليونسكو’ أن أكثر من ثلاثة أرباع الأطفال الفلسطينيين المحتجزين لدى الاحتلال، تعرضوا للعنف الجسدي والتفتيش العاري، وما يثير القلق هو المدة الطويلة من الحبس الانفرادي لأغراض الاستجواب، وهي ممارسة قد ترقى إلى التعذيب بموجب القانون الدولي.

تضيف إخلاص أبو السعود، والدة ناصر: ‘بعد اعتقاله بخمسة أشهر، حضرت القوات الإسرائيلية إلى المنزل مرة أخرى، هذه المرة كانت لاعتقالي أنا، وحوكمت بالسجن الإداري لمدة 13 شهرا في سجن ‘هشارون’، بينما كان ناصر حينها في قسم الأشبال في سجن ‘تلموند’، ما أدى إلى انقطاع الاتصال بيننا، وحرماننا من زيارة الأهل’.

أثناء وجودها في السجن، مضت أسابيع عدة دون أن تعلم إخلاص (42 عاما) أية أخبار عن ابنها ناصر، حتى فوجئت باتصال من والدتها على إحدى الإذاعات تبلغها أن المحكمة نطقت بالحكم عليه.

تقول: ‘كنت أستمع لبرنامج الأسرى، واعتدت أن تتصل أمي وتبلغني بأخر الأخبار، لكن ذلك اليوم لم يكن اتصالها عاديا، حيث شعرت بصوتها يرتجف ولا تتمالك نفسها، سكتت لبرهة وقالت لي: ‘يما.. حكموا ناصر 20 سنه، أطلبي من الله يفرج عنه’ ‘أذكر أنني في حياتي كلها لم أبك مثل ذلك اليوم، شعرت بالنار تأكل صدري لا حول لي ولا قوة’.

خلال فترة اعتقالها، سمحت قوات الاحتلال لها برؤية ناصر وزيارته، تقول: ‘شعرت أن جدران السجن تبكي حزنا علينا، يومها أخذتني إدارة السجن من سجني في ‘هشارون’ إلى سجنه حيث كان في ذلك الوقت في سجن ‘ريمون’، لم يكن ناصر يعلم أني معتقلة، عندما رآني فرح كثيرا وقبلني، وقال لي: ‘لن أفقد الأمل، لكنه استغرب، ولِمَ أزره وحدي دون وجود أي من عائلات الأسرى من مدينة نابلس، صمت طويلا قبل أن أقول له: إنني معتقله مثله، بكى بشكل هستيري وارتمى بين ذراعي’.

منعت الأم بعد الإفراج عنها من زيارته، كونها أسيرة محررة، ولم تتمكن من رؤيته سوى بعد عامين من تاريخ الإفراج: ‘للوهلة الأولى لم أستطع التعرف عليه، كبر ابني، لحيته نبتت، وجدته فارع الطول، طريقة حديثة أوحت لي بأن ناصر الطفل كبر قبل الأوان’.

نصيبه من الوطن أن يكبر عاما بعد عام خلف القضبان، وينتقل من مرحلة عمرية الى أخرى، بعيداً عن المناسبات العائلية والأعياد وفصول السنة، وهو ما يدفعه للطلب من عائلته احضار صور لمدينة نابلس وشوارعها في مختلف الفصول، أخبر ناصر عائلته أنه يحلم برؤية الثلج، فأرسلوا له مجموعة صور للثلج، يقلب بياضها في سواد السجن.

الأخصائي النفسي والعلاجي في المركز الفلسطيني للإرشاد مراد عمر، قال: ‘إن اعتقال الأطفال ووضعهم في ظروف احتجاز سيئة يؤثر نفسيا واجتماعيا على حياتهم، والهدف منه هو تجريم الطفل وتذنيبه حتى وإن كان مؤمنا بما قام به’.

ويوضح عمر أن السجن للأطفال وانتقالهم لمرحلة الشباب مباشرة دون أن يتمكنوا من عيش كل مرحلة بتفاصيلها، يخلق له مشكلة فيما يعرف باسم الذكاء العاطفي ومدى قدرته على فرز عواطفه الذاتية بوقتها ومكانها الصحيح، لذلك فإن عواطف الطفولة تبقى مدفونة لدية لأن الظروف أجبرته على ذلك، وبالتالي فإنه يعيش حياة مشوشة ويُعدُها خسارة لا يمكن تعويضها.

ويؤكد التقرير الأخير للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، أن 76% من الأطفال الذين تم اعتقالهم عام 2014 تعرضوا للعنف الجسدي، سواء خلال الاعتقال أو التحقيق، ومن بينها تقييد اليدين والقدمين خلال الاعتقال وتعصيب العينين، والتفتيش العاري.

ولأن مهمته اقتلاع الأمل منا، وزرع العتمة، يعتقلنا أطفال، دون أن يدرك أنه يربي داخلنا ضوء شاسع من الوطن، حيث لم تستطع السلاسل قتل الطفولة الكامنة داخل ناصر الذي ما زال يهوى متابعة الرسوم المتحركة، وسماع أغاني الأطفال، ويضفي أجواء مرحة ممزوجة بنكهة الطفولة على جميع الأسرى.

أخبار ذات علاقة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

أهم الأخبار

اخترنا لكم

المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوروبا